مصر ما بعد 30 يونيو: حقوق وواجبات

حجم الخط
0

من حق أنصار الدكتور محمد مرسي ومؤيديه أن يلجأوا إلى كل وسائل الاعتراض على عزله، ما دامت الوسائل سلمية وديمقراطية وحضارية، كما من حقهم أن يدافعوا عما يعتقدونه شرعية دستورية وقانونية يمثلها الرئيس المنتخب قبل عام، وان يستنفدوا كل الحجج السياسية والقانونية لتبرير دفاعهم هذا، لكن بالتأكيد ليس من حق هؤلاء أو غيرهم، أن يتجاوزا الإطار السلمي والديمقراطي للاحتجاج، أو يدفعوا بشباب متحمس إلى مواجهات معروفة النتائج ومتجاهلة قوله تعالى: ‘ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة’.
كما ليس من حق مؤيدي الرئيس مرسي وأنصاره أن يبّرروا، أو يغطوا، عمليات أمنية عسكرية تستهدف القوات المسلحة وقوات الشرطة، لاسيما في سيناء، لأنهم يدركون أكثر من غيرهم العواقب الخطيرة والوخيــــمة للانـــزلاق إلى مثل هذه العمليات على مستقبل مصر وأمنها الداخلي والقومي ومناعتها الوطنية.
وبالمقابل فان من حق جماهير 30 يونيو، وقد ملأت بملايينها الميادين والساحات والحواري والقرى والنجوع، أن تعتبر إن التغيير الذي حدث في مصر هو تغيير ديمقراطي وثوري ينطوي على مبررات عديدة ومهمة ليس أقلها إن الدكتور مرسي، وهو المنتخب ديمقراطياً، قد أصم أذنيه أمام دعوات الشعب والجيش والشرطة والقضاء والأزهر والكنيسة والأحزاب عموماً، بما فيها أحزاب اسلامية من اجل انتخابات رئاسية مبكرة أو على الأقل من اجل استفتاء على هذا الطلب الشعبي الكاسح، فيحصن رئاسته من جهة، ويحصن المسار الديمقراطي في مصر وهذا هو الأهم.
كما من حق ثوار 30 يونيو أن يسعوا بكل الوسائل السلمية والديمقراطية والقانونية المتاحة إلى تحصين الموجة الثورية الثانية، كي لا تتعرض هي الأخرى ‘للسرقة’، كما يتحدث هؤلاء عما جرى لثورة 25 يناير2011، ومن حقهم أن يتسلحوا بأعلى درجات اليقظة والحذر مما يحاك لبلدهم من مخططات ومؤامرات، في ظل قلق واضح لا يخفيه الإسرائيليون، ومع تخبط خطير يطبع السياسة الأمريكية، وهو تخبط يزيد من خطورته توجه بارجتين حربيتين أمريكيتين إلى البحر الأحمر، في رسالة غامضة لا تقل غموضاً عن خلفية التسريبات الأمريكية عن عدوان صهيوني على ميناء اللاذقية قبل ايام.
لكن حقوق طرفي النزاع الدائر في مصر لا تلغي واجبهما في اجراء مراجعات مرتبطة بالقراءة الموضوعية لما جرى في أيام مصر التي هزت العالم كله.
فجماعة الإخوان المسلمين خصوصاً، ومجمل الحركات الإسلامية المتحالفة معها، مدعوون إلى مراجعة عميقة وجريئة لتجربة اكثر من عامين اللذين مرّا على الإطاحة بنظام مبارك، مراجعة تشمل الإيديولوجي كما السياسي، الاستراتيجي كما التكتيكي، مراجعة منطلقة أساساً من الإقرار بوجود نمط حياة في مجتمعاتنا العربية، لاسيّما في مصر، يدرك معاني التنوع في هذه المجتمعات ويحترمه ويدافع عنه، ويسعى إلى مواكبة انجازات العصر المعرفية والإنسانية من دون التخلّي بالطبع عن المرتكزات العقائدية والروحية والحضارية لتراث هذه الأمة.
وجماعة الإخوان المسلمين وحلفاؤها، اثبتوا أنهم مكوّن رئيسي من مكونات المجتمع المصري، لا يمكن تجاهل دوره وتأثيره، مدعوون أيضاً إلى الإقرار بسلبيات وشوائب عديدة لحقت بتجربتهم في إدارة السلطة خلال العام المنصرم، فنجحوا في فترة قياسية في حشد كل هذه القوى في مواجهتهم، متناسين ان الدكتور مرسي فاز في انتخابات الرئاسة، في دورتيها الأولى والثانية، بأكثرية ضئيلة جداً، وبالتالي فقد كان من واجبه أن يكسب ثقة بعض من انتخب منافسيه لا أن يخسر عدداً كبيراً ممن انتخبه، وهو عدد يمثله الفارق بين ما ناله في الدورة الأولى (حوالي ستة ملايين صوت) وبين ما ناله في الدورة الثانية (حوالي 13 مليون صوت).
ولعل ابرز تلك الأخطاء ايضا هو وقوعهم فريسة خدعة أمريكية كبرى وعدتهم بالدعم الكامل وبتحييد الجيش، وإذ بالدعم يتلاشى، والجيش يتمرد رغم اتصالات وزير الدفاع الأمريكي تشاك هاغل ورئيس الاركان مارتن ديمبسي، وما نقل عنهما من تهديدات كلامية.
وبالمقابل أيضاً، فان قوى 13 يونيو، وهي عبارة عن تحالف واسع جداً جمعته بالأمس ‘معارضة’ مرسي، وتفرقه اليوم أفكار ومواقف ومصالح متضاربة، مدعوة بالمقابل إلى صياغة برنامج عمل وطني سياسي واجتماعي واسع يحدد الأولويات وسبل معالجة الأزمات المطروحة، خصوصاً ان مصر على ابواب انتخابات تشريعية ورئاسية، وأول بنود هذا البرنامج هو تهيئة الظروف المؤاتية لمراجعة عميقة، ولمشاركة فعلية، ولمصالحة وطنية ضرورية لا تستبعد إلا من يستبعد نفسه، كما إيجاد الأدوات والآليات الضرورية للتأكيد على إن عهد ما بعد 30 يونيو لن يقع في أخطاء الإقصاء والانتقام والتشفي التي وقعت بها عهود سابقة.
وفي هذا الإطار أيضاً، وانطلاقاً من دور مصر المحوري في حماية أمنها القومي وصون امن الأمة كلها، فان قوى 30 يونيو، لاسيّما الإعلامية منها، مدعوة إلى التصدي لحملات التحريض والكراهية ضد الفلسطينيين والسوريين، وعدم تحميل الشعبين الأقرب إلى الشعب المصري، مسؤولية أعمال أفراد تستطيع الأجهزة أن تحاكمهم فرداً فرداً، وفق أدلة موثقة، وتعزلهم عن الحالة العامة.
هنا، تبرز إلى الواجهة مسألة الإقفال المتكرر لمعبر رفح، وقد باتت له رمزية كبرى في معركة كسر الحصار على غزة، كما تبرز مسألة فرض تأشيرات على آلاف المواطنين السوريين يريدون الدخول ‘آمنين’ إلى مصر، فيما كان يمكن مراقبة الأعداد المحدودة بينهم ممن يمكن أن يسيئوا إلى امن مصر من دون اخذ بقية السوريين بجريرتهم.
إن أمضى سلاح تعطيه حكومة مصر ما بعد 30 يونيو لخصومها هي أن تنزلق إلى ممارسات بعيدة عن روح مصر العربية ودورها كحاضنة لكل العرب والمسلمين. كما أن أمضى سلاح يمنحه أنصار مرسي ومؤيدوه لمعارضيهم هو استمرارهم في السقوط بمنطق إقصاء الآخرين وتكفيرهم وتخوينهم، كما في الانزلاق إلى عنفٍ لم يدخل بلداً إلا ودمرّ مقوماته ومرتكزاته وعناصر قوته وجيشه الوطني متسبباً بقتل مئات الالاف من المواطنين.

‘ كاتب لبناني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية