يحتار قارىء الأخبار في محطة «العربية» وهو يحاول تتبع الكلمات التي يتمتم بها وزير الدفاع الروسي، وهو برفقة القيصر فلاديمير بوتين في اجتماع خاص نظم في ما يبدو لدراسة مستوى الإحتراف في القوات الجوية الروسية، التي تدربت وتتدرب على لحم الأطفال في حلب وتستعد لاقتحام مدينة إدلب.
المذيع تلعثم قليلا، وهو يحاول شرح المفارقة، فالنبأ يقول ما يلي: تقدم بوتين – بلا خجل أو وجل – بالشكر على «الخبرات الرفيعة» التي أظهرتها قواته الجوية في حلب.
تخيلـوا معي الشــباب بتـوع القيصـر كانـوا طوال الوقــت يختبـرون قواهم بمعنــى يخوضون في مناورة تدريبيـة بالذخيـرة الحيـة ترسـل الحــمم على رؤوس أطفــال ســـوريا.
يعنـي «العـم بوتـين»، أزال الله ظلـه في الأرض وحاسـبه شر حساب في السماء، فخور بنتائج التدريبات التي بددت خمـول بساطير الجيش الأحمر والمسـألة عليه لا عـلاقة لها بدعم «نظام الشرعية» في دمشق ولا بانتاج توازن استراتيجي دولي.
هكذا وبكل بساطة وصلافة يتحدث بوتين عن خبرات تطلبت من وزارة دفاع موسكو احضار أضخم حاملات طائراتها في العالم وكل أسلحتها الإستراتيجية لتحرير حلب من مجموعة «إرهابيين».. من يصدق مثل هذا الدجل بعـد الآن؟
حتى عظام ستالين تتحرك في مرقده الأبدي بعد هذا التصريح المخجل، الذي أربك الزملاء في «العربية»، كما أربك الشيوعيين العرب فتدفقوا يبحثون عن معلقين من المعارضة السورية.
بوتين لم يحضر كل مجنزراته وناقلاته وفرقاطاته من أجل عيون بشار الأسد بالتأكيد، فهذه العيون التي لم تذرف ولا دمعة على طفل سوري بعد لا تستحق كل هذا التدريب والإنفاق حتى وإن كان في طرفها الذهني حول أو حور.
بوتين يحتسي فودكا الانتصار على جماجم أطفال حلب وإدلب!
كل شيء بيتكلم «تركي»
في قبرص الشمالية توجد فضائية واحدة عمليا تبث تلك الأهازيج التركية الحماسية، التي تهتف ضد المجازر اليونانية، لكن الريادة والصدارة بطبيعة الحال لفضائيات الأم، وتحديدا «تي آر» التركية التي يعتمد عليها القبارصة الأتراك لمعرفة ما يجري في العالم.
كل شيء في الجزء الشمالي من قبرص بـ»يتكلم تركي».. الناس والتجار والمطاعم والرايات وحتى الأرض باستثناء ما خلفه الإستعمار البريطاني فنظام السير إنكليزي بامتياز ومقود السيارات كلها على اليمين وهي المسألة التي يتردد أن الأم التركية أخفقت في تعديلها حتى الآن.
المهم شبكة فضائيات الدولة التركية بكل صنـوفها حضـرت إحتفـالات الجمـهورية المحاصـرة بمنـاسبة إعـلان الإستقـلال، وتغـيب خـلافا للعـادة هذه المرة الرئـيس التـركي رجـب طـيب أردوغان وحضر نيابة عنه نائب رئيس الوزراء في حـفل ناشط وأنيق رفعت فيه الأعلام التركية أكثر بكثير من غيرهـا.
هي جمهورية العلمين، ففي كل مكان بما في ذلك القصر الرئاسي ووزارة الخارجية ترفع الأعلام التركية على سارية وعلم الجمهورية الصغيرة على السارية المقابلة والشاشات تصدح ليلا نهارا بالأنشودة التركية.
النصوص غير المقدسة
إطلالة وزير الإتصال الأردني التلفزيونية الأخيرة مميزة فالرجل يصر على أنه لا بد من تطوير وتعديل المناهج لأن الصورة، التي بثتها محطة «الجزيرة»، وهي تتحدث عن الوضع الإقتصادي مؤخرا ما زالت تعني الكثير: صبية فرحون بعبث… شبان ملتحون بدشاديش… أشخاص نشك بأنهم قرأوا أصلا المنهاجين المعدل والجديد يتحلقون حول حلقة نار على طريقة «أم بي سي 2» ويرقصون حول كتب المدرسة التي تحرق وسط صيحات من بينـها «هيه هيـه هيـه.. والـله وأكـبر».
أجزم بان أبطال المشهد لا يعرفون ما هي القصة.. وأن نقيب المعلمين «البعثي» ركب الموجة حتى يجبر الحكومة على التفاوض معه بعدما ساعدته أصلا في الانتخابات وصوتت له بإقصاء الإخوان المسلمين.
لا يوجد أسوأ من معلم يشارك في إحراق كتاب مدرسي، ولا من أمة تحرق كتبها بدعوى منع «تغريب» المناهج… يا ليتها أصلا غربية أو حتى تايوانية، ومن المعيب أن ينظر مجتمع ما لنصوص كتاب مدرسي على أنها «مقدسة»، فنحن نتربى ونتعلم ونترعرع وسط وابل من النصوص المقدسة التي تتجاوز الدين أصلا فتكثر من ثقافة العيب والحرام وتحيل حياتنا إلى خطين متوازيين تحددهما السلطة والأعراف، وعلينا أن نمضي العمر نتراوح بينهـما.
لذلك أؤيد الوزير محمد المومني عندما يصر على أن المناهج ينبغي أن تتطور وتتعدل والاعتراض عليها ينحصر في المختصين.. نعم هذا كلام صحيح على أن لا ينسى المختصون تقليم الكتب المدرسة من تلك الإنشائيات الوطنية المعلبة التسحيجية، التي لا تفيد الناس ولا تنفع الدولة.
مدير مكتب «القدس العربي» في عمان
بسام البدارين