ثورة أم انقلاب؟ أم مزيج من هذا وذاك؟ بداية استفهامية تتداولها جميع الألسن والمنتديات لفكّ شفرة ‘أحجية ميدان التحرير’ في حين أنّه كان من الاحرى بعد انسداد جميع المنافذ الوفاقية، المبادرة بطرح الأسئلة الحقيقية بشكل مباشر. هل كان للمؤسسة العسكرية خيارات أخرى غير مساندة السيول البشرية الطوفانية المطالبة برحيل مرسي؟ ماذا كان يمكن أن يحدث لو اتخذت القوات المسلحة المصرية موقف المتفرج لمجريات المشهد من أعلى شرفاتها ‘بالعباسية’؟ من باب تنشيط الذاكرة فقط نذكر مجددا بمفردات المشهد.. أكثر من ثلاثين مليون مواطن خرجوا في جميع محافظات مصر، ليعلنوا انتهاء شرعية مرسي.. سبقتها محاولات مكوكية تكاد لا تنتهي من قيادة القوات المسلحة لرأب الصدع بين السلطة والمعارضة.. قابله خطاب ‘طاووسي’ بامتياز للرئيس المعزول، فيه الكثير من الصلف والانتشاء شاهرا في وجه الجميع كأس الشرعية أكثر من خمسين مرة. أين ‘عنصر المفاجأة’ ‘وساعة الصفر’ غير المعلومة التي عرفتها جميع الانقلابات العسكرية؟ أين ‘مجلس قيادة الثورة’ ‘والبيان رقم واحد’ المصاحب لكل انقلاب عسكري؟ هل سمعتم بجنرال ‘انقلابي’ ظل يتوسل لأسابـــــيع طويلة -لمــــن يفتــــرض أنه سيطيح به – لتقديم بعض التنازلات تفاديا لوقوع المحظور؟ هل عثرتم في السجل الأسود لتاريخ الانقلابات في العالم على سابقة واحدة تؤشر لحدوث انقلاب عسكري وقوده عشرات الملايين من المتظاهرين من مختلف الطيف السياسي والمدني؟ من الواضح أن فرضية الانقلاب العسكري قابعة في أذهان البعض فقط ممن يستهويهم تقمّص دور الضحية كلما تغيرت قواعد اللعبة … مرسي سيعود للحكم كما عاد هوغو تشافيز سنة 2002، هذا ما تردده بعض النخب العربية وعدد من الفضائيات عملا بمقولة ‘التاريخ يعيد نفسه’.. مقولة بائسة سئمنا سماعها ليلا ونهارا في كتاتيب صالونات المراهقة السياسية.. فللتاريخ شرايين لا تتوقف عن التدفق والتجدد قد تدفع ‘بشخوصه’ في لحظة ما إلى إعادة فهرسة أبوابه بالكامل . فجاءت الحالة المصرية لتؤكد ذلك، فكانت متفردة في سوسيولوجيا التحولات السياسية من حيث أنها لا تحمل بصمات الانقلابات العسكرية المتعارف عليها ولا هي بثورة نمطية على غرار النموذج الفرنسي أو البلشفي.. ما وقع في مصر أشبه بحالة من حالات الاستفتاء الميداني الحاشد والهش، القادر على التحول في كل لحظة إلى حالة ثانية.. استفتاء من دون صناديق اقتراع ورقية ولجان فرز بعد أن أصبحت منافذ التداول الأخرى مغلقة.. انخرط فيه – باستثناء أنصار حزب الحرية والعدالة – الجميع تقريبا بما فيه ‘حزب النّور’ السلفي الحليف السابق للإخوان اتخذ شكل ‘نزال’ شوارع وميادين حاد وعنيف بين فريقين جمعهما الوطن وفرّقتهما الميادين.. تستخدم فيها تكتيكات الحشد والحشد المضاد، وفق تصور جديد غير مألوف لحركة الجماهير جدير بأن يدرس في المراكز البحثية المتخصصة في علم النفس السياسي. نزال احتفالي – عدائي تطلق فيه ‘الشماريخ’ وتستخدم فيه الهراوات والأسلحة البيضاء بين فريق أدرك أن مدنية الدولة والمجتمع أصبحت في خطر محدق وقرر الاحتفال مجددا بدولة محمد علي الحديثة، وفريق ثان توهّم أنه بعد قرابة ثماني عقود من العمل السياسي وسنة واحدة من الحكم أصبح من الممكن تحقيق تخيلاته الكامنة ومشاريعه الحالمة المغلفة بغلاف إيديولوجي محكم في إعادة فتح ‘بلاد الكنانة’، من خلال تسخير مقدرات الدولة – المجتمع بالكامل لخدمة الدولة – الجماعة. معركة وجود بامتياز فرضت فرضا على المجتمع المصري المسلم في غالبيته العظمى. فمراوحة بين ‘ميدان التحرير’ ‘وميدان رابعة العدوية’ تكشف عن مشهد من الانشطار المجتمعى الحاد والعميق التي بشّرت به نظرية ‘الفوضى الخلاقة’، مشهد مخيف ومرعب بجميع المقاييس يفرض على الجميع من دون استثناء الإسراع في إيجاد مخارج وفاقية حقيقية بعيدا عن لعبة الميادين الصماء والإعلانات الدستورية الانفرادية، مع وجوب التزام المؤسسة العسكرية بالحياد التام وبعدم التدخل في جوهر العملية السياسية من ألفها إلى يائها. قدر مصر المحتوم أن تنجـــــح في هذا الاختــــبار بأقل الأضرار.. من دون ذلك ستنزلق البلاد لا محالة نحو غياهب المجهول . بالنهاية نكرّر ونعيد لهواة الكلمات المتقاطعة أن مرسي – حتى ان عاد محمولا على الأعناق – ليس بالتشافيز الذي اخرج شعبه من الفاقة وقضى على الأمية وفق تقارير منظمة اليونسكو.. وأن الزعيم الراحل تشافيز لم يكن يوما من الأيام أخا من ‘إخوان مرسي’.