الرؤية والتأثيث الحضاري للمشهد

تنعكس سلبيات قصور الرؤية، على جميع المرافق التي تحتضن تفاعلات الكائن، بكل ما تشمله من أبعاد اجتماعية وثقافية وحضارية، باعتبار أن العين المفتقرة إلى حظوة الرؤية، هي حتما عين جاهلة بالإولويات الكفيلة بتشييد أي مشهد محتمل.
الشيء الذي سيتعذر معه الحديث عن أي نبوغ فني، معرفي، أو تقني، لأن غيابها، يعني بكل بساطة غياب النص الفكري والإبداعي، بالقدر الذي يعني غياب القدرة على تلقيه، وهو ما ينطبق على جل الأنواع الفنية والجمالية، التي تعاني من خضوعها لتعاليم الأمر والنهي، المستبدة بمصائر مجتمعاتنا، باعتبار أن تقدم المجال الإبداعي والفكري، فضلا عن وجوب امتلاكه لوعي متجذر فاعل ومؤثر في إغناء طاقته الشعرية، يحتاج إلى مساحة كبيرة وتاريخية، من قوة الرؤية وحريتها، خاصة أن الإبداع الحقيقي، لا يتشكل فقط من حصيلة المقروء المتراكمة في أروقة الذاكرة، بل أيضا بالمرئي، الذي يعتبر بحق رافدا أساسيا، ومركزيا، من روافد التفكير والإبداع.
فالقرائح الإبداعية الكبيرة، وعلى الرغم من فقدانها لنعمة البصر، تظل مقتنعة بالأهمية الكبرى لدور الرافد البصري في توسيعه لأفق الرؤية الشعرية والفكرية، مثبتة كفاءتها وبشكل شبه غريزي، في تحويل كل حاسة من حواسها إلى عين رائية، كما لو أنها تقوم بما يشبه التحويل العضوي، لمجموع ما تتميز به من ملكات، كي تصبح مؤهلة للرؤية، حيث تتحول الأصوات إلى مشاهد بصرية، ومعها الروائح والأفكار والتأملات، وباقي التَّماسات الحسية التي تغدو بدورها قابلة لصياغة ما لا حصر له من المشاهد، والصور المتوجة بدلالاتها ورموزها.
إن الرؤية البصرية أيضا لن تكون كذلك، ولا تستحق أن تحمل اسمها، ما لم تمتلك تقنية مدِّ خطوط التواصل بين العناصر المرئية، أي تقنية تأسيس علاقات دلالية وسببية، بين العناصر المرئية، لأن هذه العلاقات وهذه الروابط، هي التي تساهم في بناء المشهد العام، بما يتقاطع فيه ويتداخل من عناصر ومكونات، لأن بناء المشهد وتأثيثه، هو الأفق الذي يكون على الرؤية أن تشتغل به، إذ كلما ظلت العناصر مفككة، فإن المشهد يظل هو أيضا، مجرد أرضية محتملة لما لم يتم بعد إنشاؤه. وهو ما يفيد غياب الدلالة المشهدية، التي تكون العين الرائية بموجبها، أمام ركام من الصور المتناثرة، دون أن يكون بينها ثمة أي خيط ناظم، يمكن أن يضفي عليها دلالة ما. فالمستوى الأولي الفاعل في تشكيل مشهد ما، يبدأ من ضبط الوظيفة المنوطة به، أي التعرف عليه بوصفه سجنا، ملهى، أو فضاء مسرحيا. إن هذا المستوى البسيط، هو الحد الفاصل نسبيا بين الكائن والدابة، لذلك فلا يشفع لرؤية الكائن أن تظل مراوحة مكانها في هذا الحد البيولوجي، الذي يتمكن بفضله من الاندراج في خانة الكائنات البشرية. إنه مطالب ثقافيا وحضاريا وإبداعيا أيضا، بتجاوزه إلى مستوى أكثر تقدما، وهو المستوى الذي يتجاوز حدود الوظيفي، إلى حدود الجمالي. والمقصود بالجمالي هنا، هو تلك الروح الإضافية التي تمتلكها الضرورة، والتي تنفلت بالبعد العضوي والمُلِحِّ الذي يتميز به الموضوع، إلى مستوى التفاعل النوعي، الذي تكون المتعة طرفا أساسيا فيه.
إن ما يهمنا في هذا السياق، هو تلك العلاقة الجدلية القائمة بين المتعة، وما تمتلكه من إمكانيات، لاقتراح أشكال جديدة من أشكال استشراف دلالات مغايرة، لمفاهيم الضرورة، وأيضا لاقتراح صيغ بصرية مختلفة، من حيث أشكال بنائها وإنتاجها، بما يعني التدخل المباشر والعملي، في عملية إعادة تشكيل المشهد، المثقل هنا بكل حمولته السياسية والثقافية والحضارية. وهو الاقتناع الذي يجعلنا نجزم بالتأكيد على أهمية الرؤية البصرية، في خلق رؤية شعرية للعالم، والتي يحتل فيها البعد النقدي مكانته الأساسية، أي باعتبار أن الشعري وكما سبقت الإشارة إليه في أكثر من سياق، هو الإطار النظري الذي تنتظم فيه إواليات الحكم والنقد والتقييم، لأن الرؤية الشعرية للعالم، تتضمن في حالة فهمها واستيعابها، الرؤيةَ الأكثر تقدما للفكري وللعقلاني، أي باعتبارها رؤية حريصة على توافر شروط الإقناع البصري، الذي يتضمن حتمية حضور أهم العناصر الفاعلة في إنتاج ما يتحقق به الاقتناع، بما له صلة مباشرة بفعل التأثيث، الذي تتأسس عليه عملية ضبط آليات الترابط والتعاقد والتفاعل، بين مكونات المشهد المعني بالتأثيث.
إن فعل تأثيث المشهد، هو فعل حضاري بامتياز، بصفته تأثيثا لفضاء الروح وفضاء الجسد، وهما معا لا يمكن أن يتحققا بمعزل عن الرؤية الشعرية للذات، للآخر وللعالم. إن عدم الوعي بالحضور الفني، كشكل من أشكال تأثيث الفضاء الثقافي والحضاري للكائن، هو جهل مطبق بحاجيات الجسد التي تتموضع في مستوى مواز لحاجيات الجسد، كما أنه جهل بحاجة الجسد إلى الارتقاء بالضرورة، وبما هو ضروري، إلى المستوى الإنساني الجدير بهذا الاسم، خاصة أن البعد الإنساني حتى في مستواه الأكثر ضحالة والأكثر سوقية، أصبح بمثابة امتياز من قِبَل كل سلطة مستبدة، تقيس ما هو إنساني بتجاوزه الطبيعي لما هو حيواني، في ما أصبح الجانب الحيواني وعلى ضوء التحولات الحضارية، يقترن بكل الفضاءات التي تفتقر إلى شروط الحداثة، التي لا تقع في حكم الظن، وفي حكم التأويل القاصر، المطارد بلعنة الكبت والحجر والاستبداد، بقدر ما تقع في حكم المرئي بالعين المجردة. وهي العين التي لا تكتفي باستهلاك ما تراه، معلنة عن سلبيتها وعن حيادها المعرفي والجمالي، بقدر ما تكون أيضا معنية بتأكيد مشاركتها الفعلية في الإنشاء، الخلق والبناء، فالرؤية النموذجية والمبدعة هي التي تكون مهتمة بتهيئة الفضاء وتأثيثه، على أساس استثمارها لكل شكل من أشكال الفراغات التي تحدس بحضورها، في مجال ما من المجالات العلمية أو الإبداعية، ولكل ما له صلة بتفاصيل ومكونات الحياة اليومية للكائن، انطلاقا من تلك الحاجة المتأصلة في العين، إلى طرح السؤال المستفسر عن دلالة غياب عقل، مؤسسة، أو فضاء صحي، أو تعليمي. إن العين ضمن رؤيتها الشعرية للعالم، هي تلك المتسائلة عن دلالة غياب ما ينبغي أن يكون حاضرا، حيث ليس للمشهد إن ينغلق على ذكورته، وليس له أن ينغلق على أنوثته، وحيث ليس للمشهد أن يفوح برائحة الأمية، ورائحة الجهل والتجهيل، وحيث ليس للمشهد ذاته، أن يظل معتكفا فقط على البحث عن موارد الماء والكلأ، بقدر ما سيكون مطالبا بالبحث عن أجمل السبل، التي تمضي بالكأس وبالمائدة، إلى آفاقها المستقبلية حيث تتشكل جينات ذلك الحيوان المنحدر من سلالة إنسان، الذي لم يعد مستعدا لأن يقيم على ذلك الخط الرهيف، الفاصل بينه وبين الضرورة الحيوانية. إن العين مسؤولة عن تأثيث المشهد. إنها لا تكف عن تفَقُّد ما يتخلله من فراغات، ومن خصاص معرفي، فني، ثقافي وحضاري. إنها العين المتعددة، التي تتقاطع فيها الرؤية الذاتية بالرؤية الجماعية، وبالتالي، إن غياب هذه العين، وشِحَّة ضوئها، يعني ندرة السؤال وغيابه، وهو ما يعني أيضا غياب فعل التفقد، وبالتالي فعل إعادة النظر في جمالية التأثيث النصي لمشهد المرئي، والمشهد التأملي، والحضاري، وهو ما يعني أن المجتمع الذي يفتقر إلى دينامية البصر، يفتقر مبدئيا إلى دينامية البصيرة، لأن من يكون عاجزا عن رؤية العالم المحيط به، لن يكون بالضرورة مؤهلا لرؤية اللامرئي، ولن يكون مؤهلا لتشغيل بصيرته.
فحينما تكون البصيرة مصابة ببؤس الرؤية والرؤيا، فإنها تظل تراوح مكانها، أي سجينة رؤية دلالية ضيقة ومنغلقة، وحبيسةً لِمَا تُمليه عليها إكراهات الضرورة، التي تكون منسجمة مع القصور المعرفي الملازم لها، حيث يظل كل ما يخرج عن دائرة الضرورة، في حكم المجهول، وأيضا في حكم المرفوض، الذي يُحرِّض العين المصابة بالقذى على نبذه وإخلاء المشهد منه، باعتباره مصدرا محتملا لفتنة قد تكون أشد من القتل، كما يقلص من حقول اهتماماتها، التي تظل متمحورة حول الإكراهات الصغيرة المتناسلة في تضاعيف اليومي، والتي ترى فيها الإطار الفعلي والحيوي الجدير بممارسة كل حضور ذاتي أو اجتماعي محتمل، علما بأن بؤس هذا الاختيار، ينعكس سلبا على المهام المعرفية والجمالية المنوطة بالرؤية، وذلك بانزياحه التام عن مجال التعرف والاطلاع، المتقصيين عادة لأثر كل مجهول ثقافي أو فكري، كما ينزاح بها عن فضاءات «الجميل» وعن مدارات اشتغاله، بما يعني، انصرافها المباشر، عن كل الإواليات الفاعلة في تأثيث المشهد، بكل أبعاده الثقافية الإبداعية والحضارية.

٭ شاعر وكاتب من المغرب

الرؤية والتأثيث الحضاري للمشهد

رشيد المومني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية