التسوية الوطنية.. طائف عراقي أم تدوير لمشاكلنا؟

نشرت صحيفة «المدى» البغدادية تسريبا غير رسمي لما عرف بنص «التسوية التاريخية» في عددها 3771 الصادر بتاريخ 31 اكتوبر 2016، وهي مبادرة أطلقها التحالف الوطني العراقي، الممثل لائتلاف القوى الشيعية في العملية السياسية، ومن قراءة مسودة «التسوية التاريخية» يتضح أنها مبادرة لرسم الوضع العراقي بعد الانتهاء من تحرير المدن العراقية من سيطرة ما يعرف بتنظيم «الدولة». فهل نحن ازاء (طائف عراقي)؟ أم هو مجرد تدوير لمشاكلنا؟
مع انطلاق عمليات تحرير مدينة الموصل من سيطرة التنظيم الارهابي انطلق العديد من الاسئلة حول مستقبل العراق وعمليته السياسية، ولابد من الإشارة إلى أن الوضع المتأزم الذي فرضه التنظيم كان له من جانب آخر وجه إيجابي تمثل بالقفز على الخلافات الداخلية والصراعات السياسية بين فرقاء اللعبة السياسية في العراق، أو على اقل تقدير قام تهديد التنظيم بتوحيد الصفوف لمواجهته. والآن ونحن نقترب من اجتثاث الإرهاب من اخر معاقله في الموصل، صار لزاما على الطبقة السياسية النظر إلى ما سيؤول إليه الوضع، ولمناقشة الورقة المقترحة من الكتلة الشيعية في العملية السياسية، لابد من طرح بعض الأسئلة وتسليط الضوء على ما حاولت الورقة الالتفاف عليه بصياغاتها الانشائية غير الواضحة لتقديم فهم أفضل لما يجري.
والسؤال الأول هو، ما هي الأطراف التي ستلتئم إلى طاولة التسوية التاريخية؟ أولا التحالف الوطني صاحب المبادرة، والكل بات يعرف عمق الخلافات بين مكونات التحالف التي وصلت حد تفتيت الائتلاف، ومع ذلك فهنالك ثلاثة محاور في هذه الكتلة، وهي محور الحكومة التي يقودها العبادي ممثلا لحزب الدعوة الإسلامي أو جزء منه. والمجلس الأعلى الإسلامي بقيادة السيد الحكيم. وتيار الإصلاح بقيادة الجعفري. وهنالك المحور الثاني وهو كتلة دولة القانون وما ينضوي تحتها من احزاب وتيارت بقيادة المالكي، وبين المحوريين ما صنع الحداد من خلافات وصلت الى العراك بالايدي بين نواب الكتلتين في قاعة البرلمان، قبل اشهر. والمحور الثالث هو كتلة الاحرار الممثلة للتيار الصدري بقيادة السيد الصدر التي تحاول ان تلعب دورا يمنحها صفة توازن الصراعات داخل الكتلة الشيعية، ولاننسى دور فصائل وحركات الحشد الشعبي المسلحة التي ترتبط بهذه الكتلة او تلك، وبثقلها العسكري على الارض وما قد يفرزه من نتائج سوف تنعكس على معطيات المشهد المقبل.
الكتلة الأخرى هي الكتلة الكردية التي تحاول أن تقدم نفسها على أنها كتلة واحدة متماسكة تدافع عن حقوق الكرد، وتحاول أن تبتعد عن أزمات العراق بالتقوقع خلف حدود الإقليم الذي يقارب دولة لم تعلن استقلالها بعد، لكن المتتبع لما يدور خلف حدود الإقليم سيعرف أن هذا الكلام محض تسويق زائف للوضع الكردي، وان الصراعات بين كتلة الاتحاد الوطني وحركة التغيير من جهة وكتلة الديمقراطي الكردستاني تكاد تفتت حتى الإقليم وتشرخه إلى نصفين، فالحكومة أصبحت حكومتين واحدة في اربيل واخرى في السليمانية. والبرلمان مشلول ورئيس الاقليم يحكم خارج الاطر الدستورية منذ ما يقارب الستة اشهر لانتهاء ولايته، رغم إشاعة تنحيه مؤخرا. وبيشمركة الاتحاد الوطني تسيطر على السليمانية وكركوك باستثناء الجزء العربي منها، ممثلا بقضاء الحويجة والقرى المحيطة به، الذي ما تزال عصابات «داعش» تسيطر عليه، بينما تسيطر بيشمركة الديمقراطي الكردستاني على دهوك واربيل وسهل نينوى، الذي انتزعته من سيطرة تنظيم «الدولة»، وقد أعلنت القيادات الكردية مرارا أنها لن تنسحب من الأراضي التي دفعت ثمنها دما كرديا لتحريرها، في إشارة الى حسم الاشكالية حول (الاراضي المتنازع عليها) بين الحكومة المركزية وحكومة الاقليم بعد ان حلت كواقع حال نتيجة احتلال داعش لها ثم تحريرها من قبل قوات البيشمركه.
أما الكتلة الثالثة المعنية بالمصالحة التاريخة فهم السنة، فبعد ان سيطر التنظيم على كل مناطقهم وسط وشمال العراق، تشظى وجود الكتلة السياسية السنية، وقد باتت في أضعف حالاتها الان، وبعد أن حررت مناطقهم بجهود الجيش العراقي وقوات الحشد الشعبي ذي الاغلبية الشيعية وبمشاركة محدودة من مقاتلي العشائر السنية من المناطق المحررة، أصبح السنة الآن أمام مشكلة تتمثل في ماهية القوة السياسية التي ستظهر في الساحة السنية بعد تفكك الائتلافات القديمة، نتيجة دعم بعض القوى لتنظيم «الدولة» وبالمقابل ولادة ائتلاف جديد لقوى سنية حاربت التنظيم وحظيت بمباركة حكومة بغداد، وواضح من لغة المبادرة المطروحة أنها موجهة لهذا الطرف تحديدا، فهل ستنجح في ذلك؟
تطرح ورقة المبادرة صيغة مطاطة للاطراف بإجابتها على سؤال، التسوية مع مَن؟ وتقدم الاجابة الاتية «تسعى قوى التحالف الوطني للتفاهم مع كل القوى الفاعلة في المجتمع العراقي على تنوعه، سواء كانوا داخل أطر الدولة أو العملية السياسية أو خارجها، بما فيها الوجودات السياسية والدينية والمجتمعية والمعارضة والجماعات المسلحة ضمن سقف الدستور «استثناء حزب البعث وداعش وكل كيان إرهابي وتكفيري وعنصري»، باتجاه اتفاق تاريخي يُعقد مع ممثلي هذه الأطراف التي تمتلك المقبولية والملتزمة بمبادئ المبادرة، ويكون حسم تمثيلها بمشورة ممثلي التحالف الوطني) استثناء حزب البعث واضح بالنص، لكن كيف ستصنف الاطراف التي تمتلك مقبولية والملتزمة بمبادئ المبادرة، علما بأن حسم تمثيلها سيكون بمشورة التحالف الوطني؟ إذن التحديد يتم بموافقة الفرقاء السياسيين وهو أمر مبهم أو غير واضح، وهنا لابد من الإشارة إلى خلاف نشب بين اطراف التحالف الوطني، فالبعض رفض ممثلي ساحات الاعتصام في المحافظات السنية التي سبقت سقوط هذه المحافظات بيد التنظيم واعتبر ممثلي هذه الساحات شركاء للتنظيم الارهابي، بينما رحب البعض بوجودهم باعتبارهم ممثلين لكتل كبيرة في محافظاتهم.
أما الاسس التي ستتم عملية المصالحة وفقها فقد حددتها ورقة المبادرة بما يلي، التسوية الشاملة وليس التنازل أحادي الجانب، ومبدأ اللاغالب واللامغلوب، وتصفير الأزمات بين الأطراف العراقية، ورفض استخدام العنف كورقة سياسية بتحقيق التسويات السياسية. ومن غير الواضح في هذه الأسس فقرة تصفير الازمات، هل يعني ذلك إغلاق ملفات الخلافات السابقة ليتم تدوير الطبقة السياسية الفاسدة مرة اخرى؟ أم يعني فتح كل ملفات الفساد والاحتراب الداخلي ومحاسبة المسؤولين عنها من كل الكتل؟ وما هي الجهة التي تمتلك هذه القدرة للقيام بذلك؟
اما المبادئ التي يجب أن يعترف بها كل الفرقاء السياسيين قبل الجلوس حول طاولة التسوية التاريخية فقد حددتها الورقة بما يلي: «الإيمان والالتزام قولاً وفعلاً بوحدة العراق أرضاً وشعباً، والحفاظ على سيادته واستقلال قراره وهويته ونظامه الديمقراطي البرلماني الفيدرالي ورفض تقسيمه تحت أي ظرف. والالتزام بالدستور كمرجعية والعمل به دونما انتقائية، والاستعداد لإجراء التعديلات الدستورية وفق الآليات التي نص عليها الدستور ذاته، والاتفاق على عقد سياسي «تحت سقف الدستور» يوضح ويحسم القضايا الخلافية والمرحّلية والتنظيمية لشؤون الدولة التي يتم الاتفاق على ملفاتها. وهذا يعني ضمنا العودة الى المربع الاول في المشكلة السياسية العراقية، حيث يحتاج الدستور الى تعديلات تعالج الهفوات والفجوات التي عانت منها العملية السياسية، لكن وكما يعلم الجميع أن من كتب الدستور جعله من النوع المغلق الذي يصعب إجراء تعديل فيه، نتيجة لاحتياج هذا التعديل الى أغلبية دستورية لا تحظى بها أي من الكتل، وبذلك تبقى المشاكل لتدور وتنتج ازمات تتوالد من ازمات.
كما أشارت ورقة المبادرة الى نقطة حساسية هي حصر السلاح بيد الدولة بطريقة مطاطة، فقد اكدت على، سيادة القانون وحصر السلاح بيد الدولة وعدم السماح بوجود كيانات مسلحة أو ميليشيات خارج إطار الدولة، ومواجهة الخارجين على القانون دونما تمييز، ومحاسبة المتهاونين والمقصرين بمن في ذلك منتسبو القوات الأمنية وفقاً للقانون، وإقرار قانون خدمة العلم، وضمان قيام مجتمع مسالم يسوده القانون ويقوم على أساس من العدل والتكافؤ والمساواة واحترام الخصوصيات الدينية والمذهبية والثقافية لجميع مواطني الدولة.
وهنا نطرح سؤالا: ماذا سيكون وضع قوات الحشد الشعبي وقد تضخمت لتصل الى ما يزيد عن 100 ألف مقاتل؟ وماذا عن التصريحات المريبة التي اطلقها قادة في التحالف الوطني حول الدور الاقليمي لقوات الحشد الشعبي بعد تحرير الارض العراقية واحتمالية اشتراك هذه القوات في الحرب الاهلية السورية؟ مما يعني ضمنا ان هذه القوات رغم تبعيتها الشكلية للقائد العام للقوات المسلحة – رئيس الوزراء إلا ان امر وجودها او حلها او ادماجها بالمؤسسة العسكرية والامنية ما يزال امرا بعيدا وخطا احمر يخشى العديد من الساسة المساس به.
وأخيرا طرحت ورقة المبادرة بعثة الامم المتحدة في العراق (يونامي) كراع وضامن لتنفيذ المصالحة التاريخية وتسويقها محليا واقليميا، وهنا يأتي السؤال الاهم، هل تمتلك الامم المتحدة القدرة على ضبط مصالحة كهذه في ارض ما زالت مليئة بالالغام التي سببها احتراب الفرقاء السياسيين طوال ثلاثة عشر عاما مضت؟
كاتب عراقي

التسوية الوطنية.. طائف عراقي أم تدوير لمشاكلنا؟

صادق الطائي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية