«ذئاب منوية» للشاعر الفلسطيني أحمد أبو سليم، رواية نزع الأقنعة، وتعرية الواقع، ووضع الأمور في نصابها. نعم، الحقيقة جارحة وصادمة، ولكن لا بد منها للبدء على بصيرة ونظافة من جديد لمن يروم أن يستمر، ويقوم من كبوته ويتجاوز صدمته.
الحقيقة تُعشي العين، وتعلقك عاريا أمام الجميع وأمام نفسك، ولكنها خير من البقاء في الظلام أعمى لا تُبصر طريقا، ولا ترى سبيلا للخروج. ضرب الرأس بالحائط والدم النازف منها، قد يعيد إليك اتزانك، ويعمل على إعادة هيكلة التفكير. الصدمات تقضي على الضعفاء المتخاذلين، ولكنها تقوي أصحاب المبادئ، وتشد من عزائمهم، وتزودهم بمناعة دائمة تصعب خلخلتها من جديد.
«ذئاب منوية» عنوان غير مألوف، يثير الريبة والتوجس، فقد علق أحد النقاد: «نحن عندنا دعارة ثقافية فما الذي يمكن أن يفهم من حفل توقيع تنظمه مؤسسة محترمة لرواية يوحي عنوانها بهذا النوع من الدعارة الثقافية». فالعنوان بوصفه عتبة للنص، أوهمه أنه إذا كان العنوان (داعرا) فالنص دعارة على مصراعيها. وأظن الناقد العزيز تسرع في الحكم، وهو الأكاديمي المرموق، فيجب ألا نحكم على الرواية كاملة من العنوان، فالعنوان مخاتل، وهو للحق ضربة معلم، وعلامة إبداعية لأبو سليم، بعد عنوان روايته الأولى اللافت «الحاسة صفر»، فالذئب هو الحيوان الأكثر توظيفا في الأدب، والمنوية مصطلح بيولوجي متداول بين الجميع وفي الصفوف المدرسية. أما ما يوحيه العنوان، فهو مسؤولية القارئ،
لم يتأخر أبو سليم في توضيح المقصود بالعنوان، تجنبا لإساءة الفهم، وعوار التأويل: «جعلونا يا صديقي مجرد ذئاب منوية تتصارع على بويضة واحدة فقط، وأقنعونا بأن الثاني خاسر مثل الأخير». إذن هي غريزة الصراع والافتراس والأنانية التي أيقظوها في نفوس الناس، فتحول الإنسان إلى قناص فرص، يسابق الجميع للانقضاض على الفريسة، لا يسأل عن أحد، ولا يهتم بأحد، المهم هو، والآخرون هم الجحيم. هذه الغريزة التي همشت وزوت قيم الجمال والحب والتعاون والتسامح والتكافل، فأصبح الإنسان مجرد ذئب، يعيش لينهش، ويتحين الفرص ليستفرد بالصيد.
تضعنا «ذئاب منوية» أمام حقيقتنا دون رتوش ومجاملات، فالأمر لا يحتمل أنصاف حقائق، هي صفعة مدوية، إما أن تنجح في ردنا إلى الصواب، وإما أن نكذب الواقع، ونجمل أنفسنا، وندعي الملائكية والطهرية. الرواية لم تكتشف جديدا، وإنما صارحتنا بالحقيقة دون مواربة.
معظم أحداث الرواية تؤكد الحقيقة الذئبية للإنسان في كل مكان، وفي كل مستوى، اللهم إلا استثناءات بسيطة لا ينبغي لها أن تكون ذئابا، كالجدة، والأب ميخائيل.
إدريس2 (الابن) عاش في مخيم الزرقا، وحق له أن يُصاب بألف فصام وألف مرض نفسي، فأي إنسان يتحمل ما تحمل هذا الضحية منذ ولد؟ وجد نفسه دون أب وأم يعيش في الدير، ثم خرج ليعيش مع جدته التي اعترفت له لاحقا أنه لقيط، ليس له فضاء إلا الدير والمقبرة والمخيم، ونزهة يقضيها على سكة الحديد، يعد القضبان، لا يعرف عالما آخر. ثم يتعرف على عالم خفي أسود يمثله الاقطاعي الثري جعفر، الثوري السابق، وذراعه فتحي الذي يدعي العمى. يتعرض إدريس لعملية خداع من فتحي الذي يوهمه أنه قتل بسام، حيث يقوم بإبعاده إلى أفغانستان طلبا للسلامة، وتجنبا للثأر والمحاكمة. وفي أفغانستان يجد نفسه مقاتلا لا يدري مع من، ويقاتل آخرين لا يدري من هم. ثم يقع في أسر الأمريكيين وينقل إلى غوانتاناموا، وبعد فترة يطلق سراحه ويعود إلى عمان بين سين وجيم، حيث يجد جدته قد توفيت. وبعد ذلك تتكشف له الحقائق، ويعلم بعد فوات الأوان أنه لم يقتل بسام الذي أنكر أي شيء، وأن كل ما حدث هو بتخطيط وتدبير من فتحي الذي يعمل لحساب جعفر، حيث كانت مهمته تجنيد المقاتلين وإرسالهم إلى أفغانستان.
إدريس2 هو نموذج للجندي الذي يقاتل نيابة عن الآخرين، ويقاتل في معارك الآخرين، يدفع إليها دفعا تحت ألف ذريعة وذريعة، تهمش قضيته الأساسية، وتُعلي من قضايا الآخرين، لكأننا تحولنا إلى مرتزقة نقاتل في كل مكان ما عدا الجبهة الوحيدة التي تستحق بنادقنا ونزف دمائنا. ويا لخسارة الإنسان عندما تتراجع أولوياته إلى الخلف، وتتقدم قضايا الآخرين. هل لهذه الدرجة أصبح الإنسان مجرد سلعة يقايض بها هنا وهناك؟ مجرد بندقية يوجهها من يملك المال والسلطة إلى الجهة الذي يُريد، دون أن يكون للإنسان رأي، يُساق كالخراف من مكان إلى مكان؟
لقد استبيح الإنسان العربي حتى النخاع، وتحول إلى آلة في يد السدنة والسادة، يستخدمونها لتصفية حساباتهم، وخوض معاركهم، وتحقيق مصالحهم وأطماعهم، ففي كل بلد عربي حروب ومعارك بمسميات وأشكال مختلفة، ليس لها وقود إلا الإنسان العربي، كل يُقاتل لا يدري لم يقاتل، ومن يقاتل، المهم أنه مفروض عليه أن يقاتل، وإن قتل، فالفتاوى جاهزة، إنه شهيد قضى نحبه في سبيل الوطن والأمة. أي كارثة تنتظر الوطن العربي في ظل أوضاع كهذه، ومواطن مستلب، ليس له رأي أو حق تقرير مصيره؟
إدريس1 (الأب) الذي اختار طريق الثورة، كطريق لتحرير فلسطين، سافر إلى بيروت متسللا برفقة حبيبته (آذار)، وبعد حصار بيروت 1982 اضطر للخروج إلى تونس، ولكنه لم يقو على مفارقة آذار فعاد إلى دمشق، وهناك علم أنها سافرت إلى الزرقاء، وانقطعت أخبارها. بعد انشقاق أبي موسى وجماعته، ورفض إدريس الانحياز إليهم، يُسلمه فائق إلى الأمن السوري بتهمة حيازة سلاح للانقلاب على الرئيس، ويسجن 25 عاما دون محاكمة، حيث ذاق الموت أصنافا وألوانا، ورفع إلى حبل المشنقة وأوقف الإعدام في اللحظات الأخيرة، علمت الأم في المخيم أنه مات، وبعد سنوات طويلة جاءها من يؤكد أنه مسجون، حاولت إطلاق سراحه دون جدوى، وعادت حزينة مكلومة، لا تستطيع أن تخبر إدريس أن له أبا.
ولما عاد إلى مخيم الزرقا، علم أن أمه ماتت، وأن آذار قُتلت، وأن له ابنا منها، تقابل إدريس1 وإدريس2 كغريبين، وزاد بؤسه عندما علم أنه مصاب بانفصام الشخصية، فشدد عليه بشرب الدواء. إدريس1، الذي تعرض للخيانة الثورية، لم يتفاجأ عندما علم أن كل ما حدث سابقا ولاحقا على مستوى الثورة، كان مخططا له منذ زمن بعيد، وأن الثورة قد بيعت، وتحول قادتها إلى تجار وإقطاعيين وسكان قصور، أما الثورة فقد تحولت إلى أغنيات وأهازيج وشعارات ترفع في المناسبات.
فضيحة سرقة عظام الموتى من المقابر، هزت الرأي العام، وزلزت الناس، خاصة بوجود شبهة سحقها وتصديرها إلى إسرائيل. في إشارة إلى تجريدنا من كل شيء حتى من عظام موتانا، وقطع صلاتنا بفلسطين. وربما تشير إلى أبعد من ذلك إلى إبعادنا عن تاريخنا وجذورنا، وإحداث قطيعة بيننا وبين ماضينا، فلا يعود لنا تاريخ، ومن لا تاريخ له لا مستقبل له بالتأكيد.
إدريس2 ولد من علاقة غير شرعية بين إدريس1 وآذار، وعلم ذلك متأخرا، ولكن كانت صدمته الكبرى، عندما أخبره الأب ميخائيل وهو في النزع الأخير، والرصاص يلعلع في المدينة أن أباه لقيط، لا يُعرف له أب ولا أم، وقد تبنته الجدة لأنها لم تنجب إطلاقا،
كل الشرعيات تسقط وتتهاوى، الإنسان فقد شرعيته يوم تحول إلى ذئب منوي كاسر، والحروب فقدت شرعيتها لأنها كلها حروب بالوكالة، والثورة فقدت شرعيتها يوم تخلت عن البنادق واستكانت للفنادق، وحتى شرعية الوجود والحق سرقت يوم سرقت العظام، وإدريس الأول والثاني وحتى الثالث (ابن اقدار) كلهم غير شرعيين. فماذا تبقى من شرعيات؟
إنه الواقع المر، حين يختلط الحابل بالنابل، وتختفي معالم الطريق، وتضيع البوصلة، فلا وجود إلا للذئاب الشرسة التي تملك القوة والمال، هذه الذئاب التي لن تتورع عن افتراس الذئاب الصغيرة إن فكرت أن تنافسها أو تفكر بمنافستها أو تقف في طريقها.
وبعد، فرواية «ذئاب منوية» إضافة وازنة لإبداع أحمد أبو سليم، وللرواية الأردنية والعربية، تميزت بلغتها الجميلة بنكهة شعرية، ورصدها لخفايا النفوس، ومشاعر الشخوص، وتناولها لشخصيات المخيم التي تعيش على الهامش، وكانت وقودا لكثير من الأحداث والتغيرات. ويسجل لها أنها أول رواية ـ حسب علمي- تتخذ من مخيم الزرقا فضاء مكانيا، هذا المكان المهمش، الذي ما زال شاهدا على النكبة والنكسة وما بعد النكسة من نكسات، ويحسب لها جرأتها في تعرية الواقع، على أكثر من صعيد، ووضعنا أمام مرآة أنفسنا، لندرك أي طريق نسلك، قبل أن نتدحرج جميعنا إلى الهاوية.
٭ كاتب فلسطيني
موسى إبراهيم أبو رياش