يعود الحديث حول المصالحة الوطنية ليحتل المشهد السياسي العراقي، وفي كل مرة، تصاحب هذا الحديث اعتراضات تصدر عمن يعتقد أن المصالحة تفترض «شروطا» أكثر صرامة حول الأطراف التي يحق لها المشاركة، ويفترض هؤلاء أنهم يمتلكون الحق المطلق في تحديد هذه الأطراف، وتحديد من يجب إقصاؤهم من هذه المشاركة، وافتراضات أخرى تعتقد أن المصالحة تشترط قبولا بمبادئ عامة يقررها هو وحده!
وكما في كل مرة، فإن القابضين على السلطة، والدولة، هم الذين يحددون توقيت هذه «المصالحة» الوطنية، وغالبا ما يكون هذا التوقيت مرتبطا بتحولات على الأرض فيما يتعلق بعلاقات القوة، ومرتبطا أيضا بالمتغيرات الإقليمية والدولية، تحديدا فيما يتعلق بموقفها «العائم» من طبيعة الأزمة في العراق!
في آب/ أغسطس الماضي، ترددت أحاديث عن مبادرة تقدم بها التحالف الوطني إلى المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في العراق يان كوبيتش، حملت عنوانا مقترحا هو: «التسوية الوطنية»، ولكنها اقترحت أيضا عناوين أخرى مثل: التسوية التاريخية، أو المبادرة الوطنية للسلم وبناء الدولة. ثم تحولت المبادرة إلى حقيقة بعد تسريب مسودتها.
كشفت هذه المبادرة عن عدم وجود أي تحول حقيقي في طبيعة الذهنيات التي حكمت المشهد السياسي! فالانطباع الأول لقراءة هذه المبادرة تكشف عن أن العراق لم يبارح لحظة 2003، من حيث الخطاب السياسي المستخدم، ومن حيث طبيعة رؤى الحل. بل أن بعض الفقرات في هذه المبادرة تجاوزت ما كان يستخدم في تلك اللحظة على اعتبار وجود الفاعل الأمريكي حينها والذي كان يعمد أحيانا إلى الضغط على بعض الأطراف للتقليل من حدة الخطاب لاسيما فيما يتعلق بالموقف من حزب البعث! فعلى الرغم من الاتفاق الذي تضمنته وثيقة تشكيل حكومة الدكتور حيدر العبادي عام 2014 حول «معالجة ملف المساءلة والعدالة وعدم تسيسه والعمل على تحويله إلى ملف قضائي متزامناً مع تشريع قانون حظر حزب البعث»، لكن الأطراف المهيمنة في السلطة تحايلت على هذه الوثيقة عندما تم تمرير القانون الثاني في تموز/يوليو الماضي مع إغفال تام لإلغاء قانون المساءلة والعدالة وتحويله إلى شأن قضائي الذي اشترطه الاتفاق! فقد تضمنت المبادرة شروطا إضافية تتعلق بحزب البعث عندما تحدثت عن « الإدانة الصريحة والواضحة لسياسات النظام البعثي الصدامي كجرائم الإبادة الجماعية والمقابر الجماعية والإعدامات والاغتيالات بحق مراجع وعلماء ورجال الدين والنخب الوطنية، وجرائم استخدام الأسلحة المحرمة دولياً وتجفيف الأهوار وعمليات التهجير القسري والتغيير الديموغرافي وقوانين القمع والتجريم ذات الأثر الرجعي بحق الحركة الإسلامية والوطنية. وتحميل حزب البعث جميع التبعات القانونية لما جرى طيلة فترة حكمه من سياسات طائفية وعنصرية وقمعية ضد أبناء الشعب العراقي من الشيعة والكرد والسنة والتركمان وباقي أبناء الأقليات ومعالجة آثار هذه السياسات»! وفي هذا تعمد لإعادة التأكيد على مسائل وردت أصلا في الدستور ولم تكن المبادرة بحاجة للتأكيد عليها، لكنها طريقة في التأكيد على أن ثمة «شروطا» لا يجوز تجاوزها في أي حوار مستقبلي. كما حرصت المبادرة على أن يكون الدستور، وهو المنتج الرئيس للأزمات في العراق، سقفا لأي عقد سياسي جديد! من دون الانتباه إلى التناقض الذي تثيره هذه الفقرة، بين الحاجة إلى «عقد» سياسي جديد، وبين اشتراط سقف «العقد» السياسي القديم الذي فشل في الوصول إلى تسوية حقيقية طوال السنوات الماضية! ولكن هذا السقف، لا يحدده نص الدستور فقط، بل تحدده تأويلاته أيضا وهي تأويلات يقول بها، مرة أخرى، المنتصر وحده! وحين يتقاطع «النص» الدستوري مع إرادة المنتصر، لا بأس حينها من بعض التدليس! ونموذج ذلك موجود في المبادرة نفسها حين تتحدث عن «عدم السماح بوجود كيانات مسلحة أو ميليشيات خارج إطار الدولة». في حين تحدث النص الدستوري، تحديدا المادة التاسعة (ب) منه، عن «حظر تكوين ميليشيات عسكرية خارج إطار القوات المسلحة». أي أن المنتصر يعطي لنفسه الحق بتحويل عبارة «القوات المسلحة» إلى «الدولة» لتسويغ وجود الميليشيات التي فرضها الفاعل السياسي الشيعي! أي محاولة «شرعنة» الميليشيات القائمة، التي تعكس الإرادة السياسية الصريحة للتحالف الوطني في الإبقاء على ميليشيا الحشد الشعبي كقوة عسكرية «عقائدية» موازية للقوات العسكرية، وليست جزءا منها، من هنا كان لا بد من الإطاحة بسقف الدستور الذي اشترطته المبادرة نفسها، وكأنه يقول، هذه الشروط تلزم الجميع، ولكنها لا تلزمني بشيء.
القراءة التحليلية للمبادرة تكشف أيضا أنها بعيدا عن الإنشاء السياسي غير المنتج الذي يهيمن عليها، مجرد محاولة لتكريس معادلة المنتصرين والمهزومين التي حكمت العراق بعد عام 2003، وأنه ليست هناك أية إرادة لتجاوزها. فالمبادرة «تقرر» أن تمثيل المكونات والأطراف العراقية، والمعني هنا الممثلون السنة تحديدا، يجب أن يخضع للقبول بالثوابت الوطنية الواردة بهذه المبادرة، وهو ما يعني أن ثمة «ثوابت» يحددها طرف واحد، ويصفها منفردا بأنها «وطنية»، يجب على الآخرين القبول بها كشرط مسبق للدخول إلى جنة المصالحة الوطنية. ليس ذلك فحسب، بل أن المبادرة تشدد على أن مسألة «التمثيل» الخاص بجميع الأطراف، حتى في حال قبولها بشروط «الثوابت الوطنية»، إنما يكون بمشورة التحالف الوطني!
بل أن التحالف الوطني يعطي لنفسه الحق بتحديد طبيعة السلوك السياسي للطرف السني! من خلال إلزامهم بالامتناع عن ممارسة الازدواجية تجاه شرعية النظام القائم، بما في ذلك وقف التحريض ضد شرعية النظام! أو منعهم من أي تصرف يضر بمصلحة الشعب العراقي داخليا وخارجيا، وبالتأكيد المنتصر هو الذي يحدد طبيعة هذه المصلحة تماما كما حدد الثوابت الوطنية!
تتعرض المبادرة بشكل خجول أيضا إلى مسألتين هامتين، تعكس وجهات نظر سبق لها أن طرحت من أطراف داخل التحالف الوطني، من دون أن تحظى بقبول كامل من الجميع. المسألة الاولى تتعلق بالنظام السياسي، عندما تحدثت المبادرة عن تحرير الدولة من نظام «المحاصصة العرقية الطائفية التمييزية»، إلى نظام «الاستحقاق السياسي. من دون توضيح المقصود من هذين التوصيفين، فلا وجود لشيء في النظام السياسي العراقي يتحدث عن «محاصصة» من أي نوع، بل ثمة صيغة أمر واقع، لم تتحول إلى عرف سياسي حتى اللحظة، بأن يكون هناك تمثيل للمكونات العراقية الرئيسية على رأس السلطة التشريعية، وجناحي السلطة التنفيذية (رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس الوزراء). فضلا عن اعتماد مبدأ التمثيل النسبي في تشكيل مجلس الوزراء. وكانت ثمة مطالبات من رئيس مجلس الوزراء السابق نوري المالكي باعتماد مبدأ الأغلبية السياسية في تشكيل مجلس الوزراء، وواضح أن التسويات التي جرت داخل التحالف الوطني لتمرير هذه المبادرة زجت بهذه الفقرة الإشكالية! أي أن مبادرة «التسوية التاريخية» المفترضة تضمنت داخلها ما يتناقض مع مقولة المصالحة أو التسوية التي يمكن لها ضمان الشراكة الحقيقية في القرار في العراق! الأمر الثاني الذي لا يقل إشكالية، ويتعلق بمناهج التعليم في العراق، فقد طرحت المبادرة ضرورة الالتزام بإعادة صياغة المناهج التربوية والتعليمية. وقد سبق للدكتور همام حمودي، القيادي في المجلس الأعلى، أن تحدث عما أسماه عدم إنصاف الأكثرية الشيعية في أبسط حقوقهم فيما يتعلق بمناهج التعليم، طارحا فكرة «الإثراء المعرفي» التي تعني تدريس مادتي التربية الإسلامية والتاريخ الإسلامي بما يضمن تعميق المعرفة المتعلقة بكل مذهب على حدة «السني والشيعي»، على غرار النظام المعمول به في لبنان. ومن الواضح أن المبادرة تتناغم مع هذا المطلب.
أخيرا تبدو المبادرة حريصة على إفهام الجميع بأنها ليست ترياقا لا بد منه لمعالجة الأزمة العراقية، وإنما خيار! فتحدثت المبادرة بلسان فصيح أن مسؤوليات الدولة ومهامها وواجباتها والتزاماتها ستستمر تحققت التسوية التاريخية أم لم تتحقق! وهذا يعني أن لا شيء سيتغير في الوضع القائم سواء تحققت التسوية أم لم تتحقق! وهو ما يؤكد عدم وجود إرادة حقيقية للوصول إلى تسوية، وإن ما يجري هو مجرد محاولة فرض شروط جديدة، في حال عدم قبولها، يبقى الوضع على ما هو عليه.
٭ كاتب عراقي
يحيى الكبيسي