الفوضى غير الخلاقة

حجم الخط
2

لا يمكن لمن يتابع ما يجري في العالم إلا أن يفاجأ بانهيار التوقعات وآفاق الانتظار ليس فقط في السياسة والاقتصاد، ولكن في الفن والأدب أيضا. ولعل أهم العوامل، إلى جانب أخريات، التي تساهم في ذلك تفشي الوسائط الاجتماعية الرقمية التي ينخرط فيها كل الأفراد بغض النظرعن قومياتهم ولغاتهم وانتماءاتهم. وانتشار هذه الوسائط الجديدة لعب دورا كبيرا في تحييد الوسائط التقليدية التي كانت وحدها هي التي تصنع الرأي العام بالتركيز على أحداث بعينها دون غيرها. وحتى القراءات التأويلية للأحداث التي كانت تتمتع بمصداقية من لدن بعض المحللين أو صناع استطلاعات الرأي الموجهة، باتت بدروها عاجزة عن الإقناع أو التأثير في الواقع بالطريقة التي كانت مهيمنة قبيل انتشار هذه الوسائط الرقمية. إن صورة واحدة (بائع السمك في الحسيمة مثلا)، وجملة لها رنين خاص في الوجدان الجماعي، يمكنها أن تفعل مفاعيلها في المجتمع إذا ما تمت التعبئة لها، والعمل على رواجها على نطاق واسع.
إن التغيرات التي طرأت على المستوى العالمي بعد أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) كان لها أثر كبير في خلق اصطفافات جديدة ومتغيرة نحو قضايا تتصل بالإرهاب، والإسلام، والتطرف. هذه الاصطفافات الجديدة التي كانت وراء خلق عدو مشترك يهدد السلام العالمي لم تكن معنية بإعادة النظر في العلاقات بين الشرق والغرب، من جهة، والشمال والجنوب، من جهة ثانية، عن طريق التفكير في حل القضايا العالقة أو المفتعلة التي ظلت تلقي بظلالها على تلك العلاقات ردحا طويلا من الزمن. فلم يكن خوض الحرب على الإرهاب يتم بالبحث عن دواعيه وأسبابه الاجتماعية والاقتصادية، فتم بذلك تحريف مسار هذه الحرب التي صارت مبررا لخلق إرهاب آخر تمارسه جهات أخرى باسم محاربة الإرهاب، وكانت مقولة الفوضى الخلاقة مبررة لهذه الحروب.
بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر كانت أمريكا تتصدر الحرب على الإرهاب، وانخرطت إلى جانبها الدول العربية والغربية. لكن هذه الحرب التي شخصت في القاعدة، لم تؤد إلا إلى تأجيج الإرهاب، ودفعه إلى الانتقال من ممارسة أفعاله الإجرامية على بقع متعددة، إلى البحث له عن موطئ قدم على الأرض هيأتها له الحرب الأمريكية على العراق، ليجعلها قاعدة للتحرك على نطاق واسع. فكانت «داعش»، صورة تطورية للقاعدة. وحين يتأكد أمامنا تاريخ تخلق التطرف الديني منذ الحرب في أفغانستان، يتبين لنا أن تكوين القاعدة ما كان ليكون لولا الحرب على «الشيوعية». وأن تكوين «داعش» ما كان ليكون لولا تدمير العراق وتعريضه للتفتيت والتشرذم باسم نشر الديموقراطية على الطريقة الأمريكية فاستغلت التنظيمات الإرهابية المختلفة هذه الفوضى الخلاقة للمشاكل لتحتل الأرض، وتمارسها تسلطها.
جاءت أحداث الربيع العربي لتضع حدا لعقود من القهر الاجتماعي والاقتصادي والحريات العامة والثقافية. وبدل التوجه إلى حل آثار هذا الربيع، عن طريق تشكيل حكومات وطنية تتصدى لمختلف المشاكل التي تراكمت خلال عقود، رأينا المتخيل السياسي السائد يتوجه نحو «الإرهاب» ويعمل على محاربته. وهنا سيظهر لنا بجلاء انهيار توقعات ما ستسفر عنه آثار هذه الأحداث. ففي الأقطار العربية التي جرت فيها انتخابات على إثرها، لم تسفر نتائجها سوى عن وصول الإسلاميين إلى سدة الحكم. وكان أن ربط هذا أيضا بالإرهاب والتطرف. وإذا كان المغرب وتونس قد حل كل منهما صيرورته بطريقة لم تكن تخلو من مشاكل، رأينا ما جرى في سوريا يتخذ منحى مختلفا، فتولد إرهاب الدولة، وهو يدعي محاربة الإرهاب. فاختلطت «داعش» بالمعارضة، وتدخل العالم كله يحارب من جهته «الإرهاب»، وهو يشخصه بطريقة مختلفة.
وبما أن أمريكا الجمهورية هي التي أقامت الدنيا ولم تقعدها في خلق الإرهاب ومحاربته، خلقت لها بذلك صورة مشوهة في العالم، وخاصة في العربي والإسلامي، جاءت أمريكا أوباما للتكفير عن تاريخ تدخلها في القضايا الشائكة في العالم، منذ انهيار جدار برلين، عن طريق «المصالحة» مع إيران وكوبا، وإغلاق غوانتانامو… هذا الوضع استغلته روسيا لتدعم النظام السوري في حربه ضد شعبه ومعارضته، باسم محاربة الإرهاب.
إننا هنا أمام اصطفافات متجددة تعود فيها العلاقات بين أمريكا وروسيا لتتخذ صورة جديدة: مع وضد في الوقت نفسه، وإن كان من نتائجها محاولة روسيا احتلال موقع هام في الصراع الدائر في الشرق الأوسط تسترجع به تاريخ «أمجادها السوفييتية». وفي هذا السياق تم تغييب أوروبا التي ظلت ظلا لأمريكا في سياستها على الإرهاب. ولم تتخذ فرنسا الاشتراكية لها موقعا متطورا في الحرب على «داعش» إلا بعد الأحداث الدامية التي عرفتها. ولكنها مع ذلك تظل تسير في فلك أمريكا. وها فرانسوا فييون يستنسخ خطابات دونالد ترامب، كما كان توني بلير يفعل مع بوش وهو يتصدر الحرب على الإرهاب، ويروم حصاد نتائج الانتخابات لفائدة اليمين الذي لا يني يعبر عن كراهيته للإسلام والأجنبي… فهل يتكرر سيناريو أمريكا في فرنسا، وتتأكد فكرة انهيار التوقعات وسقوط آفاق الانتظار؟
إن مجمل هذه التحولات والتغيرات وليدة صيرورة جديدة ساهم فيها تردي الفكر السياسي المؤسس على قاعدة ثقافية وخلفية معرفية لا تعمل على تجاوز إكراهات المال والاقتصاد، والإيمان بالاختلاف والانطلاق من الديموقراطية الحقيقة، بحثا عن السلام والتضامن العالميين. ويبدو لنا ذلك بجلاء في كون النخبة السياسية الجديدة لا تختلف عن بعضها البعض، سواء في أوروبا أو أمريكا أو العالم أجمع. إنها نخبة عاجزة عن خلق خطاب سياسي وفكري ملائم لتحولات العصر. إن تفكيرها وممارستها قائمة على رد الفعل، وليس على الفعل الذي يمكن أن يحد من المشاكل الخاصة للاضطلاع بالتفكير في القضايا التي تهم البشرية جمعاء. فلم يعد التمييز ممكنا بين اليسار واليمين والوسط. وصارت الممارسة تنبني على الارتجال والنفاق، وصارت الشعبوية هي المهيمنة، واصطناع الخطابات التي تدغدغ الناخب، أو تمارس الإرهاب عليه، بتخويفه من الإرهاب.
من تابع الانتخابات الأمريكية وفق الصورة النمطية التي كانت تجري بها، ما كان له إلا أن يرى هيلاري مرشحة للرئاسة. لكن الذين صوتوا لترامب كانوا قد رأوا في الديموقراطيين عموما ما أفسح المجال لغيرهم على المستوى العالمي. وكانت تحذوهم في ذلك رغبة استعادة مكانة أمريكا القوية في العالم. وما تصريحات دونالد ترامب سوى دليل على ذلك، ولا سيما ما اتصل منها بالملف النووي الإيراني، وقضايا الهجرة والإسلام، وحل المشاكل الاقتصادية، والموقف الثابت من إسرائيل… وما دامت روسيا تضطلع بما كانت تقوم به أمريكا يمكن لترامب مؤقتا أن يبارك ما يقوم به بوتين، ما دام يقف عند حدود إضعاف سوريا وإنهاكها لفائدة إسرائيل والغرب في المنطقة.
وحين تتحول فرنسا نحو اليمين فتلك محاولة اصطفاف جديد مع أمريكا في صورتها الجديدة. وبذلك فالحرب على الإرهاب ستظل ذريعة للحرب على أي تحول مفترض في الوطن العربي. إن الغرب وأمريكا لا يمكنهما أبدا التضحية بمصالحهما في الشرق الأوسط. قد ينجح ترامب في قتل البغدادي كما فعل أوباما مع بن لادن. لكن هل يعني هذا نهاية الإرهاب؟ إنها الفوضى الخلاقة للمشاكل، في الشرق. ومصائب قوم عند قوم فوائد. والذين صوتوا لترامب يعرفون جيدا مصلحتهم بعيدا عن القيم والأفكار التنويرية والديمقراطية.

كاتب مغربي

الفوضى غير الخلاقة

سعيد يقطين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية