لله هؤلاء الشعراء، شياطين عبقر! إنهم يألمون مرة ثم يحيون الألم مرة أخرى، فكأنهم يألمون مرتين… إلا أن الألم هو الينبوع الزاخر الذي يتدفق منه الشعر. ولا أشك في أنكم متفقون معي على أن الآثار الفنية التي خلّفها ألم الشعراء أروع كثيراً من غيرها. وأمامكم الرثاء وأوصاف النفس المتألمة من الحب فإنكم ستجدون فيها كنزاً من العواطف والأحاسيس والشواعر الأليمة. اقرأوا قول متمم بن نويرة الجاهلي يرثي أخاه مالكاً:
لقد لامني عند القبور على البكا/ صديقي لتذراف الدموع السوافك
يقول أتبكي كل قبر رأيته/ لقبر ثوى بين اللوى والدكادك
فقلت له إن الشجى يبعث الشجى/ فدعنا فهذا كله قبر مالك
كان الشعر العربي القديم صورة لأحاسيس الشاعر الجاهلي وشواعره وديواناً للعرب كما يقولون، ولهذا كان لا بد من أن يكون الشعر العربي القديم منسجماً في موسيقاه وأخيلته مع طبيعة الحياة في ذلك العصر. الصحراء ملهبة الحرارة.. مضطرمة الرمال.. والأفق ممتد وراء كثبان الرمل إلى ما يشاء الله.. والسماء صافية بنجومها البارقة وبدرها المشرق. عالم غامض مبهم فيه سحر وفيه روعة يؤثران في نفس العربي الساذجة، فيحيلان إحساس الشاعر إلى شعر متين القافية رصين الأسلوب فخم الألفاظ أو جزلها.. على الأغلب. أعني أن الشاعر الجاهلي كان متساوقاً مع طبيعة الحياة الجاهلية ومع طبيعة البيئة العربية في ذلك الزمن المتقدم، وأعني أيضاً أن «قفا نبك» كانت درّة في تاج الشعر الجاهلي لأنها كانت تعبيراً صادقاً عن أثر الحياة في نفس الأمير الكندي المتلاف. ولكن هذا كله لا يعني أن الشعر العربي المعاصر يجب أن يبتلى بمهازل «قفا نبك» هذه، وأن يسلك مسالك الشعر القديم من حيث موسيقاه وأخيلته ومعانيه.
إن الموسيقى في أي عصر من العصور تكون متسقة مع طبيعة الحياة في ذلك العصر، ولقد كانت موسيقى الشعر العربي مستمدة في أصلها من إيقاع حداة الإبل في الصحراء، ثم إن الخليل الفراهيدي لم يفعل أكثر من أنه جمع هذه النغمات الموسيقية في الشعر العربي وبوّبها وجزأها، ولم يبتدع من ذلك شيئاً لأن الرأي السائد في عصره هو أن الشعر يجب أن يكون صورة مشابهة لشعر الجاهليين. ولهذا ثار النقاد في ذلك العصر على أبي نواس لأنه هجر مسالك الشعر الجاهلي وعاب على الشاعر الحضري أن يتغنى بالبادية وخيامها وبعرانها وهو يعيش في بغداد.. حاضرة الخلافة المشرقة وجنة الدنيا في ذلك الزمان.
ولعلي قد ألممت في كل هذا الحديث إلى ما أريد قوله، وهو أن موسيقى الشعر العربي المعاصر يجب أن تكون متسقة منسجمة مع الذوق العربي المعاصر، ومنبثقة من صميم حياتنا الراهنة. لا أدعو في هذا الحديث إلى هدم العروض العربي القديم، ولكني أشير إلى إمكان الاستفادة من هذه الأعاريض القديمة وتحويرها إلى ما ينسجم مع هذه الحياة المعاصرة. لقد كان الأندلسيون أبعد منّا نظراً في هذا الأمر فلم يقصروا شعرهم على الأعاريض العربية القديمة وأوجدوا (الموشح) وهو على الأرجح محاولة إلى الانسجام مع الحياة الأندلسية الجديدة في ربوع إسبانيا الجميلة.
ولعلكم تتفقون معي على أن شعراء المهجر أفلحوا في هذا المضمار حين ساروا على نهج الأندلسيين، ولعلكم تدركون أيضاً أن نجاح المهجريين كان أكبر من نجاح الأندلسيين، لأن تجديد الأندلسيين كان منحصراً في قوافي الشعر على الأكثر وفي أوزانه على الأقل، ولكنهم لم يحاولوا التجديد في جوهر الشعر في معانيه وأخيلته وأساليبه، بينما فطن المهجريون على كل هذا، فهجروا المسالك العروضية القديمة وحوروها وبدلوا فيها وجددوا في أساليب الشعر وأخيلته ومعانيه، وأوجدوا الشعر المهموس كما يسميه النقادة المصري الدكتور محمد مندور. ومن الواضح أن هذا التجديد في الشعر المهجري كان نتيجة لتأثر المجريين بالآداب الغربية الجديدة وبالنزعات التجديدية في تلك الآداب.
والحق أن الأديب العربي المعاصر يجب أن يتصل بالآداب الأجنبية، إذ مما لا شك فيه أنه لا يستطيع أن يحيا حياة أدبية مستقلة عن الحياة الأدبية في الغرب. ثم إن لنا من تاريخ العرب الأدبي دليلاً ساطعاً على أثر الثقافة الأجنبية في الأدب العربي؛ هذا شعر أبي تمام، والمتنبي، فيه دلائل واضحة على أثر الثقافات الأدبية الأجنبية في الأدب العربي، وتستطيع أن تجد الفروق واضحة بين كل من شوقي والرصافي مثلاً من حيث تأثير الثقافة الأجنبية في كل منهما، لأن شوقي كان مطلعاً عليها اطلاعاً أوسع بكثير من اطلاع الرصافي. ولو هيئت للرصافي تلك الثقافة الواسعة لكان شعره أرفع مما هو بكثير لموهبته الشعرية ولتملكه ناصية البيان العربي.
لقد كان من تأثر شعرائنا الشباب بآثار الغربيين من جهة وآثار المهجريين من جهة ثانية أن حاولوا التجديد في الشعر، وأوشكت تلك المحاولات أن تصيب النجاح وعلى الرغم من أنها محاولات في بداية الطريق فإنها تبشر دون شك بكل خير.
هذا الشعر المنطلق الذي تقرأونه في كثير من المجلات والجرائد العربية أثر من تلك الآثار. ولم يكن هذا الضرب من الشعر ضرباً مبتكراً ولا مبتدعاً، ولكنه تجديد مبني على الأصول العربية القديمة في العروض، فيه يتحرر الشاعر من قيود القافية الواحدة، ولا يكتفي بذلك، بل يتحرر من قيود الوزن بعدد التفعيلات العروضية الموجودة في كل بيت. إن هذا الضرب من الشعر غريب بعيد عن عمود الشعر الذي تغنى به نقادنا القدماء، ولا يزال بعض الناس يتغنى به حتى هذه الساعة، والشاعر يجري فيه على نسق منطلق لا يتقيد بقافية واحدة ولا يلتزم عدداً معيناً من تفعيلات البحور. فقد يكون في البيت تفعيلة واحدة أو تفعيلتان. وقد يكون في البيت الآخر خمس تفعيلات، وفي آخر أكثر أو أقل.. إن بعض الناس يخطئ حين يعدّ هذا النوع من الشعر مرسلاً، لأن الشعر المرسل مطلق من جميع القيود، وهذا الضرب الجديد ليس مطلقاً من جميع القيود، ولكننا نلتزم فيه شيئاً وننطلق عن أشياء أخرى. ثم إننا نطلق نعت (المرسل) على النثر الذي لا يتقيد بأي قيد من قيود الصناعة اللفظية كالسجع أو الازدواج أو ما شابه ذلك. ولهذا يقول النقاد هذا نثر مسجوع، وهذا نثر مزدوج، وهذا نثر مرسل، وهو مثل الحديث الذي نبثه إذا حقّ لنا أن نعتبره نثراً فنياً. ولنأخذ مثالاً على هذا الشعر المنطلق من قصــيدة الشاعر العراقي الشاب بدر شاكر السياب، وعنوانها (في السوق القديم).
هذا الشاعر شاب من شباب الجنوب، عاش كما يعيش أكثر الشباب عيشة الكبت والحرمان، فانصرف إلى أحلامه يناجيها. ولقد كانت له نفس حساسة وروح شاعرة جعلته يهيم حباً بالسراب ويتحرق ظمأ إليه. ثم دفعت إليه الظروف فتاة تخيلها فتاة أحلامه، ومنى نفسه منها بالحب الخالد الذي لا لقاء فيه ولا وداع. ولكن الظروف فرقت بينهما أيضاً فبقي غريباً وحيداً في (الرمادي) مدرساً في إحدى مدارسها، بينما كانت هي في بغداد تعب الحياة والسعادة عباً كما يقولون. وفي سوق الرمادي القديم هاجت ذكريات الشاعر المسلول، فبعث هذه النفثة الحرى.
مجلة «الثقافة»، العدد 704، 23 حزيران (يونيو) 1952
الشاعر/ الجندي المجهول
الشاعر العراقي (1929ـ1974) يستحق صفة الجندي المجهول في معارك الريادة الشعرية العربية، على الساحة العراقية في أقلّ تقدير؛ إذْ كان صنو بدر شاكر السياب ونازك الملائكة عبد الوهاب البياتي وبلند الحيدري… ويكفي التذكير بأنّ مجموعته الأولى «المساء الأخير»، كانت قد صدرت سنة 1950؛ في عام صدور «أساطير»، مجموعة السياب الأولى. ولقد انهمك طاقة في السياسة المباشرة، في سياقات كان بعضها إشكالياً، فتقلد مناصب إعلامية وسياسية عديدة في عهود حزب البعث، آخرها وزارة الخارجية، حيث وافته المنية إثر نوبة قلبية أثناء مؤتمر وزراء الخارجية العرب في المغرب. ولعلّ هذا التفصيل هو الذي أبعده عن واجهة التناول النقدي، فبقي الحديث عن إسهامه في التجديد الشعري أقلّ شيوعاً من حقيقته الفعلية.
لكن طاقة كان مجدداً وطليعياً ومنفتحاً على تيارات التحديث والحداثة، فدافع بحماس عن الشعر الحر (نموذج التجديد الأبرز خلال خمسينيات القرن الماضي)، ومارس هذا الشكل في قصائده، وبشّر به في مقالاته. كما كان أحد كبار شعراء «القصيدة الملتزمة»، في معناها السياسي أوّلاً، وطبقاً لتنظيرات تلك الفترة، في تنويعاتها القومية أو الماركسية، ضدّ أنماط القصيدة «العدمية» و«الوجودية» و«التموزية».
وإلى جانب مجموعته الأولى المبكرة، أصدر طاقة «ثم مات الليل»، و«الأعور الدجال والغرباء»؛ فضلاً عن مجموعة مشتركة بعنوان «قصائد غير صالحة للنشر»، جمعته مع يوسف الصائغ وهاشم الطعان وعبد الحليم اللاوند.
شاذل طاقة