خريف الإخوان يدق أبواب حكومة بنكيران

حجم الخط
0

بعد حوالي شهرين من إعلان حزب الاستقلال المغربي ثاني الأحزاب الفائزة في الانتخابات التشريعية لسنة 2011 نيته الانسحاب من الائتلاف الحكومي، الذي يضم خليطا غير منسجم، يتشكل من كل من حزب العدالة والتنمية الإسلامي وحزب الاستقلال المحافظ وحزب الحركة الشعبية (اليميني) وحزب التقدم والاشتراكية الاشتراكي، أقدم أعضاء الحزب المذكور على تقديم استقالاتهم من الحكومة المغربية (باستثناء وزير التربـــــية الوطنية) التي يقودها الإسلاميون، وقد جاءت هذه الاستقالة في ظرف دولي شديدة الدقة، خصوصا على مســـتوى التطورات الدراماتيكية التي مازال ‘الربيع العــربي’ يحبل بها، والتي كان من أبرزها سقوط حزب ‘الإخوان المسلمين’ من على كرسي الحكم بمصر، على إثر تدخل الجيش لعزل الرئيس محمد مرسي بضغط من الساحات والميادين، وما يحمله ذلك من انتكاسة للمشروع الإخواني، وما يعنيه من تداعيات حتمية على كل الأقطار التي تتولى حكوماتها أحزاب ذات توجهات إسلامية، الذي لا شك أن تكون له ارتدادات في المملكة المغربية التي يقود حكومتها حزب العدالة والتنمية، المرتبط بعلاقات وثيقة مع حزب العدالة والتنمية التركي وبالرئيس المصري المعزول محمد مرسي، وغيرها من الحركات الإخوانية.
الملاحظة الرئيسية في تقديم حزب الاستقلال المغربي لاستقالته من الحكومة بعد حوالي شهرين من إعلان نيته الانسحاب منها، هو توقيتها اللافت الذي لا يخــــلو من دلالات لا يمكن فصلها عن السياق العام لما يجري في دول ‘الربيع العربي’ من تطـــورات تصب كلــها في اتجـــاه وجــود نوع من التغيير الجوهـــري على مستوى صــــانعي القرار الدولي، إزاء النظرة إلى حركة الإخوان المسلمين خاصة، والحركات ذات التوجهات الإسلامية عموما والذي يظهر من خلال:
تعيين الشيخ تميم لتولي الحكم في قطر عوضا عن الشيخ حمد، الذي لعب أدوارا طلائعية في دعم الإخوان المسلمين ماديا وإعلاميا.
ما يقع في تركيا من احتجاجات مستمرة في ساحة ‘تقسيم’ وغيرها، الذي لا شك أن تضافر معطيات موضوعية وجيهة سببت اندلاعها، ناتجة عن أخطاء حزب رجب طيب أردوغان الحاكم بتركيا، إلا أن بصمات الهندسة الغربية، خصوصا الولايات المتحدة الأمريكية حاضرة وبقوة في بعض جوانب تفصيلاتها، لتوجيه رسائل من نوع خاص لتركيا بضرورة إعادة تموضعها بالشكل الذي تفرضه التطورات الميدانية في المنطقة، وما تمليه من أدوار جديدة ومختلفة عن السياقات السابقة.
عزل الرئيس محمد مرسي وما تلاه من إشادة وتهنئة من قبل كل من السعودية والإمارات العربية المتحدة وحتى قطر، التي كانت من أشد داعمي ‘الإخوان المسلمين.
تأكيد الولايات المتحدة الأمريكية بأن الشعب المصري قال كلمته في مرسي.
فوز أحمد عاصي الجربا المدعوم من المملكة السعودية برئاسة الائتلاف السوري الوطني المعارض على حساب ممثل الإخوان المسلمين فاروق طيفور المحسوب على قطر.
تأكيد العاهل السعودي بأن المملكة لن تقبل في بلادها أحزابا تستغل الدين.
ظهور مجموعة من حركات التمرد على غرار ‘تمرد’ المصرية في كل من تونس وليبيا، التي بلغ صداها إلى المغرب عبر ظهور عدة حركات ‘تمرد’ مغربية. والملاحظ في هذا الإطار أن تناسل حركات ‘التمرد’ بهذا الشكل الفجائي، خصوصا في المغرب يطرح أكثر من علامة استفهام، فالمغرب يعد من البلدان القلائل التي لها رصيد كبير ومتنوع من الحركات الاحتجاجية منذ زمن بعيد، تراوحت بين انتفاضات واحتجاجات طلابية ونقابية وحقوقية ومدنية، وحركات عاطلين عن العمل، التي لم تهدأ يوما في المغرب وغيرها، مما أكسب السلطات المغربية تجربة كبيرة جدا في كيفية التعامل مع كل هذه الحركات واحتوائها، بل واستباقها من أجل تنفيس متحكم فيه للاحتقانات والتوترات أو لتحقيق مآرب أخرى.
يمكن القول بأن كل هذه التغيرات والمواقف لا يمكن فهمها إلا في إطار موقف دولي مستجد من حركات الإسلام السياسي، التي تم الرهان عليها كثيرا من قبل الغرب لتولي الحكم في دول ‘الربيع العربي’، أو لتدبير متطلبات رياح هذا الربيع في دول أخرى كالمغرب. صحيح أن حزب العدالة والتنمية المغربي وصل إلى السلطة عن طريق صناديق الاقتراع على اثر انتخابات 2011، التي مكنته من أول فوز في تاريخ الحركات الإسلامية بالمغرب، إلا أن الصحيح أيضا أن موجة الربيع العربي فرضت على المغرب حزب العدالة والتنمية لتولي الحكومة من أجل تدبير متطلبات مرحلة هذا الربيع الحرجة والدقيقة، وإذا كان حزب العدالة والتنمية قد استفاد من الحراك الشعبي الذي عم الكثير من الدول، بما فيها المغرب وفرض نفسه في المشهد السياسي المغربي باعتباره أداة ملحة وضرورية لتسيير المرحلة وضبط إيقاعاتها فإن نفس هذا ‘الربيع العربي’ سرعان ما بدأ ينقلب على كثير من تجارب الحكم الإسلامي في دوله، وبما أن الظروف تغيرت وأصبحت فئات عريضة من الشعوب تنادي في كثير من دول الربيع العربي بتنحية هؤلاء عن السلطة باعتبارهم حرفوا الثورة، ولعدم كفاءتهم، فإن الوقت بات مؤاتيا لوضع حد للتسيير المرتبك لحكومة بنكيران، الذي سبب امتعاض كثير من شرائح الشعب المغربي من عاطلين وموظفين وفئات أخرى، مما يمكن القول معه بأن حزب الاستقلال قد اختار التوقيت المناسب لتنفيذ انسحابه من الحكومة، التي اتهمها حزب حميد شباط بـ:
الافتقار للخبرة والتجربة الكافية لقيادة الحكومة في ظروف وطنية ودولية دقيقة.
الهيمنة على الإدارة من خلال تعيين عناصر موالية للحزب.
انتهاج سياسة تمس الطبقات الشعبية والموظفين من خلال الرفع المستمر والممنهج للأجور.
والجدير بالذكر أن حزب الاستقلال ومنذ 23 ايلول/سبتمبر تاريخ انتخاب حميد شباط أمينا عاما لحزب الاستقلال خلفا لعباس الفاسي، كان قد اشترط على حكومة بنكيران مجموعة من الشروط للاستمرار في هذه الحكومة، التي كانت تفهم كونها ضغطا من الأمين العام الجديد في اتجاه تعديل حكومي يعيد النظر في تركيبة وزراء حزب الاستقلال بما يتماشى وتطلعات الزعيم الجديد للحزب، وهذه الشروط هي، وقف إصلاح صندوق المقاصة. وقف الإصلاح الضريبي. وقف إصلاح صندوق التقاعد. تأجيل الانتخابات المحلية إلى سنة 2015.
إجمالا فإن الأزمة الحكومية المغربية الحالية لا يمكن فصلها عن السياق الإقليمي والدولي المتحرك، الذي لا بد أن تكون له تداعياته في المغرب الذي يشكل جزءا لا يتجزأ من محيطه الواسع، على الرغم من المعطيات المحلية الكثيرة التي تتحكم فيها، وإذا تمت الموافقة على استقالة حزب الاستقلال من قبل جلالة الملك، كما ينص الدستور المغربي، فإن أبرز سيناريوهات هذه الأزمة تتراوح بين العمل على تأمين الحزب الفائز في الانتخابات التشريعية لسنة 2011 وهو حزب العدالة والتنمية ذو التوجهات الإسلامية للحد الأدنى من المقاعد لضمان الأغلبية، وهي 38 مقعدا، وهو أمر جد ممكن من الناحية النظرية إلا أنه عمليا سيصطدم بالشروط التي ستفرضها الأحزاب المتفاوض معها من أجل الدخول للحكومة، وبين تقديم الحكومة لاستقالتها والدعوة بالتالي إلى انتخابات تشريعية مبكرة، من المحتمل أن تعصف بحزب بنكيران بنفس الطريقة التي حملته إلى الحكومة، وهذا هو السيناريوالأقرب إلى الواقع، بالنظر إلى السياق المحلي والإقليمي والدولي الذي يبدو أنه بدأ يدير الظهر لحركات الإسلام السياسي في كثير من البلدان، خاصة مصر مما يمكن القول معه بأن خريف الإخوان في مصر قد بدأ يدق أبواب حكومة بنكيران.

‘ كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية