هافانا ـ وكالات ـ لندن «القدس العربي»: توفي فيدل كاسترو أب الثورة الكوبية الذي حكم بلاده بيد من حديد وتحدى القوة الأمريكية العظمى لأكثر من نصف قرن قبل ان يسلم السلطة لشقيقه راوول، مساء الجمعة في هافانا عن تسعين عاما.
وأعلن راوول كاسترو في بيان تلاه عبر التلفزيون الوطني «توفي القائد الأعلى للثورة الكوبية في الساعة 22،29 هذا المساء» (03،29 ت غ السبت).
ولم يوضح أسباب الوفاة لكنه قال ان الجثة ستحرق «بناء على رغبة عبر عنها الرفيق فيدل، سيتم حرق جثمانه في الساعات الأولى» من يوم السبت.
وبوفاة فيدل كاسترو يغيب واحد من آخر العمالقة السياسيين في القرن العشرين. حاكم متسلط جعل من جزيرة صغيرة في الكاريبي محور اختبار قوة بين القوتين العظميين الأمريكية والسوفييتية، قبل ان ينسحب من السلطة لدواع صحية.
«لن أتقاعد أبدا من السياسة، السلطة عبودية وأنا عبدها»، هذا ما كان يؤكده كاسترو قبل ان ينأى بنفسه عن الحكم اعتبارا من العام 2006.
أراد فيدل كاسترو رفيق سلاح القائد الثوري الارجنتيني ارنستو تشي غيفارا، ان يكون بطل تصدير الثورة الماركسية في أمريكا اللاتينية، وكذلك في افريقيا وخصوصا في انغولا التي انخرطت فيها قوات كوبية لمدة 15 عاما.
وأثارت تلك الثورة حينها نوعا من الاعجاب وافتخر النظام الكوبي بانه قضى على الامية وأقام نظاما صحيا ناجعا وفي متناول جميع سكان كوبا البالغ عددهم 11،1 مليون، وهو انجاز نادر في بلد فقير في أمريكا اللاتينية.
لكن انهيار الاتحاد السوفييتي، أهم ممول لكوبا، في 1991 سدد ضربة قوية للاقتصاد الكوبي. وواجه السكان نقصا كبيرا في التمويل. وأعلن فيدل كاسترو عندها «فترة خاصة في زمن السلم» وتكهن الكثيرون بنهاية نظامه.
وكان الزعيم الكوبي سلم السلطة في 2006 لشقيقه راوول، المسؤول الثاني في الحزب منذ تأسيسه في 1965، بعد اصابته بالمرض. وفي نيسان/ابريل 2011 تخلى له عن آخر مسؤولياته الرسمية بصفته السكرتير الأول للحزب الشيوعي الكوبي.
ومع الوقت، تحول الزعيم «صاحب اللحية» الذي كان في الـ32 من العمر حين أطاح في 1959 ديكتاتورية الجنرال فولغنسيو باتيستا وجسد آمال اليسار الثوري، إلى حاكم متسلط يقمع المعارضة بلا رحمة ويحكم كوبا مثل رب عائلة.
كتب عنه صديقه الكاتب الكولومبي الحائز جائزة نوبل للآداب غابرييل غارسيا ماركيز في 2008 «صبر لا يقهر. انضباط حديدي. قوة المخيلة تسمح له بقهر أي طارئ».
وفي المقابل، يطلق معارضوه عليه أوصافا كثيرة أيضا، من دكتاتور ومهووس بالعظمة ومتسلط، حتى ان الصحافي نوربرتو فوينتيس الذي أصبح أحد أشرس منتقديه بعدما كان صديقا له يصفه بأنه «مستهتر وعديم الأخلاق».
وانتشر نبأ وفاة فيدل بسرعة في شوارع هافانا حيث عبر الكثير من السكان عن ألمهم لرحيل «القومندنتي».
لم يعرف 80 في المئة من الكوبيين زعيما سوى من يلقبونه «فيدل» و»القائد» و»القومندان». وفي أحاديثهم يشير الحذرون منه بتمرير اليد على الذقن في اشارة إلى لحية افتراضية ويخفضون أصواتهم.
ولكن ما الذي سيحدث في كوبا بعد وفاة فيدل كاسترو؟ «جنازة ضخمة» يقول المواطن الكوبي العادي ساخرا ليقلل من أثر غياب أب الثورة الكوبية عن البلاد.
واعتبر مايكل شيفر رئيس مركز الأبحاث الأمريكي «انتر اميركن ديالوغ» انه «مع موت فيدل يفترض ان يشهد الوضع السياسي والاقتصادي انفتاحا. هذا سيخفف العبء عن راوول. لن يعود قلقا من احتمال مخالفة شقيقه الأكبر، الشخصية الضخمة».
لكن الشخصية الأبوية للزعيم الأكبر، المهاب والمحترم في آن، تبقى حاضرة بقوة حتى وان كان عمل طوال حياته على تفادي الشخصنة. فلا تماثيل له ولا صور ضخمة في الشوارع، حتى وان غطت شعاراته الجدران ونشرت الصحف الرسمية يوميا عباراته الشهيرة.
وقال المحلل السياسي الكوبي رفاييل هرنانديز مدير نشرية «تيماس» ان «معظم الكوبيين يرتبط بعلاقة شخصية بفيدل. سواء من يدعمونه بالكامل أو من يختلفون معه، أو من يرون انه سبب كل مشاكل كوبا».
وكثيرا ما يؤكد كوبيون يغامرون بالخوض في السياسة مع أجانب «لست شيوعيا انا فيدالي».
ويرى المحلل السياسي ان «أمل التغيير سيزداد لدى معظم الكوبيين. ووفاة فيدل ستفتح بالتأكيد الباب على أكثر من نزاع ومواجهة بين من يمسكون بالسلطة. فالحكم الأعلى في كافة نزاعات كوبا رحل. وسيكون لراوول المزيد من هامش المناورة لكن الامر نفسه ينطبق على خصومه السياسيين».
ويضيف دبلوماسي غربي أمضى سنوات طويلة في كوبا «ان الكوبيين دفنوا منذ فترة طويلة فيدل، انهم ينظرون إلى المستقبل، وبالنسبة للكثيرين منهم لم يعد فيدل إلا ذكرى مجيدة».
وقبل رحيله بعامين شهد فيدل الاعلان التاريخي عن التقارب بين كوبا والولايات المتحدة.
وشكل هذا التقارب الذي بدأ في نهاية 2014 مع واشنطن، بداية نهاية الكاستروية وكذلك العداء الدائم لسياسة الولايات المتحدة.
وربط الولايات المتحدة بالزعيم الكوبي الراحل فيدل كاسترو تاريخ طويل، لم تكن كل أيامه وردية، لعل أبرز معالمه أزمة الصواريخ، أو ما يعرف باسم «أزمة خليج الخنازير» التي هددت بدفع العالم إلى شفا حرب نووية في 1962.
وتسبب في الأزمة نصب صواريخ نووية سوفييتية في كوبا ما ولد مزايدات وضعت العالم على حافة التهديد الذري. وقررت واشنطن فرض حصار بحري على كوبا، وانتهى الأمر بسحب موسكو صواريخها مقابل وعد أمريكي بعدم غزو كوبا.
وفرض جون كينيدي بعيد ذلك في شباط/فبراير 1962 حظرا تجاريا وماليا على كوبا، لا يزال ساري المفعول حتى الآن ويؤثر بشدة على اقتصاد كوبا رغم سلسلة من إجراءات التخفيف التي اعتمدتها إدارة الرئيس باراك اوباما.
وبدأت الدولتان في وضع نهاية فعلية لحالة العداء بينهما في كانون اول/ديسمبر 2014، في ظل حكم راؤول كاسترو، شقيق الزعيم الراحل فيدل كاسترو وخليفته في المنصب، واستعادت الدولتان العلاقات الدبلوماسية بينهما في تموز/يوليو عام 2015 .
لكن هذ التقارب قد يشهد توقفا إثر انتخاب الجمهوري دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة. وكان ترامب أبدى تحفظا على هذا التقارب مؤكدا انه سيبذل ما بوسعه «للحصول على اتفاق متين» مع هافانا، ملمحا إلى احتمال حدوث انتكاسة.
وتوالت ردود الفعل على رحيل كاسترو اعتبارا من ليل الجمعة السبت وكان أولهم الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو المقرب من كوبا، حيث دعا في تغريدة إلى «مواصلة ارث» فيدل كاسترو.
وذكر بان وفاة فيدل اتت بعد ستين عاما بالضبط من وصول مركب غرانما إلى المكسيك الذي شكل بداية تمرد استمر 25 شهرا وانتهى بالاطاحة بالدكتاتور الكوبي المؤيد لواشنطن فولغينسيو باتيستا في الاول من كانون الثاني/يناير 1959 .
وأشاد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بذكرى الزعيم الثوري الكوبي ووصفه بانه «رمز لعصر».
وقال بوتين في برقية تعزية وجهها إلى الرئيس الكوبي «ان اسم رجل الدولة المميز هذا يعتبر رمزا لعصر في تاريخ العالم الحديث» مضيفا «كان فيدل كاسترو صديقا وفيا لروسيا يمكنها الاعتماد عليه».
من جهته أكد الرئيس الصيني شي جينبينغ السبت ان فيدل كاسترو «سيبقى خالدا». وقال في رسالة تلاها عند بدء النشرة المسائية على التلفزيون الوطني «لقد فقد الشعب الصيني رفيقا صالحا ووفيا».
كما دعا الرئيس الفرنسي فرنسوا أولاند إلى رفع الحظر عن كوبا «بشكل نهائي» معتبرا ان كاسترو جسد الثورة الكوبية «بآمالها وخيباتها».
حقائق عن الزعيم الكوبي الراحل فيدل كاسترو
• قاد فيدل كاسترو كوبا لمدة خمسة عقود وكان ثالث أطول زعيم دولة بقاء في منصبه في العالم بعد الملكة إليزابيث ملكة بريطانيا وملك تايلاند.
• في سنواته الأخيرة ظهر من حين لآخر علنا وفي تسجيلات فيديو وفي صور عادة كانت خلال لقائه ضيوفا. وكتب مئات من مقالات الرأي لوسائل إعلام رسمية.
• يحمل كاسترو الرقم القياسي لأطول خطاب ألقي على الإطلاق أمام الأمم المتحدة إذ استمر أربع ساعات و29 دقيقة في 26 سبتمبر أيلول 1960. ودام أحد أطول خطاباته المسجلة سبع ساعات و30 دقيقة في 24 فبراير شباط 1998 بعد أن أعادت الجمعية الوطنية انتخابه رئيسا لولاية تستمر خمس سنوات.
• يقول كاسترو إنه نجا من 634 محاولة ومؤامرة لاغتياله دبرت أغلبها وكالة المخابرات المركزية ومنظمات أسسها منفيون في الولايات المتحدة. وقيل أن تلك المحاولات شملت استخدام أقراص سامة وسيجار مسمم وأصداف ملغومة وبذلة غطس ملوثة بالكيماويات. وقيل إنه كان هناك مخطط آخر لإعطائه مسحوقا يتسبب في سقوط لحيته بغرض تقويض شعبيته.
• على الرغم من المؤامرات وغزو قاده منفيون بدعم من الولايات المتحدة لخليج الخنازير وعقوبات اقتصادية دامت خمسة عقود عاصر كاسترو تسعة رؤساء أمريكيين من دوايت أيزنهاور حتى بيل كلينتون وتنحى عن السلطة عندما كان جورج دبليو بوش في السلطة.
• اعتاد كاسترو تدخين السيجار الكوبي بشراهة لكنه أقلع عنه عام 1985. وبعد أعوام من ذلك لخص أضرار تدخين التبغ بقوله «أفضل شيء يمكن أن تفعله بعلبة السيجار هذه هي أن تعطيها لعدوك.»
• في عام 2012 أدرجته مجلة «تايم» في قائمة أكثر 100 شخصية مؤثرة في العالم عبر التاريخ.
• لدى كاسترو تسعة أبناء من خمس نساء. ابنه الأكبر هو فيدل كاسترو دياز-بالارت وهو شبيه بأبيه ويعرف باسم فيديليتو وهو عالم نووي تدرب في الاتحاد السوفيتي السابق وولد في 1949 من زواج دام فترة قصيرة من ميرتا دياز-بالارت. أما ابنته ألينا فرنانديز فهي نتاج علاقة مع سيدة من الطبقة الراقية في هافانا عندما كان كاسترو مختبئا في الخمسينيات وقد هربت من كوبا في عام 1993 وهي متخفية في هيئة سائحة وكانت من الناقدين المفوهين. ولدى كاسترو خمسة أبناء من داليا سوتو ديل فالي التي ارتبط بها بعقد زواج عرفي منذ الستينيات. وله أيضا ابن وابنه من امرأتين كان على علاقة بهما قبل أن يتولى السلطة.