منصّات التواصل الاجتماعي: «حكي ما عليه جُمرك»!

حجم الخط
0

من منّا لم يمتعض من بعض رسائل «الواتس أب» التي تصله يومياً وتملأ بريد هاتفه الجوّال بسبب محتواها غير الدقيق أحياناً وغير العلمي أحياناً أخرى. من منّا لم يتابع بعض البوستات التي لا تمت للواقع بصلة بل وتتعارض مع المنطق والعقل، ومن منّا لم يندهش من بعض التغريدات المُضلّلة والمزعومة والتي لا تحتاج سوى بعض التحرّي والتدقيق لاكتشاف زيفها وخداعها.
أستطيع أن أُشبّه منصّات التواصل الاجتماعي هذه بـ «هايد بارك» هذا العصر حيث باتت مَطيّةً لمن يعتليها كائناً من يكون، تلينُ له كي يستخدمها للتفوّه بما يريد ويهوى دون مراقبة أو مراجعة، وكما يقول المثل الشعبي (الحكي ما عليه جُمرك!)!
المشكلة أننا بتنا نعيش في عالم افتراضي كبير لا يمكن التحكم بأدواته، ولا نملك الصلاحيّة أو الإمكانيّة كأفراد لمراقبته وفرض القوانين والإجراءات عليه. صحيح أن بعض الدول أصبحت تراقب هذه الشبكات وتتابع ما يُنشر عليها، ولكن من منظور الدولة أو السلطة، بمعنى انها تنظر بعين المراقب السياسي أو المُخابراتي للمشهد، ولكن ماذا عن الصحّة النفسيّة والسلوكيّة للمجتمع التي تتأثر سلباً بكل ما يُروّج له عبر هذه المنصّات من حقائق مزيّفة وادعاءات باطلة وصور مُفبركة، وإشاعات غير صحيحة … الخ القائمة الطويلة. أعتقد أن المسؤولية تقع على عاتق الأفراد أنفسهم، سواءً كانوا مشاركين أو متابعين، كما أني أعتقد أيضاً أننا بحاجة إلى هيئات اجتماعيّة مستقلة تعمل على مراجعة وتصحيح المعلومات المتداولة.
إن أول عمل ينبغي على أي ناشط على هذه المنصّات عمله هو التحقّق قبل أن يُصدّق ما يُنشر ويعيد نشره. والمشكلة هنا أن من يُعيد النشر يعتقد أنه لا يقترف خطأ بل إنه يقوم بالنشر على ذمة الراوي، وهو غير مطالب بتدقيق ما ينقُل (علماً أن الراوي مجهول في معظم الأحوال!). يا عزيزي، كيف لك أن تنقل خبراً أو معلومة دون أن تكون واثقاً من صحتها ودون التدقيق فيها بل ودون التحقّق من المصدر، ثمّ تدّعي أن لا يد لك في انتشارها وتأثيرها السلبي على المجتمع! عندما طلبت من أحد الزملاء مصدراً لمعلومة أوردها في إحدى رسائله، قال لي: «لستُ وكالة أنباء»! وردّ آخر: «تجدها على النت»!
إذا كنا نلوم المستخدم العادي والمواطن البسيط، فماذا نقول في حق بعض المثقفين والإعلاميين، وبعض النشطاء السياسيين والاجتماعيين، الذين لا تخلو صفحاتهم الاجتماعية من معلومات مغلوطة وغير دقيقة! أي تغيير إيجابي نرجوه لمجتمعاتنا في ظل هذه «الهوجة» من الخداع والمواربة؟!
من المُلاحظ أن معظم مستخدمي منصّات التواصل الاجتماعي يفتقدون واحدة من أهم أساسيات عمليات التواصل ونقل المعلومة، وهي (التحقّق والتوثيق)، ناهيك عن عدم الاستشهاد بمصادر «موثوقة» للمعلومة، وعدم الحياديّة في الطرح، وعدم إعطاء الفرصة للرأي الآخر، بالإضافة إلى عدم الإشارة إلى النص المنقول أو المُقتبس. حين عاتبتُ أحدهم على نقل نص كامل لي مع وضع معلوماته الشخصية عليه، قال لي: اعتقدت أنك نقلته أنت عن غيرك!
يقول عالِمُ الاجتماع الشهير «غوستاف لوبون» في كتابه ذائع الصيت «سيكولوجيّة الجماهير»، إن العواطف والأفعال لدى الجمهور هما مُعديان بطبيعتهما، وإن الفرد المُنضوي وسط جمهور انفعالي، سُرعان ما يسقط في حالة من الانجذاب الشديد الذي يشبه إلى حد كبير حالة التنويم المغناطيسي، بحيث تصبح إرادة الفهم والتمييز مُلغاةً تماماً!
وهذا يفسّر حالة الغوغائية التي نجدها في كثير من الأحيان عبر صفحات التواصل الاجتماعي، بحيث لو أعاد الشخص نفسه النظر إلى تعليقاته أو الموضوعات التي كتبها أو شاركها بعد برهة من الزمن وبعد استعادة شخصيته «الواعية» من جديد، لدُهش منها! ويضيف لوبون أنه بمجرد تشكّل جمهور ما، يتساوى أذكى الأذكياء مع أقل الأفراد وعياً، ويصبح الجاهل والعالِم عاجِزَيْن عن الملاحظة والتدقيق، ذلك أن مَلَكَة الملاحظة والروح النقدية التي يمتلكها كل فردٍ على حدة، تضمحلّ وتتبخّر!
وهذا يُفسّر لنا انتشار الأخبار والشائعات على أوسع نطاق دون تحقٌق أو تدقيق، حيث يصبح الفرد مجرّد مُوزّع وناشرٍ دون تحمّل أية مسؤوليّة أخلاقيّة أو اجتماعيّة تجاه مصداقيّة ما ينقل، ناهيك عن ظاهرة التقليد المتفشيّة في مجتمعاتنا والتي تُعدّ ظاهرة مُحيّرة قامت عليها أبحاث اجتماعية ونفسيّة سلوكيّة ولم تجد لها سبباً رئيسياً بل وفشلت في ربطها بأي عوامل اجتماعية أو فسيولوجيّة خاصة، ويكفي أن يقف أحد المارة في أحد الشوارع ويركّز نظره إلى أعلى لبضع دقائق ليجد بعض الأفراد الذين تجمهروا حوله وفعلوا ما يفعل مع تبادل للهمسات والنظرات والإشارات، فما بالكم لو قام أحدنا بوضع بوست جذّاب مع صورة لافتة، وأضاف له الكثير من الحقائق المُزيّفة «المحبوكة»، أعتقد جازماً أن هذا البوست سينتشر ويلاقي رواجاً جماهيرياً كبيراً لمجرد أن موضوعه يروق للكثيرين ويُحاكي رغباتهم الدفينة ويتوافق مع عقلهم الباطني!
جاء رجلٌ إلى الفيلسوف «سقراط» وقال له: هل تدري ما سمعتُ عن أحد طلابك؟ فردّ عليه سقراط هل انت واثقٌ أن ما ستقوله لي صحيح؟ رد الرجل بل سمعته من أحدهم، فقال سقراط حسناً هل ما ستخبرني به شيء طيّب؟ فقال له بل على العكس تماماً، فقال سقراط هل ما ستخبرني به سيُفيدني؟ رد الرجل لا وإنما هي مجرّد أحاديث! فقال سقراط حكمته الشهيرة (إذا كنت ستخبرني بشيء ليس صحيحاً ولا بطيّب ولا فائدة أو قيمة فيه، فلماذا تُخبرني به من الأصل ؟!)
تُرى لو طبّقنا اختبار الفلاتر الثلاثة لسقراط، كم من الرسائل والبوستات والتغريدات التي سنختصرها من قاموس عالمنا الافتراضي؟! فما بالكم لو تمعّنا في قول الله تعالى واستحضرنا معانيه (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ولا إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئكَ كَانَ عَنْهُ مسؤولا)

كاتب ومُدوّن – الأردن

منصّات التواصل الاجتماعي: «حكي ما عليه جُمرك»!

أيمن يوسف أبو لبن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية