إن الوقائع المتلاحقة في مصر تخلق نوعاً من البلبلة والتيه للمتتبع العادي، خاصة أنها حُبلى بالتحليلات والتعليقات التي تضفي عليها أبعاداً مختلفة، وتلون الحدث بأكثر من لون وأكثر من اتجاه. وهنا يصبح المتلقي في حيرة وفي شك مما يراه وما يسمعه، فتطغى بذلك النظرة البسيطة المؤدلجة على تلك المتفحصة الدقيقة والمحايدة، وتصبح للأحداث فجأة امتدادات ومرجعيات تستمد صلابتها وقوتها وقدرتها على الإقناع من ميل شخصي نحو تيار دون آخر. والغريب في الأمر أن هذه القراءات والقناعات تكتسي صبغة الأمر الثابت الذي لا مراء فيه، ولا يقبل التفنيد أو الشك؛ فبمجرد ما يتم الاستقرار عند قناعة ما وقراءة شخصية مؤدلجة للحدث، حتى يستحيل التنازل عنهما، أو تغييرها بما يخالفهما. وآنذاك، تبدأ نزعة التفكير تتراجع، وتتوارى حاسرة معها كل رغبة في النقد أو المراجعة للرأي، وبذلك تكتسي هذه القراءة مناعة ضد كل ما يمكن أن يمس مصداقيتها. ولنأخذ على سبيل المثال ما وقع في مصر فجر يوم الاثنين 8 تموز/ يوليو 2013 على خلفية اعتصام مناصري الدكتور مرسي قرب دار الحرس الجمهوري. فالحدث له قراءتان فيهما مساحة شاسعة من الاختلاف على مستوى التبرير والتقبل أو الإدانة، والكثير من التوافقات على مستوى النتيجة والأرقام. في رواية المعتصمين المناصرين للرئيس المعزول، كان الجيش في منتهى التعسف وهو يوظّف قسوة وشططاً غير مسبوقين في التعامل مع المتظاهرين العزل؛ فلقد فاجأتهم رصاصات قناصيه في الفجر، وبالضبط في الركعة الثانية، لتردي العشرات بإصابات مباشرة في الرأس والصدر، وتجرح المئات. وحاول أنصارهذه الرواية تعزيزها بشهادات لأطباء المستشفى الميداني، وفيديوهات وصور القتلى والجرحى. أما الرواية الثانية، وهي التي يتبناها التيار المناصر لثورة الثلاثين من حزيران/يونيو ويؤيدها الجيش المصري، فتتضمن حقائق في (نظرهم) مُخالفة تماماً تلقي باللوم على مناصري الرئيس المعزول، باعتبارهم إرهابيين ومخربين ومشجعين على الفتنة، ناقلة صوراً وفيديوهات لشخصين يحملان سلاحين ناريين يدويين، ولآخرين يرمون بالزجاجات الحارقة على مبنى مفترض أن يكون حكومياً. وفي هذه الرواية هناك إشارة إلى سقوط جنديين وإصابة آخرين بجروح، فما قام به الجيش لم يكن إلا حماية لمنشآته العسكرية ضد محاولات الاقتحام التي قادها الإرهابيون/الإخوان. يبدو من استعراض الروايتين مدى الاختلاف الكبير بينهما، ولأن مرجعيات كل واحدة منهما ومنطلقاتها وأهدافها متضادة ومتباينة فمن المنطقي والمنصف أن نستبعدهما معاً أو نقبل بهما معاً، باعتبارهما وجهين محتملين لواقعة تفصلنا عنها مسافة إيديولوجية ومكانية، تجعلنا لا نجزم بالصحة لاحداهما. ويبقى الآن أن نتساءل عن الأجزاء المشتركة في هذا الحدث، فهي ملاذنا الأخير في الفهم، وعليها يمكن أن نبني بعض المعطيات والمواقف لنجعلها مدخلا للتحليل الواقعي الذي يتوخّى تجنب الانحياز المبالغ فيه إلى جانب دون آخر. يشير الطرفان معاً إلى سقوط قتلى بالعشرات وجرحى بالمئات في صفوف المتظاهرين، وجنديين فقط وما ينيف على أربعين جريحاً في الطرف الآخر. فالثابت أن المدنيين هم الذين سحقتهم رحى هذه الواقعة، وأن هناك دماءً غزيرة أريقت على الإسفلت، سواء أكانت من إرهابيين أم لا، وسواء أكانوا في لحظة سجود أم في لحظة هجوم عنيف على الجنود المرابطين قرب منشآتهم. وهنا يتولّد لدى المراقب ألف سؤال حول ما إذا كانت هذه النتيجة الدموية والمأساوية تدخل في عداد غير الممكن تجنبه أو التخفيف منه. ألم يكن الجيش الباسل الذي خبر الحروب والثورات وألفها قادراً على تجنب هذا العدد الكبير من القتلى والجرحى في صفوف المتظاهرين، حتى إن تطلب الأمرالتضحية ببعض أفراده في سبيل الوطن؟ أليس هذا ما يقسم عليه كل جندي؟ وما يحمله على عاتقه من واجب حماية الوطن، ولو أدى الأمر إلى الاستشهاد؟ ألم يدرب كفاية على التعامل مع هاته المواقف الحرجة بنوع من الحكمة والاتزان؟ أسئلة كثيرة تتناسل وتسيطرعلى المتابع الذي يحاول أن يكون محايداً، فلا يجد إلى ذلك سبيلاً، إلا أن يرى أن الجيش المُدَرَّب على القتال الممتلك للأسلحة الخفيفة والثقيلة بأنواعها، والذي تتم مواجهته في معقله، وفي منشأة عسكرية من أعلى المنشآت المصرية تجهيزاً وتقنية، ضحية لأشخاصٍ مدنيين إرهابيين يملكون بعض الزجاجات الحارقة وسلاحين اثنين، كما بينت ذلك مقاطع الفيديو التي عرضتها مديرية الشؤون المعنوية بالجيش المصري. الأدهى من ذلك أن يتم إغفال هذا العدد الكبير من الضحايا في القنوات الإعلامية الرسمية منها والخاصة الليبرالية، بالموازاة مع نهج سياسة تكميم الأفواه وحجب ما سمي بالقنوات الإسلامية عن المشاهد، في خطوة من أجل تحجيم ومحاصرة الأبواق الداعية إلى الإرهاب حسب الخطاب الرسمي. لكن هل يكفي هذا التعتيم لترسيخ قناعات وشطب أخرى في أذهان كل المهتمين بالشأن المصري من الداخل و الخارج؟ هل الزاوية الوحيدة لها مصداقيتها في بناء الحدث؟ أم أن للحقيقة وجوها كثيرة لا يجب دائما أن نستقيها مما يروجه الإعلام الرسمي؟