لم يسع المفكِّر السوري صادق جلال العظم، وهو يبني دعائم مشـــروعه الثقافي في كتبه ومقالاته ومحاضـــــراته، إلى الاتكاء على أخلاقيّة فكــــــرية أو دينية أو تاريخية أو قومية تمنحه شرعيّة ما يكتب، وتُرَوّج له وتصنع مجدَه، على حدّ ما فعل غيره من مثقّفينا العرب، وإنما ظلّ يحفر في عقليتنا الجماعية، بجهده الشخصي وبجُرأة أسئلته، باحثا فيها عن أسباب ضمور حضورنا الفاعل في بناء حضارة الإنسان الراهن ومقدِّما في أثناء ذلك مقترحاتٍ فكرية يمكن أن تكون سبيل العرب إلى السكن في واقعهم سكنَ التمكُّنِ من أسبابه ماضيا وحاضرا.
لم يكن يهذي
لم يَنِ صادق جلال العظم يدعونا في كتاباته إلى عدم الاطمئنان إلى مُدَوَّنةِ رأسمالنا الرمزيّ القومي والدينيّ بكل ما فيها من إجابات جاهزة وموروثة، ويحثُّنا في خلال ذلك إلى التيقظِ الفكريّ عند قراءتها، والالتحامِ معها التحامَ المواجهة وطلبِ الحق بقوة الحُجّةِ ووجاهة البرهان لا بالرفض الخالص للرفض أو بالقَبول المُريح. ذلك أنه يرى في تعالي الأخلاقيات على الواقع وفي تنامي قداستِها وسلطانها، منذ القرن الثاني عشر ميلاديا إلى الآن، تقييدا منها لاجتهاداتنا في تدبير شؤوننا، وعاملا من عوامل عُطْلِنا الحضاريّ، بل هي عاملٌ يزيد من تنامي خضوعنا لمشيئاتٍ كثيرةٍ لم نخترها بأنفسنا، ولا تتناسب مع سياق معيشنا. ولعل في هذا ما يُجيزُ لنا القولَ إن كتابات صادق جلال العظم، على غرار كتبه «نقد الفكر الديني» و«ذهنية التحريم» و«في الحب والحب العذري»، تؤسّس لإتيقا جديدة، أي لأخلاق فردية وجماعية هي بنتُ واقعنا ومن صنع أيدي ناسه وليست مسقَطة عليهم، وهو ما نجد له تمثيلا في حياة العظم ذاته، حيث ظلّ يتحرّك في الأرض حركتَه في أسئلة الفكر: يُقيم ليترحّل. فلم يكتف مثلا في تعاطيه ما أحداث سوريا بالتنظير الموغل في التجريد والهذيانات كما فعل غيرُه، وإنما وقف مع شعبه في خروجه على الحاكم، واستثمر جُلَّ محاضراته ولقاءاته الإعلامية الأخيرة لتأكيد حقّ الناس في الحرية والكرامة والعدل، عبر إرساء سلطة مدنية محايدة دينيا ومذهبيا لا تفرض دينَ الأكثرية على الأقلية، ولا سياسةَ الأقلية على الأكثرية. ولم ينسَ أثناء ذلك أن يُذَكِّرَ بواجب المثقف تجاه مجموعته الاجتماعية، وبيان أَوْجُه ذاك الواجب وكيفية تصريفه واقعيا. ولم يُخفِ العظم نقده في هذا الصدد لمواطنه أدونيس، حيث ذكر في شأنه قوله: «في هذه اللحظات المفصلية من تاريخ سوريا استفاقت شيعيّةُ أدونيس وتجدّد ميلُه إلى الثورة الإسلامية في إيران»، وأضاف العظم في أحد حواراته الصحافية قوله: «عندما بدأت الحرية تقترب من سوريا، وسوريا تقترب من الحرية، وعندما اقتربت سوريا من التغيير، والتغيير اقترب من سوريا، أخذ خطاب أدونيس يتلعثم ويتأتئ ويفأفئ، وبدلا من أن يكون خطابا واضحا وصريحا، أخذ شكل: نعم ولكن، أو نعم وإنما، وكان يوزع نصائحه على الطرفين في سوريا، وكأن طرف الشعب الثائر يساوي الطرف العسكري المضطهد، أي المساواة بين الجلاد والضحية».
المُتَّهمُ بالحريّةِ
لا شكّ في أنّ جرأة فكر صادق جلال العظم كانت سببا رئيسا في تأليب كثير من أتباع الأخلاقيات المتعالية وحُرّاس مُقَدَّسِها عليه، وهو ما نجد له صورة في اتهامه بإثارة النعرات المذهبية والحضّ على النزاع بين طوائف الأمة الإسلامية في كتابه «نقد الفكر الديني» على حدّ ما جاء في لائحة الاتهام التي وجهها له حسن خالد -مفتي الجمهورية اللبنانية آنذاك- واستوجبت سجنَه في بيروت لبعض الوقتِ. ولا نعدم في هذا الشأن أنّ حياة هذا المفكِّر لم تخلُ من الاتهامات والتخوين كلّما أصدر كتابا أو ألقى محاضرة أو ترحّل في المكان أو ناقش حدثا من أحداث مجموعته الاجتماعية أو حدثا من أحداث العالَم، على غرار رأيه من رواية الكاتب سلمان رشدي، حيث صار في تصوّر مناوئي فكره «الماركسي القديم الذي يدين بالفكر الشيوعي البائد» و«الملحِد» و«العَلماني» و«الطاعن في القرآن خدمة للماركسية والداروينية والفرويدية، وسائر النظريات اليهودية الإلحادية» و«العميل لأحد مراكز الاستخبارات الغربية» وغير هذا كثير من الصفات والتهم. والظاهر من كلّ هذا أن متّهميه لم يقرأوا جيدا معانيه واكتفوا منها بالعبارة أو الاثنتيْن وتجريحهما وتخريجهما مخارج لا يحتملها سياقُهما الكتابيّ، ولم ينظروا في وجاهة طرحه الفكريّ الساعي إلى تحرير تعاملنا مع مدوّنتنا الثقافية وتخليصها من حمولتها التاريخية النقلية وتنزيلها منازل في الواقع جديدة ومناسبة له.
وهو تحرير يجعل قراءة حياة الفكر الوجدانية والاجتماعية والدينية ممكنة وضرورية، بعيدا عن كلّ تصلّب عقلاني أو تشدّد في الفهم أو تنكيد فيه، وهذا ما انعقدت حوله جلُّ مضامينِ كتبه.
ففي كتابه «نقد الفكر الدّيني» يذهب الباحث إلى الدعوة إلى التخفّف من ثقل ثقافتنا الدينية في تصريف الواقع، وعدم الخضوع لشروح النص الديني وشروح شروحها، لأن في ذلك مبعثا على الخلاف بين أصحاب الأديان والمذاهب وتعكيرا لصفوِ التواصل بينهم وجعلهم قابعين في خانة الماضي وتقديسه، بينما يفرض علينا الواقع اتباع المنهج العلمي في بناء تصوّرات موضوعية عن الكون وعن تطوّر الحياة فيه. ويناقش في كتابه «الاستشراق والاستشراق معكوسا» مفهوم الاستشراق لدى إدوارد سعيد مناقشة لا تنفيه وإنما تفكّر فيه وتفكّر معه من أجل تبيّن ظاهرة الاستشراق المعكوس الذي صار يحكم علاقة فكرنا العربي بالغرب، والمتمثّل في تفضيل الشرق لحضارته الفكرية على حضارة الغرب وتأصيل الفكر السلفي في مياديننا الاجتماعية وتسييسه واعتبار التمسّك به منجاة من الضياع الحضاري. ويدعونا الباحث في كتابه «في الحب والحب العذري» إلى التخلّي عمّا ترسّب في أذهاننا من تصوّر للعلاقة العشقية العربية عبر تفريعها إلى صنفيْن: صنف «العاطفة الممتدّة» التي يمثّلها الزواج وصنف «العاطفة المشتدّة» التي تجد لها تمثيلا في قصص العشاق العذريين. وفي هذا الشأن يؤكّد صادق جلال العظم ضرورة التنبّه إلى أن العشاق العذريين ليسوا ملائكةَ العِفَّة الطاهرين كما ترسّب عنهم من تمثّلاتٍ في أذهاننا لأن النظر إلى دلالات نصوصهم يُحيل على أنانيتهم العاطفية وعلى سوء نواياهم العشقية وعلى عدم إخلاصهم للمُحبّ.
وبهذه الرؤى الفكرية التجديدية يمكن القول باطمئنان إن صادق جلال العظم واحدٌ من أقدر مفكِّرينا العرب المعاصرين على تحرير رؤيتنا لكثير من موروثنا الجماعي ثقافيا ودينيا، ومن أكثرهم دفاعا عن حريّة الفكر الحرّ باعتبارها غاية مطلب الناس وسبيلهم إلى صناعة واقعهم.
٭ كاتب تونسي
عبدالدائم السلامي