شكلت الرواية العراقية ما بعد العام 2003 هوية جديدة لم تعرفها من قبل. فما قدمه هذا النوع الأدبي على مدى أكثر من 90 عاماً- بدءاً من روايات محمود أحمد السيد في مطع عشرينيات القرن الماضي- لتصل إلى روايات غائب طعمة فرمان، وفؤاد التكرلي وحتى آخر رواية صدرت قبل العام 2003. غير أن التحوّل الكبير الذي طرأ على الرواية العراقية بعد التغيير جعل منها عالماً جديداً عبَّر من خلاله الكاتب العراقي عن الحياة المتغيرة تبعاً للتحولات السياسية.
ربما من هذا المنطلق جاءت أعمال روائية مهمة على المستوى العراقي، من أهمها روايات علي بدر، على الرغم من إصداره عملين قبل عام التغيير، وهما: «بابا سارتر» و«شتاء العائلة»، غير أن أهميته أنه تمكّن من تحريك الرواية العراقية لتتجاوز نفسها، ومن ثمَّ يتم الالتفات إليها عربياً.
من هذا المنطلق اشتغل الباحث محمد فاضل المشلب في تناوله لأعمال علي بدر في كتابه «الإنتلجينسيا العراقيّة في عالم علي بدر الرّوائي.. دراسة في الرُؤى والتمثّلات»، على فهم دور علي بدر في الرواية الجديدة، ومن ثمَّ بحث صور المثقف وتمثلاته من وجهة نظره كروائي وكيفية تناوله في أغلب أعماله، إن لم يكن جميعها. وبهذا صرّح في مقدمة كتابه، أن منجز علي بدر لا يقف في طليعة المنجز السّردي العراقي فحسب، بل والمنجز السّردي العربي المعاصر دون مبالغة، إذ يشكّلُ ظاهرةً غير مألوفةٍ في السّرد العراقي من ناحية غزارة النتاج، وأهمية الموضوعات والمضامين التي يطرحها في رواياته. فروايات علي بدر تعدّ وثيقة أدبية ذات صلةٍ وشيجةٍ بالطبقة الوسطى من المجتمع العراقي من جانب، وتأخذ على عاتقها إعادة قراءة التاريخ المُعاصر للعراق لاسيما الثقافي منه من المنظور السّردي، ومناقشة الكثير من قضاياه واجتهاده في طرحِ تصوّرات ورؤى شديدة الأهمية عن التاريخ السياسي والاجتماعي والثقافي على لسان الإنتلجينسيا الروائية من جانب آخر. كلّ هذه الموضوعات تمّ تمثّلها روائياً عبر الإنتلجينسيا أو الطبقة المثقفة في العراق، وهذا ما شجّع الباحث على الخوض في هذا المشروع البحثي، عبر الوقوف على الإنتلجينسيا في روايات علي بدر الإحدى عشر التي صدرت حتى تأليف هذا الكتاب، وهي الموضوعة التي تتأسس عليها الروايات الإحدى عشر، وتناول هذه الروايات بالبحث والفحص النقدي الأكاديمي؛ من أجل الوقوف على أهم طروحات ورؤى مشروعه الروائي.
أما لماذا علي بدر؟ وما المختلف في رواياته ليقدمه المشلب نموذجاً في الدراسة، فيقول المؤلف في حديثه لصحيفتنا أنه يتراءى له أنّ ظهور عليّ بدر في بداية الألفية الجديدة دشّن لتيار جديد في مسار الرواية العراقية، تيار ينتمي للبحث في أفق جديد، بأسلوب مغاير، فالرواية عند عليّ بدر- وهنا يسجل وجهة نظره الخاصة- بحث أكاديمي لكن بقالب أدبي ممتع، ينتسب لرهافة الخيال، من غير أن ننسى دور الوثيقة التاريخية والمعلومة الثقافية، كهامش فاعل في رواياته. روايته الأولى «بابا سارتر 2001|، اكتنزت بصبغة الحداثة، والجرأة في زمن الاستبداد، ناقشت موضوعة المثقف العراقي في ستينيات القرن الماضي، والعقد هذا كما هو معروف، عقد إشكالي، لاسيما للإنتلجينسيا العراقية، التي جاذبتها القوى السياسية المهيمنة آنذاك، بين يسار وبعث. «بابا سارتر» كانت محاولة لتحطيم تلك الإيديولوجيات، وسائر المهيمنات على العقل الثقافي في العراق، عبر خطاب ساخر ممنهج مرة، وتفكيك المقولات الكبرى السياسية والفلسفية والاجتماعية مرة ثانية، وهذا ما سيعتمده مقصداً في متوالياته الروائية اللاحقة.
كلام المشلب هذا، يعيدنا إلى عنوان الكتاب، الذي يشير إلى المثقف وتشكلاته في الرواية العراقية عموماً، وفي أعمال علي بدر على وجه الخصوص، وهو ما بيّنه المشلب في كلامه الذي يوضح فيه أن عليّ بدر باعتماده على الرواية خطاباً أدبياً لقول شيء أو بالأحرى أشياء، فإنّه لن يقدّم للقراء نقلاً فوتوغرافياً للإنتلجينسيا العراقية، بل تشكيلاً رؤيوياً خاصاً به، يتجلّى ذلك عبر أنماط للمثقف العراقي، على سبيل المثال، يظهر المثقف مسيطراً في محيطهِ الثقافي، ذا أتباع ومريدين، وبهرجة تقتربُ من هالة التقديس تحيطُ بذلك المثقف المسيطر، وهذا النمط وجّه إليه علي بدر سهام السخرية، لتشريحه، وإزالة تلك الهالة الساحرة من سيمائه، وإظهار القشرة الإيديولوجية، والسيميولوجية التي كان يتغطّى بها، ويقصد المشلب هنا، المرجعيات السردية التي اعتمدها المثقف لتشكيل صورته، و«للتدليل على كلامي يمكن الاطلاع على الروايات (بابا سارتر، الطريق إلى تلّ المطران، أساتذة الوهم)، هذا من جانب، ومن جانب آخر، نمط من المثقفين ذهب ضحية للسلطة الاستبدادية، باختلاف أزمنتها، وآليات قمعها، وسأعتمد التسلسل الزمني لشخصيات الإنتلجينسيا مساراً للإجابة، اختار العصر العباسي في رواية (الجريمة، الفن، وقاموس بغداد 2010)، ليبدو ذلك المثقف منحازاً لشرط الحقيقة والمعرفة، وهذا له ضرائبه الباهظة، أمام سلطة مستبدة، ترى فعل المثقف ومشروعه، خطراً يحدق بها، يسارعُ لإزالة وجودها ومكانتها، كذلك في رواية «أساتذة الوهم 2011| ظهرت الإنتلجينيسيا العراقية في عقد الثمانينيات بشكل يحتفي سرّاً بقيم ترفضها السلطة السياسية (ظاهراً) والسلطة القيمية (المجتمع)، ظهر المثقف منزوياً في تشكيل اسمه (جماعة بهية) وهي جماعة ثقافية خارقة للتابوهات التي تصادر حريتهم، لا تلتزمُ سوى بقيمها المعرفية، والأخلاقية الخاصة التي آمنت بها، ولم تعش سوى يوتوبيها الفريدة، فاسم المؤنث المختار (بهية) يرجعُ بالأصلِ لمومس متقاعدة»، مؤكداً أنه لا يوجد تقديس لأيّ شيء خـارج تكوين المثقفين الثقافي، والســـلوكي الـخـــاص، وهذا نسق معارض ظهر في عز قوة وعنجهية السلطة البعثية في العراق آنذاك.
كما يطرح المشلب نمطاً ثالثاً من مثقفي علي بدر، وهو المثقف في عراق ما بعد العام 2003، وهذا يبدو عليه التنازع الداخلي المهول، بين الترحيب لإشراقة الشمس القادمة من الغرب، وبين الإحساس بانتهاء زمنه ووجوده.. ويوضح المشلب أن المثقف الأول ذهب في آماله من دون وضع حدّ لها، ليصطدم بماكنة الإرهاب، ورفقاء الليل الشاحب، ليغدو لاحقاً ذاتاً قلقة، مطاردة، قابعةً في بركة العزلة وعدم الإنصات له، فيما المثقف الثاني مهاجراً مقهوراً يبحثُ عمّن يشبهه، ويصطفي رفقته، يجابه الحاضر ليركن للماضي.
اتبع المشلب في كتابه منهجاً أكاديمياً صارماً في قراءته لصور المثقف في أعمال علي بدر الروائية، فهو يرى أن قضية المنهج النقدي حساسة، وسلاح ذو حدّين، هناك مَن يتخذ المنهج فأساً «لتقطيع» النصّ الأدبي المعروض للممارسة النقدية، بمعنى فرض منهج سياقي أو نصيّ لتحليل النصوص، وهناك من يتخذ من النصّ الأدبي منطلقاً لتحديد خطاطته النقدية التي ينبثق منها تحليله، الذي يفترض أن لا يبقى مدونة مستجلبة من الحصيلة الأدبية للناقد فحسب، إنما مشتملاً على حصيلة ثقافية عابرة للتخصص، ومنفتحة على آفاق المعرفة المنسدلة من ميادين شتّى، واتجاهات متنوعة، «شخصياً أميل للجانب الثاني هذا من المنهج والتحليل، وهذا ما حاولت ممارسته، تنظيراً وتطبيقاً في كتاب (الإنتلجينسيا العراقية)، عبر استقراء الروايات بشكل دقيق، ومن ثمّ استنتاج خطاطة أولية تصقل بتطوّر القراءات، ومن بعدها أتى دور تحليل النماذج، وإعطاء الجانب الثقافي للتحليل فسحة مهمة، لأن فرض منهج معيّن ولَيْ عنق النصّ جريمة بحق النقد، ويبقى للقارئ خصيصة التلقي، وفضيلة الحكم».
من خلال هذه القراءة، يمكننا طرح تساؤل يشق زخم النتاج الروائي العراقي، الذي يؤكد متابعوه أنها تجاوزت الـ600 رواية منذ العام 2003 وحتى الآن، وهو: هل تمكنت الرواية العراقية من تقديم نموذج خاص بها ضمن السرد العربي؟ وما التطور الذي قدمته من خلال نموذج علي بدر؟
وفي محاولته للأجابة عن هذا التساؤل، يؤكد المشلب، أن المنظور الخاص الذي ينطلق منه النقاد في الحديث عن مكانة الرواية العراقية في سياق الرواية العربية، يبدو له غير متحقق، بمعنى أنه يذهب إلى عدم عزل الرواية العراقية، بوصفها أنموذجاً خاصاً، الخصوصية الجغرافية في الأدب لا تشكّل في ذائقة المشلب النقدية معياراً ومساحة كبيرة، الأهم أن تُقرأ الرواية العراقية، أن يُسمع صوتها بموضوعية، ويختلطُ مداها مع مديات الرواية العربية، أن تنتسب إلى الأفق العالمي، «لا أخفيك أن الرواية العراقية ما زالت في طور التكوين، وبدء الانطلاق، ويحتاجُ روائيونا إلى جرع أكثر في التجريب والممارسة، وأن يصبحوا أكثر استعداداً وجدارة للتنقل بين جبهات الحياة، وزوايا السماء»، ويفصِّل المشلب رأيه هذا مبيناً أن هناك روائيين لديهم هذا الهاجس المشفوع بالتجريب والبحث في زوايا الحياة العراقية، عليّ بدر بحث، وجرّب، إلى أن عثر على زاوية في حياة مجتمعنا وهي المثقف العراقي، عبر أزمان مختلفة تمتدّ من بدايات ولادة الدولة الحديثة في العراق، إلى سيطرة الشمولية والتخلف، ونهاية التمدّن واستفحال الطائفية بعد العام 2003، ويجد المشلب أن عليّ بدر في مقدمة المساهمين في نقل الرواية العرقية إلى ضفاف جديدة، موضوعاتٍ وأشكالاً، جرأة في الصياغة الفنية واللغوية إلى حدّ ما. علي بدر، أعاد تشكيل الذاكرة المكانية لبغداد، أزقة، محلات، مقاه، ملتقيات ثقافية ما عادت ترى النور في ذاكرتنا المتعبة، فضلاً عن طرحه موضوعة الأنوثة والمرأة، وهامشيتها في المجتمع المتباهي بالشوارب، وكيف أن نساء روايات عليّ بدر، يظهرن متحررات في المظهر، ولكن مقهورات ومستلبات عقلاً وجسداً.
محمد فاضل المشلب: «الإنتلجينسيا العراقيّة في عالم علي بدر الرّوائي.. دراسة في الرُؤى والتمثّلات»
دار الرافدين، بيروت- دار وراقون، البصرة، 2016
304 صفحة.
صفاء ذياب