شكل فوز دونالد ترامب بمنصب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية مفاجأة للعالم، كونه قد جاء على يد رجل أعمال، لا يمتلك تاريخاً أو إرثاً سياسياً، بالإضافة إلى كونه قد أبان عن النزعة الشعبوية للشعب الأمريكي، بالتوازي مع توجهات غير سوية تجاه نظرة الأمريكيين لأنفسهم أو للعالم، ويشمل ذلك مفهوم الآخر، والمهاجرين، علاوة على الكثير من القيم التي ادعت الولايات المتحدة بأنها تشكل منطلقات لمبادئها وأسسها الحضارية، كما وردت في الدستور الأمريكي.
ولكن ما هو جدير بالتنبه له، حيثيات التحول في البنية الثقافية للإنسان الأمريكي الذي أوصل ترامب لهرم السلطة، وهنا نضطر لتحليل موقع الإعلام من السباق الرئاسي، ما يحيلنا بطريقة أو بأخرى إلى عدد من الملحوظات التي تتمثل بأن الإعلام – في جميع أنحاء العالم – بات مفصولاً عن الإنسان وتوجهاته، علاوة على تخلفه عن تقديم صورة حقيقية لما يحدث من حولنا، فكافة التحليلات والتوقعات التي أتت بفعل هذه الآلة العملاقة جاءت قلقة ومضطربة، بغض النظر عن التموضع الجغرافي وسياقات وجودها. ولعل هذا ما يدفعنا إلى التأمل في الهوة التي باتت تفصل بين الإنسان والإعلام، فالأخير لم يعد يرى في الأول إلا مستهلكاً، أو عقلا غبياً يمكن أن يخدع بسهولة.
وإذا كان ثمة الكثير من الملحوظات السلبية حول أداء الإعلام التقليدي الذي اتهم لسنوات بتكريس هيمنة السلطات، غير أن ظهور وسائل التواصل الاجتماعي أحدث شكلاً من التفاؤل قوامه أن ثمة قناة أخرى يمكن من خلالها التعبير عن الذات بمعزل عن اشتراطات الإعلام الرسمي، بل العكس من ذلك فقد باتت هذه الأداة سلاحاً بأيدي الجمهور للتأثير على السلطات، كما إثارة الكثير من الجدل، ولا سيما حول قضية ما، ولذا فهي تعدّ نموذجاً متحللاً من الرقابة التي مهما حاولت محاصرتها، إلا أنها لن تفلح في ذلك، لكن ثمة أمراً آخر، يمكن أن يلاحظ، ويتحدد بأن الإعلام عامة، ووسائل التواصل الاجتماعي خاصة أمست أنماطاً خطابية مراوغة لا تنطوي على أي مصداقية، إلى درجة أنه يمكن أن تقدم صورة مضللة عن عقل جمعي، لا يتوافق ظاهره مع باطنه، وبهذا تتحول هذه الوسائل إلى مسالك من التقنّع والتمثيل المغلوط.
ولعل صعود ترامب كشف عن هشاشة الإعلام، سواء أكان التقليدي ممثلاً بكبريات الصحف أو الرقمي البديل، فالأول لم يتمكن من التأثير على الرأي العام، في حين أن الثاني لم يقدم صورة واضحة أو حقيقية للشعب الأمريكي الذي لم يصرح عن تفكيره ونواياه عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بل مارس تُقية واضحة. فمعظم الأمريكيين كانوا مؤيدين لترامب، ولكنهم لم يعلنوا عن ذلك عبر منصاتهم الرقمية، كما في الواقع، وبذلك فلم تعد وسائل التواصل الاجتماعي منصة للتعبير العفوي عما نؤمن به، ونفكر فيه.
لا شك أن العالم قبل ثماني سنوات لم يعدّ كما هو الآن، فأوباما الذي وجد في مواقع التواصل الاجتماعي وسيلته للتواصل مع ناخبيه بهدف التأثير على نواياهم الانتخابية بمعزل عن هيمنة الإعلام التقليدي، حيث وجه خطابه للشعب الأمريكي مباشرة، حينها أعجب الناخب الأمريكي بهذا النهج والأسلوب، وبهذا نستنتج أن الإعلام التقليدي لم يعد عاملاً مفصلياً في تكريس التمثيل السياسي، أو الثقافي، وهذا يعني أن ثمة قطيعة مع النماذج التقليدية، ما أتاح بروز مواقع التواصل الاجتماعي بوصفها تنتمي إلى فضاء حر، وأكثر شفافية، ولكن في عالم اليوم المضطرب لم يعد ذلك قائماً، فمع تصاعد الإرهاب، وتداعيات الأزمات الاقتصادية المتكررة تكشّف عن الخوف بوصفه مسلكاً طاغياً على المسلك الجمعي للشعوب، هذا الخوف قوامه «الآخر»، ولاسيما في الجزء الغربي من الكرة الأرضية، وهذا تعزز مع الهجرات، وموجات اللجوء والنزوح، ما أوقع تيار اليمين المعتدل كما اليسار في أزمة من حيث كيفية التعامل مع ملفات بهذا التعقيد، لكونها تحتفي بالتناقض مع القيم الغربية والواقع القائم على الأرض.
وفي ظل عدم القدرة على تطوير أيديولوجيات جديدة، أو برامج توازن ما بين القيم الغربية فيما يتعلق بحقوق اللاجئين، والموقف الأخلاقي، كما الهواجس الأمنية والاقتصادية، ونمط الحياة، فكان لا بد من اللجوء إلى خلق مبدأ مضاد، ينهض على نبذ الآخر والانغلاق والبحث عن المصلحة الخاصة، والتضحية بالقيم، كون الأمر يتعلق بالوجود. وهكذا بات العالم طافحا بالكراهيات والمنازع العرقية والطائفية، كما الخطابات الأيديولوجية المتطرفة بوصفها خيارا للحماية، وصون المكتسبات، ما أدى إلى ظهور نمط جديد من القادة كدونالد ترامب، الذي قدم خطابا واضحاً، أو بعبارة أخرى قدم أفكاراً «مسكوتاً عنها» بصوت مرتفع، وبنسق بلاغي (ديماغوجي) على الرغم من أنه يتناقض مع الادعاءات القيمية. لقد ترجمت الأفكار من خلال صناديق الاقتراع لا من خلال التعبيرات اللغوية، وهكذا تحققت الصدمة التي نتجت من مبدأ المراهنة على أن ثمة قدراً من العقلانية والمسؤولية التي ينبغي أن تميز الشعب الأمريكي، بيد أن هذا لم يكن سوى وهم، فاستطلاعات الرأي العام، والتوقعات في معظمها كانت تشير إلى تفوق هيلاري كلينتون، ولكن الحقيقة أن ما كانت تتعاطى معه هذه الاستطلاعات والدراسات لم يكن سوى قيمة ظاهرة، فما يعبر عنه الناس من خلال مواقع التواصل الاجتماعي كان على خلاف ما يعتقدون به، مع الإقرار بوجود مؤيدين صريحين لكلا الطرفين، غير أن هنالك الكثير من الناخبين، وهم الأغلبية الصامتة التي لم تجاهر بدعمها لترامب – مع أنها كانت تؤمن بأفكاره- خشية التعبير عن رأيهم. إذن ثمة سلطة في مواقع التواصل الاجتماعي، هي سلطة القيم الظاهرة والمبادئ الزائفة. هذه السلطة ليست ممثلة بمؤسسة أو جهة رقابية، إنما هي سلطة المجتمع ممثلة بالأصدقاء والأقارب، أو المجتمع عامة التي تدعي تبنيها خطاباً أخلاقياً، فأي قبول لأفكار ترامب سوف يصنف في خانة العنصري، من منطلق أن أفكار ترامب تتناقض والصورة النمطية للشعب الأمريكي القائم على مبدأ التنوع، والاختلاف، وقبول الآخر؛ ولهذا كان يخشى معظم الناس التعبير عن ميولهم الشعبوية عبر مواقع التواصل الاجتماعي التي قدمت صورة مغلوطة، وغير حقيقية لما يفكر فيه معظم الناس، ويعبرون عنه، ولكن هذه الصورة لا ترتبط بأفرادٍ بمقدار ما ارتبطت بوعي جمعي، استطاع أن يحدث فرقاً في انتخابات دولة عظمى كالولايات المتحدة الأمريكية. وبهذا فإن مقولة مواقع التواصل الاجتماعي تعدّ منصات حرة للتعبير أصبحت في خانة الوهم، لقد أعادت هذه المنصات إنتاج سلطة جديدة، هي سلطة المجتمع الذي يستتر من نفسه عن نفسه، لقد أنتجت هذه المنصات الاجتماعية سلطة أخرى يخشاها الإنسان، لقد أحجم معظم الأمريكيين عن التصريح بتأييدهم لترامب عبر هذه المنصات، بيد أنهم عبروا عن ذلك عملياً من خلال صناديق الاقتراع، وبهذا انكشفت البنى العميقة لتفكير الشعور الجمعي الأمريكي، وهنا أعني الأغلبية، خاصة تجاه بعض القضايا التي تتعلق بالآخر، كما الغربي عينه، ونعني أوروبا بما فيها حلف شمال الأطلسي، الذي بات عليه أن يبحث عن علاقة جديدة مع الولايات المتحدة قوامها المصلحة المتبادلة.
لقد تمكن ترامب من تقديم خطاب مغاير للمتوقع، فقد ذهب الرجل في اتجاه آخر، ولعل هذا تحقق نتيجة عوامل تتصل بتركيبته الشخصية، ووضوحه وصراحته الصادمتين، وهي سمات لا يفضلهما الساسة، ولكن الأهم من ذلك الخطاب المباشر الذي جاء نتيجة تمرس الرجل بالإعلام، لقد أدرك ترامب أن البشر لم يعودوا يصدقون الإعلام، كما أنهم لم يعودوا يرغبون بالمزيد من الخطابات الدبلوماسية لكونها تكوينات زائفة لذوات مأزومة، ملّت من الادعاء. وبهذا فإن الإعلام – بما في ذلك مواقع التواصل الاجتماعي- ما هي إلا أنساق من الوعي المنتقى بعناية، حيث يمكن أن تظهر عكس ما تبطن، فالتقنية وقيم العولمة لم تجلب المزيد من قيم الحرية والعدالة، كما أنها لم تحقق ثورة قيمية، بل على العكس من ذلك أسهمت في المزيد من سوء الفهم، علاوة على كونها أطلقت المكنون اللاواعي في الأمم.
إن المتأمل في وسائل التعبير العام، سيجد أنها لم تكن في يوم ما من الأيام حقيقية، فهي نشأت في الأصل للتعبير عن الزيف وطمس الحقيقة، فالشعر مدح من لا يستحق المدح، والفخر نتج لأزمة في تقدير الذات التي تحاول أن تصنع لذاتها صورة مضخمة عبر اللغة، كما أن معظم الشعراء كانوا في معظم الأحيان أبواقاً للقبيلة، أو أنها ملعونة بهاجس الغرور مع بعض الاستثناءات، ومع تقدم الزمن، وظهور الطباعة كما الصحف والراديو والتلفزيون أضحت هذه الوسائل أداة بيد الحكومات، من أجل تكريس التعبئة والهيمنة على العقول، ولا أدل على ذلك من نماذج الدعاية التي مارستها النازية والفاشية والأنظمة الشمولية في القرن الماضي، وفي زمننا هذا فالأمر لا يختلف كثيرا، فالإعلام التقليدي والمنصات الافتراضية التي انتقلت لتكون بيد الإنسان بوصفه الفردي، ولكنه سرعان ما مارس النسق عينه حيث وجدت رقابة يمارسها المجتمع، كما وجد التضليل في التعبير عن النوايا والأفكار، فأصبحنا غير صادقين في التعبير عن ذواتنا، وبدأنا نتقن كيفية تضليل المؤسسة، وهذا بالتحديد ما أتقنه ترامب الذي أدرك أن المؤسسة الرسمية أضحت جزءاً لا يتجزأ من وهم الإعلام، ولهذا اتجه لمخاطبة غرائز البشر.. هواجسهم.. خوفهم من الآخر، الخوف على أرزاقهم ومعيشتهم، بل وجودهم الذي بات مهدداً من الآخرين. لقد استطاع أن يخترق قيماً واهية من الادعاءات الزائفة لا توجد حقيقة إلا في أدبيات الغرب، في حين أن السواد الأعظم من الغربيين يتوجس من الآخر، علاوة على النزعة المتعالية القائمة على التفوق والاختلاف العرقي، لقد استفاد من غباء الإعلام بنمطيه الكلاسيكي والجديد، فكلاهما أوهم العقل البشري بأنه حر، وبأنه من خلال هذه المنصات يمكن أن نحدث تغييراً، كما في الربيع العربي الذي عزاه البعض إلى أثر مواقع التواصل الاجتماعي التي سرعان ما مجدت من قبل الساذجين بوصفها الهادية إلى دروب الحرية، ولكنها سرعان ما كشفت عن تواضع إمكانيتنا العقلية وقيمنا، بل على العكس من ذلك، فقد أججت مشاعر الكراهية والاختلاف، علاوة على كونها وسيلة سهلة لبث السموم والكراهية من أجل إشعال الحرائق التي بتنا غير قادرين على إطفائها.
كاتب فلسطيني ـ أردني
رامي أبو شهاب