ازدراء الإبداع في الأردن… العالم سديم قديسات مثالا

ما الذي سيحصل يا ترى مع الشاب الأردني المبدع سديم قديسات عندما تطأ قدمه أرض الوطن؟ سؤال يبدو افتراضيا لأن الشاب حصل على لقب القمة في مسابقة العلماء الشباب العرب والمبتكرين.
لكن من باب النقاش والتثاقف سنحاول توقع المشهد. أغلب الظن أن الشاب سديم سيحظى ببعض الزغاريد وسيتجمع حوله أقاربه فخورون بالإنجاز وستقام له حفلة صغيرة من الأقارب.
لن يجد العالم الجديد تجمعا جهويا للجماهير بانتظاره وقد لا يستقبله بالمطار أي من المسؤولين الرفيعين خصوصا أولئك المتشدقين بالوطنية والولاء والانتماء ليلا ونهارا الذين يزاودون على الجميع ابتداء من المرجعيات ورأس النظام وعبورا بالنخبة برمتها وانتهاء بالشعب نفسه رغم أن أي منهم لم يتمكن من زرع ولو «فجلة».
الشاب المتفوق قد لا تخرج له الجماهير في الشارع لأنها لو خرجت عفويا أصلا لوضع فورا في دائرة الاستهداف من قبل كل الأقل ذكاء منه وهم كثر خصوصا في مستويات الإدارة.
الذكي في المجتمع الأردني يجد نفسه مضطرا بالعادة للاعتذار من المجتمع قبل الدولة. تلك مقوله قديمة لي عموما تنطبق على المستقل والمهني والمبدع في أي مجال فأوساط المجتمع بعد عقود من التربية السلبية وازدراء النجوم وإحباط المتميزين تحتفظ بعداء غير مفهوم ضد الذكاء والاستقلالية والمهنية والتميز.
لا يخجل كثيرون خصوصا من النخبة السياسية بفلسفة الأمر أحيانا والادعاء بأن وجود متميزين يخلخل قواعد الاستقرار في المجتمع ويعبث بقواعد اللعبة. أي لعبة؟ طبعا هذه دوما ذريعة النخب الفاسدة التي تقدر مسبقا بأنه لا مكان لها في الصدارة ما دامت اعتبارات الكفاءة والمهنية والتميز هي الأساس لأن الغالببية ترفع هتاف المحاصصة والمناصب والمواقع المجانية وهو هتاف يضمن مقاعد متصدرة لمن لا مقاعد لهم أصلا في عالم التميز والكفاءة ولا حتى في عالم الانتخابات التي غالبا ما تزور ويعبث القوم بها.
نعود لمبدعنا القديسات فالشاب لم يحظ بأي رعاية من أي نوع لموهبته العلمية باستثناء بعض النصائح من أقاربه وبعض المعلمين الذين التقطوا مؤشرات التفوق عنده.
والسؤال ماذا سيحصل بعد الفوز بلقب النجم الأبرز للعلماء الشباب العرب؟ بسيطة إليكم السيناريو التالي: سيرى أشخاص من أقارب الشاب وأبناء منطقته وعشيرته بأنه يشكل خطرا على مناصبهم الوظيفية، وسيرى آخرون بأن حساباتهم الاجتماعية والعشائرية أهم من لقب الشاب.
لن يقف الأمر عند هذا الحد. ثمة جامعات وعلماء في الأردن كغيره من البلدان يفترض أن يبدأوا بتدشين اتصالاتهم لرعاية الموهبة الفذة للعالم الشاب الجديد ما دامت لا توجد وزارة للعلوم وللتميز في الأردن ولا توجد شركة أو مؤسسة وطنية فعلا في القطاع الخاص يمكنها رعاية التفوق والحرص على ولادة عالم جديد للشعب الأردني طريقه خالية من أصناف الإحباط.
العلماء ورؤساء الجامعات وعمداء الكليات سينقسمون في مواجهة الاستحقاق الذي فرضه القديسات عليهم من الخارج. جزء منهم سيرى أن الشاب «ابن قرية» والرعاية يستحقها فقط أبناء المدينة. جزء آخر سيرى أنه من شمال المملكة وجزء ثالث سيرى أنه من عشيرة ضعيفة، ورابع سيرى أنه «شرق أردني» لا يناسب انحيازاته الإقليمية البغيضة، وعدد من العمداء سيتصورون أن الشاب المبدع لا يستوجب الاهتمام به «جهويا».
بمعنى آخر كل أنواع الحساسيات الاجتماعية والجهوية والطائفية التي خلقها الله في البشرية سيواجهها هذا الشاب المتميز والمفارقة التي لا يريد كثيرون الاعتراف بها أن نخبة العلماء وأساتذة الجامعات وعمداء الكليات تتصدر قبل غيرها في هذا السياق والقوم هنا سيدققون مجددا بالأصل والجهة والمنبت والقرية والشارع قبل أن يقرر أي منهم تقديم أي دعم أو رعاية من أي نوع لعالم جديد تم تكريسه بعدما ولد خارج حاضنات المؤسسات الجامعية البائسة المليئة بالحساسيات في بلاده.
عمليا لو وجد الشاب العبقري من يستمع إليه في جامعات بلاده لما اكتشفت أصلا موهبته خارج حاضنة وطنه وفي برنامج تلفزيوني.
عموما قد يتطوع وزير أو مسؤول هنا وهناك لإقامة حفل تكريم لهذا الشاب من باب ذر الرماد في العيون فالعلماء الحقيقيون لا مكان لهم في واقع النخبة الأردنية ومصيرهم بعد سنوات من التجاهل والإنكار إما الإحباط والخضوع للواقع والانضمام لحفلة المعلبات الإدارية أو الرحيل والهجرة للخارج.
لا تلتقط المؤسسات الرسمية كفاءات وحالات متميزة من نوع الشاب قديسات والمطلوب دوما لتبرير التقاعس والسلبية والحرب على الإبداع أن يتدخل القصر الملكي فقط لكي يضمن لموهبة من هذا النوع أي نوع من الرعاية علما بأن مهمة من هذا النوع مناطة أصلا بالحكومة وبمؤسسات رسمية يفترض أن يكون واجبها التقاط المبدعين ودعمهم وضمان انتقالهم لإدارة مستقبل نظامهم وبلادهم.
يقول لي سياسي مخضرم إن ذلك كان يحصل في الماضي حيث يلتقط المتميزون من الجامعات ويتم إيفادهم للخارج ثم يعودون بأعلى الخبرات العلمية ويؤسسون في وطنهم لكن السياسي نفسه يقر بأن ذلك لم يعد يحصل اليوم والأسباب غامضة فالأقل مرتبة وتميزا وذكاء هم الذين يقودون الإدارة حاليا وعلى طريقة «حقل الجرار والدب».
مؤخرا فقط وخلال شهر واحد حقق خمسة شبان أردنيين مواقع أولى في برامج مهمة على المستوى العالمي. لا يوجد في الإدارة أي جهاز يلتقط هؤلاء ويدعمهم ويوجد عشرات الأشخاص الذين يمكنهم التحرك وفورا لضمان تسديد ديون شخص ما في المعارضة أو ضمن نطاق التسحيج.

٭ إعلامي أردني من أسرة «القدس العربي»

ازدراء الإبداع في الأردن… العالم سديم قديسات مثالا

بسام البدارين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية