«خيطٌ مسْحورٌ» لعلي العامري: تشَتُّتُ النصّ وإسْفافُ النَقَادَ

حجم الخط
4

■ من الأسباب التي أودت بالشعر العربي- راهنًا – لمزيد من التدهور، إن كان على مستوى اللغة الشعرية، أو على مستوى القضايا التي تثار من المنظور الشعري، أو على مستوى المقاربات النقدية، ما يطغى على الوسط الإبداعي من مجاملات محورها العلاقات الشخصية فأكثر النقاد، إما أنهم يجاملون، أو لا يجدون المنبر الجريء الذي ينشر ما يكتبونه عن شعر هذا الشاعر، أو ذاك، لأن مجالات النشر ذاتها لا تخلو من تمترس المجاملين، فيحولون دون توجيه ملاحظة نقدية واحدة ليست في صالح الشاعر، كونه يرتبط بعلاقة صداقة حميمة مع المحرر الثقافي الذي لا يفتأ يمارسُ دور الديكتاتور في هذه المجلة، أو في تلك الصحيفة. وهذا المثال من ديوان «خيط مسحور» ليس إلا واحدًا من أمثلة كثيرة يقرظه المقرظون فقط، ولا يُسْمح بغير التقريظ في أي وسيلة من وسائل النشر، من غير أن تعرف القوة الرقابية الخارقة التي يتصف بها الشاعر ومجاملوه.
يقولُ الشاعر يوسف عبد العزيز في كلمة له على الغلاف الأخير لديوان العامري «خيط مسحور»: إن الشاعر العامري يكتبُ قصيدة المشهد التي تتكئ على عدد من المرجعيات البصرية، مثل السينما والمسرح والفن التشكيلي. ويقول القاص خليل قنديل في الموضع نفسه: إن الشاعر العامري يستحق لقب الشامان ـ نوع من السحرة ـ يطلق القطيع البدائي الأول في رحلة الصيد، ويجلس أمام جدران الكهف يخط بنقيع الدباغة الحبْرية تحليقاته الشعرية، ويوزع تسمياته، وترميزاته للحالات والرؤى. ويقول عمر شبانة وهو شاعر: إن العامري يشتغل على مستويين، هما: المستوى اللغوي، بما ينطوي عليه من عناصر وأساليب بناء، وتركيب وتصوير. والمستوى الثاني هو ما تنطوي عليه القصيدة من مكونات يمتزج فيها المتخيل بالواقعي. ويضيف إبراهيم اليوسف في الموقع ذاته، مؤكدًا على: أن رسم الصورة الشعرية في مجموعة العامري الجديدة ينمُّ عن براعةٍ وتجربةٍ واضحة.
والصحيحُ الذي لا مِرْية فيه ولا جدال أن هذه الكلمات، باستثناء بعض ما في كلمة شبانة، لا تعبر عما هو كامن فعلا في الديوان، ومن يقرأ القصائد يكتشف أن بعض من يكتبون الكلمات على الأغلفة الأخيرة كثيرًا ما يفعلون ذلك دون اطلاع على الكتاب الذي يقرظونه بتذييل سخيّ بالمديح، ولو أنهم اطلعوا فعلا على الكتاب قبل نشره لترددوا في هذا الذي يكتبونه من باب المداهنات، والعلاقات الشخصية، وتبادل المجاملات، وتقارض الثناء، عملا بمبدأ: «حكّ لي أحكّ لك».
وقد استوقفتني في الديوان (وزارة الثقافة، 2012 وط2 فضاءات، 2013 ) القصيدة الموسومة بالعنوان «نعمة الالتباس» وهي بصفة عامة قصيدة جيّدة، غير أنني لا أجد فيها كغيري ممن يقرأون الشعر منذ زمن غير قصير، وعاصروا حركات التجديد منذ البارودي حتى اليوم، شيئا مما ينبه عليه قنديل أو عبد العزيز أو إبراهيم اليوسف أو النوايسة أو حتى عمر شبانة، وهو أقلهم بعدًا عنْ الواقع، وأقربهم للحقيقة. فالقارئ يجد نفسه أمام صورة مجزأة، تقوم على توليف من عناصر متفرقة تُلفّقُ، وتوضعُ، في إطار تتشكل منها وحدة نصية إذا جاز التعبير، وَساغ. فمن ذِكْره الغيم الخفيف، إلى اليد التي تمسح الليل عن مرْمرٍ في ممر قديم، إلى ظلال، فإلى غصن توت، فضوء، فخابية فخّار، فريشِ يَهُبّ على شرفة غامضة، ثم يتحول بنا المتكلم في القصيدة لوحدة أخرى هي الفتاة.
وحتى هذا الانتقال من الوحدة الأولى للتالية، والحديث عن الفتاة التي تقتعد مقعدًا من الخيزران، انتقالٌ لمْ يُبْنَ على أساسٍ من تواصل نصّي، فالفتاة التي تداوي الشموس بالعشب والعناصر، يتساءَل القارئ عنْ صلتها الفنية بما سبق من حديث عن الغيم الخفيف والمرمر، وما شابه ذلك وشاكله من كلماتٍ جرى تلفيقها بلا داعٍ فني، والفتاة ذات الخلخال، والخلخال ذو النقوش، والنقوش التي توالف بين الرنين، والنداءات، والحنان، والهبوب، ما علاقتها بالغيم الخفيف الذي يمسح الليل، والروح الأمارة بالهبوب؟
كلّ نقش دليلٌ إلى ليلك في الأعالي
وكلُّ رنين شهيق،
وكلُّ نداءٍ سراجٌ على فضةٍ،
والحنانُ قرنفلة الفجر
والروح أمّارة بالهبوب.
والحقيقة أنّ في إمكان المرء أن يأخذ كلَّ تعبير من هذا الجزء على حِدَته، فيجده تعبيرًا جميلا أخاذًا. فليلك الأعالي تعبير أخاذ، و»الرنينُ شهيقٌ» تعبيرٌ أخاذ، و»النداء سراجٌ» تعبيرٌ أخَّاذ، و»الحنان قرنفلة» تعبيرٌ أخاذ، والروح أمّارة بالهبوب، تعبيرٌ أخاذٌ، أيضًا، ولكن ما العلاقة الدلالية التي تصوغ هذه التعبيرات في صورةٍ كلّية تنمّ على معنى؟ وما علاقة كل تعبير منها بالذي يليه، ويشاركه، في المقطع؟ وهل ثمة شيءٌ من التضافر بين هذه التراكيب التي يغلب عليها الانزياح المجازي؟ لا أظنُّ أنَّ بين الذين نوَّهوا بقصائد الشاعر منْ لديه جوابٌ مقنع عن هذه التساؤلات، كون هذه التراكيب يجري تلفيقُها وجمعُها، من غير أن تخضع لنسق شعري يؤدي إلى معنى، إذ يكفي الشاعر أن يحظى بالتقريظ على اختراعه لها، وتنضيدها في هذه الوحدة، أو تلك. ويلي هذه الوحدة فراغ يُشْعر القارئ بانقطاع يعود بعده المتكلم لما بدأ به القصيدة، وهو ذكره الغيم الخفيف الذي يمرّ، لكنه هنا لا يمر مثل يدين تمسحان الليل عن المرمر، بل يمرُّ على صوْت الفتاة. والفتاة هي تلك التي تجلس على مقعد الخيزران، أي: الفتاة ذاتِ الخلْخال، بدليل قوْل المتكلم: (على صوتها مرَّ مثل الحرير) وهي، أي: الفتاة، ترتدي في هذه الوحدة صورة أخرى تتجاوز الخلاخيل، والرنين، والنداءات، إلى تربية النيازك. وهذه العبارات أضيفت للمقطع من غيْر ترابُط، وهو في هذا لا يختلف عن كثير من الشعراء الذين باتوا لا يهتمون فعلا بجدوى ما يكتبون، وهي تتمخَّضُ عن صورةٍ متخيّلة هي – بلا ريب- صورةٌ مُدْهشة، ولكنْ ما الذي ينقذ هذه الصورة المستحسنة من قوله بُعيْد ذلك عن الفتاة: تربي النيازك في الروض، أو الإشارة إلى «مشْبك كالفراشة» والقرْط الذي في زرقة سماءٍ صافية، وهي مع ذلك لا تفتأ تدلّكُ روحَ الحصاة:
وتمحو كسوفا تراكمَ مثلَ الرَمادْ
على لؤلؤ في أقاصي الكهوف
لا ريْبَ في أن البيتين المذكورين يحتويان صورة جديدة ترتقي بالشاعر إلى مستوى الدَهْشة التعبيرية، غير أنَّ هذه الصورة لم توظف التوظيف الذي يريدُه كلٌّ من الشاعر والقارئ، لتنمَّ على معنى يُفسِّرُ لنا اجتماع الحصاة، والنيازك، ومشبك الفراشة، وزرقة السماء الصافية، مع الكُسوف والكهوف واللؤلؤ، فها هنا يقف القارئ على نثار عجيبٍ من الانزياحات، وتراكم لافتٍ من الاسْتعارات، لا يُغني النصَّ دلاليًا، بل يزيده إرباكاً على إرْباك، على الرغم من أنَّ الضمير في كلمة صوتها يساعد على نظم العلاقة بين هذه الوحدة من القصيدة، والوحدة الأولى، في خيطٍ فنّي رفيع يكادُ لا يُلحظ. وكلما وجد القارئ فراغا ينمُّ على انتقال من وحدة في القصيدة لأخرى، فاجأه الشاعر بالرجوع إلى ذِكْر الغيم، وهذا أسلوبٌ معرفٌ فيما يسمى جناس الاستهلال، وهنا نجد الشاعر قد وفق إلى حد ما في الإيحاء بنمّو القصيدة، فالفتاة التي تجلسُ على مقعد الخيزران، التي يمرُّ على صوتها الغمامُ الخفيف، عاشقة، بدليل قوله: «غمامٌ على صوتِ عاشقةٍ» أي: أن المتكلم عدل عن الفتاة ذات الخلخال والخيزران، وعن الفتاة التي يسمع صوتها من غير تعريف بها، أي الفتاة النَكِرَة، إلى فتاة تغدو معروفة بصفة، هي: العاشقة، فالانتقال من العموم إلى الخصوص أسلوبٌ معروفٌ لتوجيه دلالات القصيدة، يلجأ إليه الشعراء في العادة، ولهذا فإنَّ الغمام الخفيف لا يمر هذه المرة على مرْمَر، ولا على صوت الفتاة مرور الحرير، بل يمر على العاشقة مرورَ النعاس أوَّلَ القيظ. ومثل هذا التعبير لا شكّ- لدينا – في أنه تعبير أنيقٌ، اقتنصه الشاعر من عالم الخيال، وجسَّدهُ على أرض الواقع اللغوي، غير أنّ الفتاة تظهرُ بقيثارة، وبندىً يتقطَّرُ، وقبتين على نعمة الالتباس، وهاتان القبتان تضيئان، وبسرة تحرسُ البرْعُم الوثنيّ إلخ.. وهذا استرسال في الانزياحات يبْهر القارئ، إلا أن هذا الانبهار لا يطول، لأن القارئ حين يعيد قراءة القصيدة يكتشف أن الشاعر لم يقلْ بعدُ ما أرادَ قوله عن علاقة المتكلم بتلك الفتاة، ولم يقلْ لنا ما إذا كانت هذه الفتاة فتاةً حقيقيَّة منا نحن بني الناس، أم أنها (موتيف) رمزي جيء به للدلالة على أشياءَ أخرى، لا علاقة لها بالحبّ، ولا بالعشق، الذي ذُكر. وهلْ هي فتاة من فصيلة الشامان، الذين تحدث عنهم خليل قنديل، ومن الممكن أن نعثر عليها في عالم السحر، والسحرة، أم ماذا ؟ شيء من هذا لا يتضح، ولا نحسبُ من كتبوا الكلمات على الغلاف الأخير للديوان، ولاسيما من نوه منهم بما فيه من اتكاء على المشهد المسرحي والسينمائي والتشكيلي، بقادرين على الإجابة عن مثل هذه التساؤلات إجابة لا تكتفي بالقول هذه هي «الحداثة». صفوة القول، وزبدة الحديث، إن بعض شعراء اليوم، ولا ريب في أن لديهم نوايا جيدة ليقولوا ما يقولونه عن صدق وتجربة وخبرة، يُغْرقهُم بعض النقدة في المجاملات، التي لا تخلو من إسفافٍ يسيءُ للشعر، ويسيءُ للشاعر، ويسيء للذوق الأدبيّ والفني.

٭ ناقد وأكاديمي من الأردن

«خيطٌ مسْحورٌ» لعلي العامري: تشَتُّتُ النصّ وإسْفافُ النَقَادَ

إبراهيم خليل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية