تونس ـ «القدس العربي»: اختار قسم الفلسفة في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في مدينة صفاقس التونسية أن يتزامن درسُه الافتتاحي الموسوم بـ»الفلسفة والصداقة» مع الاحتفال باليوم العالمي للفلسفة. وهو تزامنٌ معرفي بهيجٌ كان الجهدُ فيه منصبا على تبين ما للفلسفة والصداقة من اتصال جعلهما تصبان معا في «الفِيلْيُو» الذي يعني المحبة والمرافقة والمصاحبة والملازمَة. اشتمل هذا الاحتفال على محاضرتيْن، الأولى بعنوان «في الجامعة فكرة» والثانية بعنوان «في الصداقة وَعْد».
وقدم لهذه الندوة ناجي العونلي رئيس قسم الفلسفة في كلية صفاقس بالقول إن الصداقة فلسفيا تقوم، بضرب من المفارقة، على التنادُد والتباعد، حد أنه من صميمها أن تنطوي على ميل إلى المناوءة والمعاداة. كان نيتشه قد عمل على قصرها في ما يتعلق بوجوب أن تنبني الصداقة على التنائي، وأن يكون الصديق في تنائيه ذاك عدوا لي، أي دليلي إلى ما قد يتعدى إنسانيتي المبتذَلة. وإذا كان يُروى عن أرسطوطاليس إنه قال على فراش الموت «آه يا خِلاني، لم يعد ثمة خلان»، فإن في تأوه الفيلسوف شهادةً على أن الصداقة كما الفلسفة، نادرتان ندرة «الكبريت الأحمر». ذلك أن الصداقة تقتضي استضافة غير مشروطة وبلا أدنى تحفظ للآخر.
المحاضرة الأولى قدمها الأستاذ عبد العزيز العيادي وحملت عنوان «في الجامعة فكرة»، وجاء فيها أن الآراء تتآذى وتتشاتم أما الفكرة فحَيِيةٌ. الفكرة قوة تفضية أو مباعدة بالنسبة إلى الحاضر وليس بالنسبة إلى الراهن. الفكرة هي فاجعة اللايقين وهي «المعنى العادل» إذ هي ميتا- دغمائية، لذلك عزيز هو فعل التفكير ونادرة هي الأفكار زمن غلبة الابتسار والظن ذي اليد الطولى وسيادة الحاضر الأبدي على ثقل التاريخ. والجامعة، نتيجة وجودها التاريخي الكائن واقعا، تتطلب في كل عصر من عصورها التاريخية تحديد مفهومها وغايتها ووظيفتها. فما الجامعة؟ مبدأ علة الجامعة هو حرية تدافع عن العقل وعن الحقيقة وعن الحق المشروع في السؤال والبدائل. والحرية التي نعني كائنة في الذات دون أن تكون ذاتية. أما العقل فليس عُقالا بل هو تكلمٌ وتفكيرٌ وتدبيرٌ دون انفصال عن تخومه ودون أن يلتحق بصف خصومه. وأما الحقيقة فهي هذا الذي يتبقى بعد زوال الاستشباحات والتوهمات والمخاوف.
أما الحق في السؤال فإنما نعني به علاقةً محددة للرغبة بالمعرفة. وحق الجامعي في السؤال هو رغبته التي لا تتبدد في الوفاق مع «المدينة» أو السلطان أو مناخ العصر أو دغمائية الحصائل أو عناد التعالم أو لجاجة السياسة، ولعل ذلك من الجامعة هو انفتاحها الذي به تنحاز عن الطامع فيها والمدبر عنها.
وأضاف عبد العزيز العيادي قوله إن الجامعة تواجه اليوم معوقات وتحديات حيث الاهتمام كله موجه للبحث العلمي والتكنولوجي وما يصحبه من ترقية اجتماعية وإدماج مهني مع تحويل الجامعات إلى مدارس مهنية وتقنية، بحجة انفتاح الجامعة على المحيط. لكن كيف للجامعة أن يقودها المحيط وهو الذي لا فكرة له، بل هو يضيق بالفكر وبالفكرة أصلا؟ إن التصور المقاولاتي للجامعة وسلعنة التدريس الجامعي وإعادة الهيكلة الليبرالية للجامعة، وتحقير البعد البيداغوجي وخفض الشهادات العلمية إلى مرتبة مؤهل مهني وتحويل الطلبة إلى زبائن، هو إنهاك متعمد لفكرة الجامعة. لكن المعوقات والتحديات التي تواجه الجامعة لا تأتيها من خارجها وحسب، بل من داخلها أيضا. لذلك من الضروري مساءلة مشكلات المشهد البيداغوجي وما يستتبعه من مشكلات الخطط الجامعية ومسألة التأطير وإشكال العلاقة بين الاختصاصات وريبة المنتسبين إليها. فضلا عن هذه المشكلات، تواجه الجامعة اليوم جملة من التحديات: العدد المتزايد للطلبة، الثورة الرقمية، التجديد المتسارع في إنتاج المعرفة، العولمة ومكانة الجامعة والوعي – أو عدم الوعي – بالرهانات وبالفضاء الجديد الذي ستتحرك فيه، احتكار المعرفة والقسمة اللاعادلة للمعنى عالميا مع إعادة تقسيم السلطة الجيوسياسية على صعيد عالمي. فماذا نحن فاعلون إزاء هذه التحديات؟
إن السؤال في «الجامعة فكرة» هو على الحقيقة سؤال في الكانية والآنية، سؤال في توصيف وتصريف وتدبير كياننا كيف هو وكيف تصيراته وما الذي يتهدده بالتعليق أو بالتهديد أو بالتعديم، وسؤال في راهن مقبلنا وليس في مستقبل تاريخنا. سؤال «الجامعة فكرة» هو سؤال في موضع امتيازها الذي هو مبدؤها. امتيازها ليس انغلاقا على نفسها، ونبلها ليس انفتاحا غيرَ مشروط على خارجها، بل هي في موقع التحير تفعل إيقاعاتها ومواقيتها باتجاه حداثة مغايرة لا يسورها انتصار الليبرالية ولا هيمنة السوق ولا ثقافة الزور والبهرج التي تعيق الفكرة والحرية كلتيهما.
وانعقد جهد المحاضرة الثانية التي قدمها معز مديوني وحملت عنوان «في الصداقة وَعْد» على الحديث في وعد الصداقة وفي الصداقة وعد، وهو حديث يقتضي إعادة ترتيبٍ لجملة من المفاهيم الدالة عن الخلة: الصداقة، الحب، المحبة، ترتيبا يمكن من بناء فضاء لشِركة أفراد لا يلتقون على سبيل الجمع بين أجساد اجتماعية، أو على سبيل الاتفاق الذي تفرضه الحاجة إلى الاجتماع. إنهم يجتمعون بغاية بناء عالم لم يُخلق بعدُ، ولا هو بالمعطى الطبيعي. الصداقة هي هذا الوعد الذي يتدبر الوصل بين الإتيقي والسياسي، لا لكونها أفضل من العدالة وحسب (أرسطو)، وإنما لكونها تجبر انكسارات السياسي وانزياحاته، كي يصير الأفراد شركاء متساوين في عالم يُبنى اشتراكا. ولأنها كذلك فهي لا تحتمل بحسب مونتانييه طيات تُقام بموجب اللذة والمنفعة والطاعة والاحترام والحب المشروط والواجب. وإذا كانت المدينة أفقا لا يمكن اجتنابه، لا تكون الصداقة مجرد التقاء بين دوكسات. إن الصداقة وعد الفلسفة، لأن الفيلسوف، ممثلا في شخص سقراط، هو مثل النعرة داخل المدينة، يشق نفسه في شطرين، ويساعد الآخرين المدافعين عن الدوكسا إلى الخروج عن أنفسهم توليدا وجدلية. وبدلا من أن يُدافع كل واحد على حقيقة رأيه الخاص، يرى رأيه على حقيقته. فالفيلسوف هو من يفتح النفوس على خارجها.
«إنها لمعجزة كبيرة – يقول مونتانييه- أن نتضاعف». فالصداقة تفرض على النفس نسقا بعينه من المحبة اللامشروطة فنكف عن ذلك الولع الزائف بالنفس، لنلتقي بأنفسنا في شطرها الثاني، في اللحم الآخر. وإن من لا يوقر نفسه ويعاشرها، لا يجدر به أن يكون صديقا. لكن الموت يتربص بالأصدقاء، يُباغت أجسادهم المعزولة فيجتاحهم الغياب. وإن الذين تحدثوا عن الصداقة في علاقة بالموت (أغسطينوس ومونتانييه مثلا) هم من أدركوا أنه لا يوجد ماض أو مستقبل للصداقة، فهي ليست مجرد ذاكرة أو مشروعا، وإنما هي الوعد، لا مقوم لها إلا ذاتها، هي ما ينفك عن الإقبال نحونا. إن الصداقة الأوسع هي التي تبني عالما مشتركا أوسع. وليس للمتفلسفة اليوم إلا أن يتدبروا مصدر أنفسهم هذا، هو ما تعد به الفلسفة، في أسطقسها. فالفلاسفة خلان، لذلك لا يباغتهم الموت وإن كان جورا كما هو حال سقراط. وإن الذين يكتبون من بعدهم هم الذين يصرفون حادثة الموت هذه، كما لو كانت متأبدة، جَذَلاً لا حِدَادًا.
هذا بعضُ ما اشتغلت عليه ندوة «الفلسفة والصداقة» احتفاءً في بادئ الأمر بـ»الجامعة فكرة» لا تستتب إلا في إطار صداقة فكرية تجتمع عليها جماعةٌ علميةٌ بعينها، ثم استشكالاً للـ»صداقة وعد»، أي إنشاءً لعالَم ليس بمعطى مسبقا، ولكنه عالم يقوم على شِرْكة إتيقية بالأساس.