حقيقة أن انتصار ترامب المفاجيء أحدث احتكاكات وصراعات داخل المصفحة الجمهورية وأدت إلى إقالة رئيس طاقم الانتقال كريس كريستي بشكل سريع، ليست الخط الوحيد الذي يميز الثقافة السياسية الأمريكية في ايامنا. مثلا، تميزت فترة الانتقال بين حقبة الرئيس المغادر رونالد ريغان وبين فترة وريثه جورج بوش الأب بصراعات لا تتوقف بين عدد من مساعدي ريغان وبين جميع رجال الرئيس الجديد حول تقسيم كعكة السلطة. ونظرا لأن الحديث كان عن ادارة كلها استمرارية (حيث أن بوش كان نائب ريغان)، وممثلو نفس النخبة السياسية ورجال الاعمال، وهذا سيُسهل فهم توقعات رفيعي المستوى من الجمهوريين في اعادة الاندماج وتحسين اماكنهم في حقبة بوش الأب.
بعد ذلك بأربع سنوات، وبعد خسارة بوش لحاكم اركانسو غير المعروف، بيل كلينتون، عادت وتكررت هذه الصورة من الصراعات بين الاشخاص حول حق الوجود في قلب السلطة. وفي هذه الحالة اضطر الرئيس المنتخب للتدخل بشكل شخصي من اجل منع الفوضى، وأقال رئيس قسم الانتقال ميكي كنتور وعين بدلا منه من أصبح فيما بعد وزير الخارجية في ولايته الاولى، وورن كريستوفر.
على خلفية هذه التقاليد، ليس مفاجئا أن العملية المعقدة لانشاء الجهاز السلطوي الجديد لن تكون نظيفة ايضا هذه المرة من الخلافات وصراعات القوة بين كل من يريدون الانضمام إلى ظل خيمة الرئيس الـ 45. ولكن رغم أن الصورة التي تظهر من النظرة الاولى هي خلية العسل غير المملوءة، يمكن القول إن تعيين نائب الرئيس المنتخب مايك فينس، الذي يحظى بالحب والتقدير لدى جميع التيارات في الحزب، قد يشق الطريق لعمل هيئة فعال، مهني ومنهجي، حتى 20 كانون الثاني 2017، الامر الذي يضع حدا مبكرا لفترة التجربة والخطأ.
سيكون فينس ايضا رئيس طاقم الانتقال الاول الذي سيحظى بثمار القانون الجديد، الذي تم توقيعه من قبل اوباما في آذار 2016. القانون وضع اطار رسمي جديد للتنسيق والتعاون بين الادارة المغادرة والادارة الجديدة لضمان أن تتسلح الادارة الجديدة بالمعلومات الشاملة حول الصلاحيات والوظائف التي لدى جميع السلطات والوزارات فيها.
وبعد أقل من اسبوعين من الحسم في الصناديق، ولأن الرئيس المنتخب قام بعدد من التعيينات الهانة في ادارته المستقبلية، يمكن ملاحظة ـ بحذر ـ بعض خطوط هذه الادارة المميزة، خصوصا في مجال العلاقات الخارجية والأمن. الصورة التي تتضح هي أن هناك نية لتقليص التدخل الاستراتيجي الأمريكي بدل الاستمرار في إرساء الموقف الامني الشامل في الحفاظ على التحالفات الحالية أو توسيعها. الطموح الذي يتضح هو التركيز على كبح وإفشال عدد من التهديدات الشديدة مثل داعش. وهذا من اجل الاستقرار العالمي، وخصوصا الامن القومي للولايات المتحدة. وهذا بدون تدخل القوات البرية الأمريكية في الحرب المستمرة والمكلفة مثلما حدث في العراق وافغانستان، ودون السير وراء أحلام كاذبة مثل فكرة بناء الأمم على ضوء النموذج والارث الأمريكي.
هذا الارتداع عن تحمل عبء الحفاظ على توازن القوى الكوني والبقاء كشرطي في العالم، يتعلق بحبله السري باشارة اخرى للادارة التي تتشكل، والتي هي الاستعداد لزيادة التعاون مع موسكو من اجل ردع دول ومنظمات من شأنها تهديد المصالح الأمريكية الحيوية. هذا الموقف الذي هو خط مركزي في تفكير ترامب، ومستشاره القومي مايكل فلين، يعيد أمل الرئيس روزفلت بأن تستطيع القوتان العظميان بلورة جبهة عمل مشتركة وواسعة مع انتهاء الحرب العالمية، حيث سيكون هذا هو الضمانة للاستقرار العالمي والاقليمي معا. اثناء الحرب الباردة تراجع هذا الأمل، ومن الملفت رؤية إذا كان يمكن فرض نظام عالمي جديد ومستقر، بناء على تقاسم العمل والأداء بين الشرق والغرب.
ابراهام بن تسفي
إسرائيل اليوم 21/11/2016
صحف عبرية