الرباط ـ «القدس العربي» ـ من الطاهر الطويل: نعى اتحاد كتاب المغرب الشاعر المغربي محمد الطنجاوي الذي توفي في الرباط، يوم الجمعة الماضي، عن سن 80 عاما، بعد مسار إبداعي حافل، جمع فيه بين الكتابة الشعرية والمقالة الصحافية، فضلا عن أعمال شعرية مغناة بأصوات كبار الفنانين المغاربة والعرب.
والشاعر الراحل من مواليد مدينة تطوان. تابع دراسته في المعهد الديني إلى حدود سنة 1956، ثم التحق بالعمل الصحافي والإذاعي، حيث اشتغل في عدد من الصحف والمجلات الوطنية والإذاعة المركزية في الرباط، هو الذي بدأ، رحمه الله، بإصدار مجلة خطية قبل أن يزاول مهمته الصحافية .
انضم الشاعر الراحل إلى اتحاد كتاب المغرب سنة 1961. وشد محمد الطنجاوي الرحال إلى القاهرة سنة 1962، في إطار المشاركة في دورة صحافية استمرت زهاء عامين ونصف العام، ليعود بعدها في 1964 إلى المغرب، حيث تحمل مسؤولية رئاسة تحرير جريدة «الأنباء». وفي الميدان الشعري يجسد الطنجاوي بطريقته نمطا مميزا في الكتابة. إنه واحد من الأصوات الشعرية التي تمتلك ناصية الشعر ورصيدا هائلا من أدوات الصناعة، في مقدمتها صنعة البناء وجوامع التخييل عنده. يقول صاحب «تطوان.. التي سكنتني»: أنا شاعر.. أنا صحافي.. أنا موجود في ساحة تحت الغيوم كثيرا، وتحت الأضواء قليلا».
وكتب عن الراحل صديقه ومجايله الكاتب والإعلامي محمد الشوفاني في شبكة التواصل الاجتماعي: «أفجعني الخبر، الرحمة على روحه، كان صديقا عزيزا، أستاذا رائدا في الصحافة، خلاقا مبتكرا في الشعر، أنشأنا مع زمرة قليلة من العاملين في جريدة «الأنباء» أول ملحق ثقافي قبل تقليدنا من صحيفة أخرى، أنشأنا صحفا أخرى ومجلات. كان رائدا وأديبا بليغا، كلماته تقفز للقلب قبل ابتسامته، أسلوبه يتفجر بالحيوية ويلامس الهدف المقصود ببراعة أصيلة. تعارفنا وتآلفنا في الدار البيضاء منذ جريدة «المحرر» في ستينيات القرن الماضي».
واعتبر الأديب والصحافي محمد أديب السلاوي رحيل محمد الطنجاوي خسارة فادحة للأدب والشعر والصحافة في المغرب الراهن، حيث إن الفقيد عاش حياة ثقافية وإعلامية حافلة. كما استحضر الصحافي محمد الشهبي العلوي بعض أعماله، من بينها أغنية «الله أكبر» التي لحنها وغناها موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب في ذكرى تخليد عيد جلوس العاهل المغربي الراحل الحسن الثاني على العرش. كما عمل مديرا لصحيفة «الأنباء» التي صدرت لوحدها في صفحة واحدة معلنة «عاش الملك» غداة فشل انقلاب الصخيرات أوائل السبعينيات.
وكتب الباحث عبد المالك العليوي: «برحيل الفقيد الشاعر محمد الطنجاوي نكون قد ودعنا علما من أعلام الأدب المغربي الحديث وزهرة من أزهار الشعر الرومانسي التي أينعت أواخر العقد الأربعيني من القرن الماضي ومنحتنا أزهارا يانعة أخرى، المهدي زريوح محمد أخريف محمد البوعناني عبد القادر المقدم وآخرين، بعدما تغنوا بالجمال والحرية والوطن والحب والاستقلال».
وجاء في تدوينة للصحافي بوشعيب الضبار: «لا يمكن للمرء أبدا أن ينسى اليد التي امتدت إليه في بداية المشوار ودهشة البداية. الصحافي والشاعر الكبير محمد الطنجاوي، الذي ودعه المغرب اليوم، واحد من أولئك الذين لا تنساهم الذاكرة أبدا. كان أول رئيس تحرير ينشر لي أول محاولة في الصحافة، في جريدة كانت مكاتبها تعج يومئذ بكوكبة من الوجوه النيرة والأسماء المضيئة، عبد السلام البوسرغيني والأمين أزروال ومحمد أديب السلاوي ومحمد الأزهري، وحسن عثمان، ومحمد نافع، والمرحوم أبو طهاك الصويري، وأحمد تسوكي.
وكان لي شرف الاشتغال تحت رئاسته في ثلاث جرائد، هي «الأنباء» و»المسيرة الخضراء» و»الميثاق الوطني» في المرحلة الأولى من ظهورها. وكغيري من المحررين استفدت من خبرته الشيء الكثير.
لم يكن يبخل بالتوجيه أبدا على أي عضو من طاقم التحرير. مكتبه، مثل قلبه، مفتوح في وجه الجميع. حريص جدا على أناقته مظهرا وفكرا.. أسلوبه متفرد برشاقته وانسيابيته،
الكتابة عنده عشق، يستعد لها كأنه ذاهب إلى موعد عاطفي، بأفكار مرتبة، وذهن متوثب، وأوراق وأقلام ملونة، حتى إذا وضع نقطة النهاية، سارع يعرض الحصيلة على أي محرر، كما حكى ذلك الزميل حسن الراشيدي من قناة «الجزيرة» على حائطه «الفيسبوكي».
وإذا كان محمد بن يحيى الطنجاوي، وهذا هو اسمه الكامل، قد استقر في الرباط، لضرورة العمل في الصحافة، فإن مدينة تطوان، باعتبارها مسقط الرأس، وملعب الصبا، كانت «تسكنه»، حسب تعبيره، ولا تبارح خياله. ويصعب تحت ضغط هذه اللحظة المفعمة بالأسى والحزن على رحيله، استحضار كل لقطات شريط الذكريات معه، وهي كثيرة.. ومن بينها أنني طلبت موعدا مع الراحل أحمد بنسودة، المستشار الملكي، لإجراء حوار معه حول رحلته في دنيا الصحافة والسياسة والدبلوماسية، فاعتذر بلباقة، كون حالته الصحية لا تسمح باللقاء، تحت وطأة المرض الذي كان يعاني منه. لكن تدخلا من الطنجاوي، وكان قريبا جدا من بنسودة، ذلل كل الصعاب، بل رافقني، وحضر تسجيل الحوار المطول الذي استمر لساعات، ونشر في حلقات، على صفحات «الميثاق الوطني».
ورغم أن الطنجاوي كان غزير العطاء والإنتاج، فإنه مع الأسف، لم يدون مذكراته في بلاط صاحبة الجلالة (الصحافة). وكذلك الشأن بالنسبة للشعر، فقد كان بإمكانه أن يصدر العديد من الدواوين، لو كان حريصا على طبع كل ما تجود به قريحته من قصائد مجنحة تنبض بمختلف التعبيرات الوجدانية والمشاعر الوطنية. وقد استفادت خزانة الموسيقى من إبداعاته التي صدحت بها حناجر أهل الطرب في المشرق والمغرب، ومنها «الله أكبر» لموسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، و»هذي يدي ممدودة» و»مولد القمر» و»العهد» لعبد الوهاب الدكالي..».
وفي السياق نفسه، استحضر الصحافي محمد عبد الله غلالي بعض ذكرياته مع الراحل محمد الطنجاوي حين كان رئيس التحرير في جريدة «الميثاق الوطني». وكتب بهذا الخصوص: «في سنة 1981 طلبت منه رخصة غياب مع شهادة إدارية لتجديد جواز السفر، من أجل رحلة إلى مصر على نفقتي، في ذلك الوقت كانت مصر منعزلة سياسيا عن الدول العربية بعد اتفاقها مع إسرائيل. طلب مني رئيس التحرير محمد الطنجاوي البحث عن المخرج المغربي عبد الله المصباحي المستقر في مصر مع عائلته هربا من الضرائب التي كانت تطارده في المغرب. يعني أن أبحث عنه وسط القاهرة التي كانت تعداد سكانها تقريبا يساوي تعداد سكان المغرب كله، وبدون أن يمدني بعنوانه، فقط أشار إلى فيلم له أحدث ضجة إعلامية وجماهيرية، وكان يروج بشكل كبير بعدد من الدور السينمائية فاقت 50 قاعة في القاهرة، المهم اسم الفيلم الذي أخرجه عبد الله المصباحي هو «سأكتب اسمك على الرمال» لعب الدور الرئيسي فيه عزت العلايلي إلى جانب سميرة بنسعيد ونهاد شريف بطلة الفيلم التي توفيت في لندن مباشرة بعد الفيلم مما زاد إقبال المصريين على الفيلم لأنها «محبوبة» جماهيريا.
وصلت القاهرة وفتحت نقاشا مع بعض ممثلي نقابة الصحافيين المصريين الذين أرشدوني إلى أماكن تواجد المخرج المغربي، بدأت أبحث بين مطاعمها وأنديتها الليلية، وفي مسرح «نادي الليل» الذي تملكه المطربة شريفة فاضل سمعت هذه الأخيرة ترحب عبر مكبر الصوت بعد أن غنت أغنية «الليل موال العشاق» وتقول «هذه هدية من عند المخرج المغربي عبد الله المصباحي» يعني قدم لها ورقة مالية على أغنيتها المشهورة التي كان يعشقها الملك الراحل الحسن الثاني، والتي سبق أن غنتها أمامه في قصر الصخيرات بمناسبة أحد أعياد الشباب. انتقلت بسرعة إلى مائدة عبد الله المصباحي مع زوجته وابنتيه، تبادلنا أطراف الحديث وبلغته الرسالة الشفوية وتحيات محمد الطنجاوي، اتفقنا على أن تمر عليّ زوجته وابنتاه بإقامتي في فندق «شهرزاد» المطل على نهر النيل لتأخذني لمشاهدة الفيلم «سأكتب اسمك على الرمال»، شاهدت الفيلم شبه الوثائقي الذي يحكي قصة حب وطن استرجع أراضيه عبر تنظيم مسيرة ضخمة، ما يعني أن مخرج الشريط السينمائي وظف قصة حب بين عشيقين بطلها الممثل عزت العلايلي والمرحومة نهاد شريف والرمز والوطن الذي كان هو حمامة السلام، تقمصت دوره المطربة المغربية سميرة بنسعيد. بعد نهاية الفيلم توجهنا إلى شركة عبد الله المصباحي للتوزيع والإنتاج السينمائي، وأجريت معه حوارا طويلا. وبعدما عدت إلى المغرب كان أول سؤال طرحه علي المرحوم محمد الطنجاوي رئيس التحرير عن ملاقاتي مع المخرج المصباحي، فكان جوابي عمليا، بعد ما سلمته مقالا معززا بالصور، وحديثا صحافيا شاملا عن فيلم، وكذلك عنوان وهاتف شركة عبد الله المصباحي، فقال لي لقد خطوت خطوة جبارة تستحق عليها التنويه، سألته: كيف ذلك؟ فأجابني: هذا الفيلم حدثني عنه مستشار الملك محمد بنسودة، لأن الحسن الثاني سمع عنه وأراد مشاهدته، وبالفعل نُشر ملف كامل في أربع صفحات في الملحق الأسبوعي في جريدة «الميثاق الوطني». وعلمت أن مستشار الملك المرحوم محمد بنسودة تسلم من المرحوم محمد الطنجاوي عنوان المصباحي، وبعث له برسالة رسمية عبر قائد طائرة الخطوط الملكية المغربية التي لها خط مباشر إلى مصر يطلبه فيها بأن يرسل نسختين من الفيلم واحدة للملك الحسن الثاني والثانية للمستشار بنسودة، لأن العلاقات الدبلوماسية كانت مقطوعة بقرار من جامعة الدول العربية، بعد معاهدة أنور السادات مع إسرائيل، وبعث عبد الله المصباحي نسختين من الشريط، وما أن مرت بعض الأسابيع حتى شاهدت عبد الله المصباحي مع عائلته في الدار البيضاء، بعد أن صدر في حقه عفو ملكي واستقر في برج المنار في شارع عبد المومن وانطلق في إنتاج وإخراج أكبر مشروع سينمائي «أفغانستان لماذا».