محاولات تهميش النوبيين في مصر: سلب أراض وتأميم ثقافي

حجم الخط
0

القاهرة – غدير أحمد : في التاسع عشر من الشهر الجاري قامت مجموعة من النوبيين بما سموه «قافلة العودة النوبية» اعتراضاً على ضم (110) آلاف فدان من أراضي «توشكى وفورجند» ضمن مليون ونصف فدان خُصصت لمشروع «الريف المصري».
في محاولة لتأطير الصراع النوبي – الدولتي، لا يجب إغفال ما تمثله «النوبة» من مجموعة إثنية مهمشة من ذوي البشرة السمراء ما يجعل صراعهم مع الدولة قائما على موازين عدة للقوة ترجح فيها كفّة الدولة.
في البدء، كانت طبيعة أراضي «النوبة» الجغرافية والواقعة على الضفاف الجنوبية لنهر النيل هي الانطلاقة التي من خلالها نشأ الصراع بين الدولة والنوبيين على الحيز المكاني للنوبة، فضلًا عن الإهمال المُتعمّد للثقافة والتراث النوبيين.
في عام 1902 ومع البناء الأول لخزان النيل، قام الخديوي عباس حلمي الثاني بتهجير أهالي «النوبة»، الأمر الذي تكرر مع كل تطوير للخزان، حتى بناء السد العالي 1963 في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر والذي صاحبه تهجير قسري كامل.
مع نوبات الغضب المتفرقة للنوبيين اضطرت الحكومة المصرية لاستصدار قرارات بحقهم في العودة إلى أراضيهم وتخصيص أراضِ بديلة صالحة للاستزراع في محاولة توثيقها ضمن مواد الدستور المصري كالمادة (236) من دستور 2014 لاحتواء هذا الغضب، دون تنفيذ حقيقي.
ففي عام 2014، استصدرت الحكومة المصرية برئاسة الرئيس عبد الفتاح السيسي القرار (444) والذي يقضي بإعادة ترسيم الحدود العسكرية في جنوب مصر لتشمل (16) قرية نوبية، وهو ما يعتبره «المركز المصري للإصلاح المدني والتشريعي» خرقاً واضحاً للدستور وللمواد (14, 19, 20, 21) من الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب – في بيانه الصادر مؤخراً.
الصراع على الأراضي النوبية منذ أكثر من مئة عام، لم يكن فقط على الحيز المكاني لقرى النوبة الغارقة الآن تحت بنية السد العالي، فالثقافة والتراث النوبيين ومحاولة الدولة الدائمة إلى تأميمهم ثقافياً، أيضاً من عوامل الصراع.
ولم يكن النوبيون وحدهم في صراع مع مركزية الدولة وهيمنتها. فقد عانت الكثير من الأقليات الدينية والإثنية بل والعرقية وأصحاب البشرة الملونة ليس فقط من تهميش الدولة ولكن من تعاملها الأمني مع الاعتراض على هذا التهميش.
هذا ما واجهه بدو سيناء أو اللاجئون السياسيون الأفارِقة، وكذلك الأقليات الدينية، ويواجهه الآن أهالي النوبة المعترضون على ضم (110) آلاف فدان لمشروع «الريف المصري». فقد قامت قوات الأمن بحصار القافلة – والتي هي سلمية رمزية – بمحاولة منع المواد الغذائية من الوصول للمعتصمين عند كمين منطقة كركر والذي استهدف منع القافلة من المرور وكان السبب الرئيسي للاعتصام.
في الصراع النوبي – مع الدولة لا يمكننا غض أبصارنا عن كون «النوبة» منطقة إثنية ذات طبيعة خاصة بأهلها وثقافتهم، بالإضافة إلى لون البشرة والذي يتقاطع بشكل مباشر مع كونها منطقة زراعية – غير مدنية بالمعنى التمدني- في مواجهة أنظمة دولة بالكامل، ما يجعلها أكثر عرضة للتهميش ومحل تمييز عنصري واضح بسبب لون البشرة والأصل الثقافي.
الأنظمة، في تبعيتها للسلطة السياسية ولسيادة الدولة المصرية والتي تختصم النوبيين وتتحايل دون تمتعهم بحق التوطين والمنصوص عليه دستوراً، قد تعتبر النوبيين في الأصل، مجموعة من «السكان غير الأصليين»، ولذلك فحقوقهم مُنسحقة داخل سيادة الدولة، وهذا ما اتضح جليًا في القرار (444).
وقد تتبنى بعض الأجهزة الإعلامية الموالية للحكومات، باختلاف النظم السياسية المصرية، أفكارًا عنصرية ضد النوبيين ما ينفي عنهم حقهم في الأرض وبالتالي حقهم في العودة.
وربما يدمج النوبيون قسراً باعتبارهم من سكان محافظة «أسوان»، وهذا أيضاً ينفي حق إعادة التوطين، كما ينفي وجود النوبة وتراثها وشعبها ككل.
بالإضافة إلى ما سبق، فقد تعرضت «قافلة العودة النوبية» إلى وابل من الهجوم الإعلامي الممزوج بالعنصرية والتمييز على أساس لون البشرة، ما يعكس وضع النوبيين كأقليـة إثنـية ذات بشـرة ملـونة.
الصراع قد يأخذ منحى دوليا، حيث صرّح بعض المعتصمين بضرورة تصعيد الأزمة لاختصام الحكـومة المصـرية أمـام المـحاكـم الأفريقيـة والدوليـة.
يذكر أنه في آذار/ مارس 2014 تمت إدانة الحكومة المصرية أمام «اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب» في قضية الاعتداء الجنسي على الصحافيات المتظاهرات ضد التعديلات الدستورية والمعروفة إعلاميًا بـ: «الأربعاء الأسود» عام 2005، وإلزامها بتقديم المتورطين للمحاسبة وبتعويض مالي للناجيات. أما ما قد يؤول إليه هذا الصراع، فما زال غير معلوم.

محاولات تهميش النوبيين في مصر: سلب أراض وتأميم ثقافي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية