لم يكن الفيلم القصير الذي صوره مع عدد من معاونيه مجرد رغبة في الظهور بمظهر خفة الظل أو البحث عن شهرة لا تنقصه، بل كان نابعا من أعماق مهنته ومتقاطعا معها، ولا شك أنه يستحق الأوسكار بكل جدارة، ولكن ليس عن ذلك الفيلم، بل عن سنواته الثماني العجاف في البيت الأبيض.
لم يبلغ أداء توم هانكس أو شون بن مستوى الإقناع الذي لا يزال يبهرنا فيه أوباما، وإن حرم من الأوسكار وهو يستحقها عن جدارة فلا شك أنه لم يستحق جائزة نوبل للسلام على الإطلاق. فسحبه لقوات بلاده من أفغانستان والعراق كان حقا أراد به باطلا، اقترفه ولا تزال تتوالى تبعاته، فقد عادت أفغانستان لحالة تشبه تقريبا صراع التسعينيات مع وجود أكبر للنفوذ الإيراني، أما العراق فقد أصبح ولاية إيرانية، وأطلق يد إيران فمزقت سورية واليمن ولا يزال يمنع دول المنطقة حتى عن مواجهتها.
ما الفرق بين بوش الابن اليميني الذي احتل أفغانستان والعراق وأوباما الليبرالي الذي سحب قواته منها؟ قتلى أوباما يقلون عن قتلى بوش في العراق وأفغانستان، إلا أنه عوض ذلك بمئات آلاف الضحايا السوريين، بل ربما كان بوش الابن «أفضل» من ناحية عدد القتلى وعدد الدول التي دمرها. إتبع أوباما سياسة بوش الابن نفسها ولكن بأدوات مختلفة، وأضاف إلى أفغانستان والعراق كلا من سوريا واليمن وليبيا وترك تونس ومصر على صفيح ساخن.
عندما أراد جورج بوش الابن غزو العراق أتى إليه رئيس استخباراته وأبلغه أنه حصل على «سلام دانك» أي خبر مؤكد على امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل، فاحتلها بدون قرار من مجلس الأمن ثم سلمها لإيران، ولكن أوباما برر تراجعه عن خطه الأحمر في سوريا، بتقرير من رئيس استخباراته يخبره فيه أنه لا يوجد دليل مؤكد مئة بالمئة على أن نظام الأسد هو الذي قام بمجزرة الغوطة الكيماوية، وحتى الآن لايزال يبرر سماحه لنظام الأسد باقتراف المجازر اليومية ومنعه السوريين من امتلاك أدنى الأسلحة التي تدفع عنهم الذبح اليومي، بعدم وجود قرار دولي. في الحقيقة ليس ذلك قرار أوباما وحده ولكنه قرار استراتيجي أمريكي لن يتغير. الأمر يتعلق بالمصالح الأمريكية والإسرائيلية الآثمة وكل ما تتداوله وسائل الإعلام عن قرارات أمريكية ومواجهات كلامية مع روسيا ليس سوى وجه قبيح للسياسة الأمريكية يحاولون تجميله بذلك النفاق. يوصف أوباما بأنه أقل رئيس أمريكي قربا من إسرائيل وهو الذي منحها مساعدات عسكرية بقيمة أربعين مليار دولار على مدى السنوات العشر المقبلة.
كيف فاز ترامب بالانتخابات الرئاسية الأمريكية؛ فإذا كان ضد المسلمين وضد اللاتينيين وضد الأمريكيين الأفارقة، وصرح ضد النساء ووعد بإلغاء قانون الضمان الصحي الذي حارب أوباما طويلا لإقراره، والذي يستفيد منه ملايين من محدودي الدخل، وقادة حزبه يعارضونه، فمن الذي انتخبه؟ هذا إذا ما تم الأخذ بعين الاعتبار أن نصف الأمريكيين تقريبا يصوتون للديمقراطيين عادة، هل الأمر متعلق فقط باليمين الأمريكي الذي يبقى محركه الأكبر النزعات القومية ومعاداة اللاجئين، اليمين الأمريكي والأوروبي يحملان اللاجئين مسؤولية التراجع الاقتصادي ومحاصصتهم على فرص العمل في بلادهم، وهذا هو الدور الذي قامت به سابقا ولسنوات وسائل الإعلام، وليس الأمر متعلقا فقط بما جرى خلال حملة ترامب الانتخابية. الأزمات المالية وتراجع فرص العمل وإلغاء العديد منها، يجعل الجميع ينظر إلى اللاجئين على أنهم مشكله كبيرة، ولكن لا أحد يذكر أسباب الأزمة المالية ومن يقف وراءها، وهذا هو دور الإعلام المملوك من قبل كبار رجال الأعمال، الذين هم من يقف وراء تلك الأزمات ويستفيد منها عادة، فمثلا لا يذكر أن البنك الفيدرالي الأمريكي هو مؤسسة خاصة تملكها عائلة، وعندما تحتاج الولايات المتحدة لقرض ليس عليها سوى إصدار سندات تعطيها لذلك البنك فيطبع مئات مليارات الدولارات ويخلقها من اللاشيء ويقرضها للحكومة الأمريكية لتقوم بذلك بأكبر عمليات تبييض أموال تجري دون انقطاع وتطرح دولاراتها في الأسواق العالمية، ثم تقوم باقي حكومات العالم بطباعة عملاتها المحلية بقدر ما يدخلها من عملة أمريكية، سواء عن طريق التجارة والسياحة أو حتى عن طريق القروض، كما أن طباعة النقود من اختصاص وزارة الخزانة الأمريكية، ومع ذلك يستمر خرق الدستور الأمريكي ولا يتكلم أحد؛ والمواطن العادي لا يرى إلا أن المهاجر يحد من فرصه وفرص أبنائه في بلده.
الديمقراطي جيمي كارتر الذي ربما يوصف بأنه أكثر الرؤساء الأمريكيين سلمية خاصة تجاه العرب، ارتكب أفظع القبائح الإستراتيجية تجاه العرب، فقد أخرج مصر من المواجهة مع إسرائيل وكبلها باتفاقيات أسرت جيشها وهو على أرضه، وسمح بإسقاط نظام الشاه وتحول إيران إلى وكر أفاع. أما الجمهوري رونالد ريغان فقد منع انتصار العراق على إيران ومدها بالمال والسلاح النوعي عن طريق إسرائيل عدوتها المزعومة، ليضع الجمهوري بوش الأب العراق على عتبة الانهيار. النجم الأنيق الديمقراطي كلينتون كان فتاكا هو الآخر فقد ترك الشيشان والبوسنة ثم كوسوفو لتسحق، ومزقت الحرب أفغانستان والصومال، وابتدع محاربة تنظيم «القاعدة»، ليأتي بوش الابن ويكمل مسيرة أبيه في العراق ويسبقها باحتلال أفغانستان، ثم سار الديمقراطي أوباما على الخطى نفسها فسلم دولتين عربيتين لإيران ودمر ثالثه ووضع مصر على شفير الانهيار، لذلك يجب ألا يخشى كثيرا من وصول ترامب إلى البيت الأبيض، فلا تتغير السياسة الأمريكية بتغير الرئيس، فالذي يتغير فقط شكل الخطاب، فأي فظائع أو مجازر قد يقترفها ترامب أو يتغاضى عنها ستكون أمرا روتينيا عاديا لا يختلف عن تعاقب الليل والنهار.
كاتب سوري
بشار عمر الجوباسي