رجال 1930 في مرايا إلياس أبو شبكة

حجم الخط
0

في سنة 1931 قرّر الشاعر والأديب الياس أبو شبكة أن يجمع في كتاب مقالات كان نشرها في جريدة «المعرض». كانت عن شخصيات لبنانية عاصرته، بعضها يعمل في الكتابة وبعضها الآخر في السياسة وبعض ثالث في مجالات وظيفية وإدارية. ما كان واعدا نفسه به، بعد ظهور الكتاب للعلن، هو أن يثرى من إقبال الناس عليه، بل إنه، بالطريقة المازحة التي كتب بها مقدّمة الكتاب، أعدّ دفترا مخصوصا لحساب الصادر والوارد مقسما صفحاته إلى قسمين يقع أحدهما في باب «كتب من الياس» ويقع ثانيها في باب «دراهم إلى الياس». لكنه، في المقدمة ذاتها، يورد كيف بقي القسم الثاني خاليا فيما حفِل القسم الأول بطرائف لازمت توزيع النسخ هدايا على الأصحاب والراغبين.
ربما كان تعويله على تحقيق ثروة من كتابه (وهي خمسمئة ليرة كما قدّر في مقدمته) عائدا إلى شهرة الشخصيات الإحدى والأربعين التي تناولها فيه. كان هؤلاء من وجوه ذلك الزمن (وهم جميعا رجال حيث لا امرأة واحدة تزيّن مجموعتهم) سواء في السياسة أو في الأدب، أو في كليهما معا، طالما أن منهم من كان بارزا في المجالين معا مثل، ميشال شيحا ويوسف السودا وأمين تقي الدين وسواهم.
ظنّ الياس أبو شبكة آنذاك أن مقالاته المجموعة ستكون مدار اهتمام الوسطين طالما أن أكثر من فيهما حاضر في الكتاب. أو ربما ظنّ أن التعليقات التي كان يتلقّاها عند نشر كلّ من المقالات ستجتمع هنا وستتضاعف، وهذا على أيّ حال ما جعل ميشال زكور، صاحب «المعرض»، يوافق على اقتراح أبو شبكة بإعادة نشرها.
خمسة وثمانون عاما انقضت على تاريخ ذلك الصدور، والكثير من الأسماء الإحدى والأربعين ما زالت حاضرة، ومنها إسما بشارة الخوري كلاهما، أقصد الشاعر الأخطل الصغير، ثم من سيصبح رئيس جمهورية لبنان في ما بعد. وبين الشخصيات أيضا أعضاء من عصبة العشرة التي كان أبو شبكة أحدهم، بل كان لولبها على ما كان يقول صديقه خليل تقيّ الدين. وكان لهؤلاء سطوة في الوسط الأدبي على وجه الخصوص، حيث أخاف نقدهم كبار الشعراء «فراحوا يتداركون سخرية العصبة وتهكّمها بزياراتهم ودعواتهم لها». ومن الهدايا التي كانت ترسل لهم في ذلك السبيل «خروف يذبحونه على ضفة النهر ويسكرون على معلاقه». وإذ كان أعضاء العصبة هؤلاء ما يزالون في أعمار مبكّرة، حيث الياس أبو شبكة لم يكن قد جاوز الثامنة والعشرين وفؤاد حبيش (الذي كان قد وصف نفسه مرّة بـ»رسول العري» وهو أصدر كتابا حمل توقيعه ذاك وصدر عن دار «صنوبر بيروت» نفسها قبل نحو عامين) كان في عمر أبو شبكة نفسه، ومثلهما كرم ملحم كرم، وميشال أبو شهلا في الثانية والثلاثين، وحبيب جاماتي في الخامسة والثلاثين. أما أحد خصومهم الأدبيين فكان الأخطل الصغير الذي، حسبما في الكتاب، كان قد توقّف عن الكتابة وهو في الخامسة والثلاثين، أي قبل نحو ستّ سنوات أو سبع. كان أعضاء العصبة قد تناولوه بمقالاتهم واصفين إياه، كما في مقالة أبو شبكة، بكونه «عبقريّ النشء، كأنما ولد ودرج في جنة عبقر بين عرائس الوحي ومحافل الجنّ»، وهو إطراء تهكّمي كما قد لا يخفى.
تميّز هؤلاء بما يتميّز الجيل الأدبي الجديد، الآتي عادة من ثقافة جديدة عدّد أبو شبكة بعض ملهِميها في النصّ الذي خصّ نفسه به وعنوانه «أنا». تلك طريقة لجعل موطئ قدمهم قويّا في ثقافة كانت قائمة وفاعلة من دونهم. ومن عناصر هذا الدخول، أو الاقتحام، هو طابع اللهو الطاغي، في الحياة كما في الكتابة الناقدة للجيل السابق. وها هو أبو شبكة يصف كيف يقلب اجتماع العصبة، بين الثانية عشرة والثالثة بعد الظهر، مكتب جريدة «المعرض» رأسا على عقب جاعلين الفوضى واحدة من صفاتهم الأثيرة.
لكن هذا الميل للّهو لا يشمل اللغة في نصوص الياس أبو شبكة الذي بدا حريصا على إظهار تمكّنه منها، وذلك حتى ذهابه إلى استخدام ما كان نُسي من ألفاظها قبل قرون. آنذاك، في مطلع الثلاثينيات من القرن الماضي كان الأدب والشعر العربيين ما زالا حاضرين في ثقافة أدبيّي ذلك الجيل. المتنبي وأبو تمام والبحتري والجاحظ كانوا في تمام حضورهم، تماما كما كانوا في عصور أدبية سبقت. لم تنحّهم الثقافة الأخرى، الفرنسية التي كانت لغة موازية لالياس أبو شبكة، تلك التي عدّد في تعريفه لنفسه من كان يقرأ من أدبائها، بل كان يكتب رسائل ونصوصا شعرية بها.
كان ممكنا لهم التثقّف بثقافتين في ما خصّ الأدب، أما ما يختلف عنه فكان أدعى إلى الإقبال على المغامرة، فهذا فؤاد حبيش يضع كتابا في الدعوة إلى العري، لا أحسب أنه بات مقبولا حتى بعد خمسة وثمانين عاما أعقبته.
إلياس أبو شبكة كان يوقّع المقالات التي، بحسب هالة البزري ناشرة الكتاب وواضعة مقدّمته، كانت قد نافت في الأصل عن السبعين، باسم رسّام. أما ما احتوته رسوم الشخصيات فلا يرجعنا كثيرا إلى ذلك الزمن، إذ لا أحداث ترد ولا وقائع. لقد أخفى التفنن الكتابي كل ما هو خارج وجوه تلك الشخصيات وحركتها الفيزيائية المتصلة، بأقل قدر ممكن، بخصالها الشخصية. تلك نصوص كتبت لتكون مرايا أدبية لشخصيات ذلك الجيل، البارزة أو التي ستصبح بارزة بعد حين. ولا أعرف إن كان أبو شبكة يقصد نصوصه هذه في تعريفه لنفسه كاتبا إذ يقول: «عندما أفكّر في موضوعي أستعرض في مخيّلتي شخصا خبرته عن قرب، وأجعل أشرحه كما أريد أنا لا كما يريد هو..». هل كان كاتبنا يقصد نصوصه هذه أم رواية كان يستعدّ للبدء بكتابتها؟
«الرسوم» كتاب إلياس أبو شبكة يضم نصوصا كانت نشرت في جريدة «المعرض» بين 1930 و 1931، وكانت العودة إليها متعسرة لولا الجهود التي بذلتها ناشرة «صنوبر بيروت» هالة البزري في العثور عليها وجمعها وإعدادها للطباعة. وقد احتوى الكتاب رسوم بورتريه لكل من الشخصيات المتناوَلة بريشة عمرالخوري.

٭ روائي لبناني

 

رجال 1930 في مرايا إلياس أبو شبكة

حسن داوود

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية