«الساروت» للحسين الشعبي: حينما يتبادل الجلاد والضحية الأدوار

حجم الخط
0

الرباط ـ «القدس العربي» الطاهر الطويل: الحسين الشعبي فنان مسكون بعشق المسرح وسحره، فمنذ ما يناهز الأربعين سنة وهو يتنسم عبقه، ويختبر فيه إمكانياته الذاتية، تمثيلا وتأليفا وإخراجا وإدارة وتنظيما وبحثا وتنظيرا. وقد توج هذا المسار الحافل أخيرا، بإصدار نص مسرحي يحمل عنوان «الساروت» (المفتاح)، ضمن منشورات «مركز المسرح الثالث للدراسات والأبحاث»، بعدما أحرز النص نفسه جائزة التأليف في الدورة السادسة لمهرجان فاس الدولي للمسرح الاحترافي، حين قدمت العمل فرقة «نادي المرآة للمسرح» في فاس بقيادة المخرج الفنان حسن علوي مراني.
يقول الناقد والفنان التشكيلي والإعلامي شفيق الزكاري عن هذه المسرحية إنها تطرح بجرأة وسخرية موضوعا بنفس حقوقي وسياسي، ومعه تثار الكثير من الأسئلة المرتبطة بالواقع الحقوقي اليوم في مغرب ما بعد الإنصاف والمصالحة، في نسق فني وجمالي بعيد تمام البعد عن التقريرية والمباشرة التي غالبا ما تكون مقرونة بمثل هذه «الثيمات» السياسية في كثير من النصوص المسرحية في العالم العربي.
تحكي مسرحية «الساروت» معاناة مواطن عادي يدعى «الساروت» (المفتاح)، يعيش معاناة ناتجة عن التباس ما وقع في علاقته مع السلطة، إذ يجد نفسه محاصرا في غرفة معينة بمستشفى ما تحت رحمة طبيب نفساني متجبر وقاس، حيث يبدو أن هذا الطبيب مكلف طبقا لأوامر عليا بمعالجة المواطن «الساروت»، وتنحصر مهمته في محاولة الحصول على أكبر قدر ممكن من المعلومات، لعلها تفيد في تكوين ملف طبي/ نفسي حول شخصيته، ويلتجئ الطبيب إلى تقنية التحقيق والاستنطاق لاستخراج إقرارات مفترضة، إلى درجة أن المتلقي لا يفهم إن كان الأمر يجري في مستشفى بين مريض وطبيبه، أم في زنزانة أم في مخفر للشرطة بين جلاد وسجين.
يقول الباحث والناقد الحسين فاسكا إن المعالجة النصية «للثيمة» من خلال مكوّن الصراع، تبين تفاعل الشخوص سلبا وإيجابا لدرجة تتماهى فيها الشخوص في ما بينها، فيتبادل الظالم والمظلوم مصيريهما ودوريهما، حتى يصبح كل منهما ضحية الآخر، وهما معا ضحايا زمن الرصاص، ويساهم الكل في تنامي الأحداث في اتجاه بؤرة تعيد وضع «الملف» آخر الأمر أمام المتلقي ليقول كلمته في ما رأى وسمع وعاين.
يقول الناقد عزيز الحاكم إن نص «الساروت» يفتتح بتأثيث «كافكاوي» (نسبة إلى كافكا)، حيث يستدرج المؤلف القارئ إلى عوالم الترهيب والعنف الممنهج، من خلال شخصيتين يجمع بينهما فضاء واحد، وتفرق بينهما مقاصد كثيرة، لاختلاف وضعيهما (فالأول طبيب نفساني والثاني معتقل بالخطأ) وتباين طبعيهما (ليونة مصطنعة لدى الطبيب وشراسة مستفزة لدى المعتقل)، غير أنهما بحكم وجودهما في الفضاء/ السجن نفسه يجدان نفسيهما مضطرين للتعايش والتعاطف «البراغماتي».
ويضيف الناقد أن الحوار في هذا النص المسرحي ينهض بدور تفريغي حاد، فهو بمثابة سلاح لغوي مشحون بانفعالات لا تقبل التأجيل ومواقف صارخة (من قبل المعتقل) وارتكاسات هشة (صادرة عن الطبيب)، تكشف من بين ما تكشف عن صلابة الأول وعدم أهلية الثاني. كلاهما ضحية لسوء التقدير. هذا إذا ما صدقنا بأن الطبيب هو بالفعل طبيب نفساني جيء به لمعالجة المعتقل، وأنه ليس مستنطقا وجلادا متنكرا في هيئة طبيب، كما يتبادر إلى ذهن المعتقل من حين لآخر، وفي كلتا الحالتين فإن شخصية الطبيب ـ كما يرسمها المؤلف هنا بشكل كاريكاتيري مضخم ـ تبعث على الرأفة والتشفي، وتعكس في الوقت ذاته رغبة المؤلف في ترجيح كفة المقاومة الساخرة، كما يجسدها المعتقل، وإبراز النزوع الانتهازي لدى الطبيب.
شخصيتان إشكاليتان وحوار ثاقب، وتقلبات مزاجية مفاجئة، ومزج تركيبي بين المعقول واللامعقول، وتصريح متعاقب بالمظالم، وسخرية جارحة من المحظورات السياسية، واستحضار قاس لتلك الحقبة المغربية المشؤومة التي عمدت بأسماء كثيرة، لكن جراحها ظلت هي نفسها، موشومة في الذاكرة بتجليات متباينة. كل ذلك يلملمه الحسين الشعبي في نصه المسرحي هذا، محاولا ككاتب سبعيني مخلص لأخلاقيات الكتابة النضالية، تقديم الدليل على أن الكلمات، في المسرح بوجه خاص، لا تكتسب قوتها وفعاليتها إلا من قوة الالتصاق بمصائر الضحايا، ولا تكون لها فعالية حقيقية إلا بقدرتها على ضبط مؤشرات اللحظة التاريخية، وتحويلها إلى إشارات فعلية كفيلة باستنهاض الأسئلة والعزائم، والذهاب بالنص المسرحي على طريق الفضح والتحفيز وإيقاظ الذاكرة.
ويخلص الناقد عزيز الحاكم إلى القول إن مزية هذا النص، المكتوب بين الضوء والعتمة (وفق إشارات الكاتب) وبإيقاع حركي، أنه يشد القارئ منذ الوهلة الأولى ويزج به (تبعا لقابلية التماهي لديه) في أجواء تتداخل فيها القتامة والانفراج، وتستثار فيها مشاعر الانقباض والانبساط، ويتحقق خلالها «الكثارسيس» (التطهير) بنسبة عالية، وهذا ما يغري بقراءته.

«الساروت» للحسين الشعبي: حينما يتبادل الجلاد والضحية الأدوار
مسرحية تعيد سنوات الاعتقال السياسي في المغرب إلى الواجهة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية