تونس: أحقاد الماضي تلقي بظلالها على توافقات الحاضر

حجم الخط
2

تونس ـ «القدس العربي»:عاد الاحتقان ليطغى مجددا على الساحة السياسية التونسية بعد سنوات معدودة من التوافق بين التيارين السياسيين الكبيرين، من حيث الوزن الانتخابي، التيار الإسلامي وجماعة نداء تونس ومن حولهم والمشكلين في الأساس، من الدستوريين، وتيارات وشخصيات أخرى قريبة منهم ايديولوجيا و«منفعيا». والسبب في ذلك هو حدثان حقوقيان: صدور الحكم الابتدائي في جريمة اغتيال المسؤول الجهوي لحركة نداء تونس في ولاية تطاوين في أقصى جنوب البلاد، وانطلاق جلسات الاستماع العلنية التي تبثها قنوات تلفزيونية وعربية، لضحايا العهد السابق من قبل هيئة الحقيقة والكرامة المكلفة في تونس بملف العدالة الانتقالية. وقضت محكمة سوسة الابتدائية ببراءة المتهمين في جريمة اغتيال لطفي نقض مسؤول النداء في تطاوين وهو ما فتح الباب على مصراعيه للاختلاف بين المدافعين عن الحكم والمشيدين باستقلالية القضاء وبين المشككين فيه الذين اتهموا الطرف الآخر بالتلاعب بالملف. كما انقسم التونسيون بين مؤيد لما تم الاستماع إليه في الجلسات العلنية للعدالة الانتقالية، وبين رافض لها ولكل أسبابه ومبرراته.

اتهامات بالتسييس

وينتمي المتهمون بجريمة اغتيال المنسق الجهوي لنداء تونس إلى ما يسمى بـ«رابطات حماية الثورة» التي تضم عناصر من حركة النهضة وأخرى على علاقة بحزب المؤتمر من أجل الجمهورية الذي كان يرأسه المنصف المرزوقي. لذلك يتهم موالون لحركة نداء تونس القضاء بمحاباة حركة النهضة في هذا الحكم الذي يعتبرونه سياسيا بامتياز، ويصرون على أن زمن التوافق الذي تعيشه تونس لا يجب أن ينعكس على حكم قضائي لجريمة حصلت في زمن الصدام خاصة وأن للقتيل عائلة وأبناء يتامى لهم حقوق لا يمكن التنازل عنها من أجل التوافقات السياسية.
ويتمسك المشككون في الحكم القضائي ومن بينهم قيادات في حركتي نداء ومشروع تونس الذي أسسه المنشق عن النداء محسن مرزوق، بأن أحد تقارير الطب الشرعي تؤكد على أن الوفاة ناجمة عن تعرض القتيل للضرب والسحل. في حين أن تقريرا آخر يعاين آثار عنف على جسد القتيل لكنه يعتبر أن الوفاة لم تتم جراء هذا الضرب والسحل الذي قامت به عناصر من رابطة حماية بتعلة تطهير البلاد من رموز نظام بن علي والثورة المضادة.
ويتمسك الطرف المقابل ببراءة المتهمين من جريمة القتل ويصر على أن كل ما حصل هو تبادل للعنف بين الطرفين استعمل فيه المرحوم الزجاجات الحارقة وتوفي لاحقا في المستشفى بنوبة قلبية، وذلك رغم تحول عناصر رابطة حماية الثورة إلى مقر عمل لطفي نقض وليس العكس ومن رفعهم لشعارات عنيفة ومناوئة فيها الكثير من الحقد والكراهية.
والحقيقة أن هذا الملف سيبقى مثارا للجدل خاصة وأن ما صدر عن القضاء هو حكم ابتدائي قابل للاستئناف ولاحقا للتعقيب (النقض) ومن المرجح أن يحصل احتقان في البلد مع كل نطق بحكم أو بقرار جديد في أي طور من أطوار التقاضي. والحكم الذي سيرضي هذا الطرف من المؤكد أنه سيغضب الطرف الآخر وسيبقى التشكيك في نزاهة القضاء هو الطاغي خاصة والبلاد حديثة عهد بالممارسة الديمقراطية وقضاؤها ما زال لم يواكب هذه التطورات التي تشهدها الخضراء.
وفيما يتعلق بملف العدالة الانتقالية، فهناك تحفظات من أطراف عدة على رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة سهام بن سدرين التي تفتقد في رأيهم إلى الحياد المفترض في كل المشرفين على هذه الهيئة. كما أن بن سدرين هي معارضة لبن علي ونظامه ولا يمكن للخصم أن يكون قاضيا حسب هؤلاء. وهذا دون الحديث عن تكوينها واختصاصها العلمي الذي لا يؤهلها حسب المنتقدين لترؤس هذه الهيئة.
وتوجه انتقادات أيضا لسير عمل جلسات الاستماع التي اقتصرت على الطرف المتضرر دون أن تحصل المواجهة بين الضحية والجلاد المفترضين لاستجلاء الحقيقة كاملة. وهو ما جعل أطرافا عديدة تصرح بما مفاده أن هناك قرارا سياسيا يقضي بإبراز نصف الحقيقة وإخفاء نصفها الآخر عمدا على التونسيين حتى يكتب التاريخ على مقاس البعض.
لكن في المقابل فإن جلسات الاستماع إلى الضحايا تشهد تعاطفا من أطياف واسعة عبرت عن سعادتها بما وصلت إليه تونس من قدرة على فتح جراح الماضي دون عقد وبحضور رموز من أبناء التيار الدستوري الذي حكم زمني بورقيبة وبن علي مثل رئيس حزب المبادرة الوطنية الدستورية كمال مرجان. ومكنت أيضا هذه الجلسات كثيرا من المقهورين من سرد ما تعرضوا له من فظاعات وهو ما يساهم في التخفيف من الشعور بالظلم والاحتقان.
وفي كل الأحوال فإن هناك قناعة باتت راسخة لدى الخبراء والمحللين والمهتمين بالشأن التونسي بأن التوافق الذي ميز تونس في السنوات الأخيرة هو توافق هش وغير متين. فأحقاد الماضي ما زالت راسخة وهي بحاجة لسنوات أو ربما لعقود حتى يتم التخلص من مخلفاتها.

تونس: أحقاد الماضي تلقي بظلالها على توافقات الحاضر

روعة قاسم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية