في الشعريةُ العربية المُمانِعَة

ثمة في تاريخ الشعر العربي، شعريات معتبرة، وُضعت، عمدا، في المهبّ؛ فقط لأنها اختارت طريق المُمانَعَةِ. لقد كانت الكتابة الشعرية المُمانِعة (المضادة)، دائما وما تزال، كتابة جاحدة، أو على الأصح، كتابةَ مُنعطفٍ. المنعطفُ هذا، ليس من شك، أنه يسعى، أبدا، لوضع الشعر، في مواجهة التُّخوم.
ولما كانت الذائقة العربية، ذائقةَ معيارٍ وتطابق وانغلاق، فإنها لم تستسغ، في يوم من الأيام، أيّ ممارسة شعرية تشُذّ عن الطريق. طريق الإجماع أقصد. والحاصل أن مصير هذا الجُحود الشعري، كان دائما، هو الكبت والطّي والنسيان.
والمقال هذا، يتناول المُنعرج المُغاير والمُختلف، الذي ذهبت إليه الكتابة الشعرية العربية، بعيدا عن أيِّ مساومة مع الماضي، وعن الانحباس الذي حاولت الجمالية المُحافظة، بُعيد ظهور قصيدة التفعيلة، أن تجُرّ مصير الشعر إليه.
من المؤكد أنّ منعرجا كهذا سيجعل الكتابة المُمانعة لبلاغة الأخلاق عصيّةً على التصنيف. فهي تجربة حداثية، من جهة موقف الشعراء تجاه المعطى؛ وهو بالمناسبة، موقف لا يستقرّ على وضع أو هيئة، ولا يُهادن تماما، بل يسعى جاهدا إلى المغايرة والاختلاف حتى مع ذاته؛ وفي الوقت نفسه هي، ممارسة ما بعد حداثية، على اعتبار أنها أنصفت كلّ ما هو هامشي أو عابر؛ ذاك الذي كان يُعتقد في السابق، أنه لا يصلح للشعر. ولقد آثرنا تسمية هذه التجربة، السائرة في طريق الاكتمال اللّايكتمل، بالكتابة التُّخومية المُمانعة، تلك المُتخفّية في المضايق، بلغة أبي نواس.
وعلى كلّ حال، فإنه وبالنّظر إلى قيمة ما تحقّق ويتحقّقُ الآن، مع بعض الشعراء، ارتأيتُ أن أسجّل في هذا النقاش، نُقطة نظام، بغاية اجتراح بعض أهم هذه الأسئلة المُغايرة، التي جعلت من مفهوم الشعر، أكبر مما كان يُعتقد. فماذا عن هيئة ومآل الشعريات التخومية الممانعة، التي تحققت، في شعرنا العربي المعاصر، وظلت منسية لسبب أو آخر؟
حسب نور ثروب فراي فإن «أولى وظائف الأدب، وتحديدا الشعر، هي أن يواصل إنتاج المرحلة اللغوية الأولى الاستعارية حين تسود المراحل اللاحقة، وأن يواصل تقديمها كصيغة لغوية لا يجوز لنا أن نقلل من أهميتها أو أن نتركها تغيب عن نظرنا».
بهذا المعنى تغدو المرحلة اللغوية الأولى عند «نور ثروب فراي»، إحدى علامات الهروب بالشعر نحو تخومه، أي نحو ما بعد القصيدة؛ للتدقيق نقول، نحو بويطيقا التماس، في مقابل بويطيقا المعيار والعُرف. هذه تحديدا، الخلفية التي استحكمت في الممارسة الشعرية العربية الجديدة ـ الجدة هنا بما هي خروج عن العادة، وتَرْكٌ للمألوف- وهي خلفية تروم إخراج هوية القصيدة المنكمشة، إلى اللاهوية، بعيدا عن كل ميتافيزيقا شعرية؛ وكذا نقلها من الخصوصية الضيقة، إلى الرحابة المصابة بالكثرة، والموصولة بتأزيم وتقويض كل ما هو معياري، لاختلاق حوارٍ يقظ ودؤوب، بين الشعري والنثري، في انسلاخ تام عن المواضعات الفنية المتكلسة، دون الوقوع في الرطانة والميوعة أو العدمية. إنها أقصى علامات الفرار إلى القصي.. إلى الحدودي وما بعده، أو إلى «الشعريات التماسية» بتعبير المغربي محمد علوط.
وعلى الرُّغم من كل ما قيل، حول الحداثة العربية، سلبا أو إيجابا، فلابد من الإقرار بأنها شكلت انعطافة حقيقية، نحو ما سمي بحداثة الكتابة، أو ما قد نسميه بما بعد الحداثة. إن ما تحقق لأدونيس، أو لقاسم حداد، في كتابه «أخبار المجنون»، أو لغيرهما من الشعراء، استثناء، ما كان ليتحقق لولا اندفاع القصيدة إلى أقصى ممكناتها، في تلك المرحلة، من خلال تجربة الشعر الحر، أو كما سماها الناقد المغربي صلاح بوسريف بـ»حداثة القصيدة». وبذلك ألا يمكن اعتبار هذه المحاولات الجريئة نحو التحرر والانعتاق – مهما كانت نسبة مساومتها مع الماضي أو مع مآلات القصيدة – البداية الحقيقية لانهيار عمارة القصيدة؟
لقد مرت الحداثة الشعرية العربية، بمراحل حاسمة، في سعيها لتسويد شعريات مزدانة بنسغ الانفلات المستمر، الذي سرعان ما يفتح للشاعر السندبادي، أراضي مجهولة، تتوارى بشكل مطرد ومتسارع وتَحْتَمي بالتخوم، التي ليست سوى تخوم مؤقتة.
إن أولى مظاهر الحداثة الشعرية العربية ـ حسب خليل أبو جهجه – تجلت أولا، في فك الترابط بين الوزن والقافية، داخل النص الشعري، ومن ثمة الخروج على وحديتهما. ثاني مظاهر هذه الحداثة، تمثل في الخروج عن الأنساق العروضية القديمة، جزئيا وكليا ، لصالح التفعيلة الخليلية الواحدة أولا، ثم التخلي عن كل ما يتصل بالعروض العربية ثانيا، من خلال ما سمي بـ»قصيدة النثر». لنا أن نتذكر، المحاولات الأولى والخجولة، لهذا الخروج، مع أمين الريحاني. أيضا وعطفا على ذلك، تستوقفنا تجربة مائزة بجرأتها، ورائدة بفتحها لأراض شعرية مجهولة، ألا وهي تجربة مجلة «شعر» اللبنانية، من خلال مقترحات بعض الشعراء الفرسان، الذين دافعوا باستماتة عن «قصيدة النثر»، نذكر على رأسهم أدونيس، أنسي الحاج، يوسف الخال، محمد الماغوط، شوقي أبي شقرا… لقد شكلت الحداثة عند هؤلاء المغامرين، تجاوزا حاسما، للمواضعات الجاهزة وانطلاقة دونما انقطاع أو تراجع.
وليس من شك، أنّ هذه الاندفاعة الشعرية المعتبرة، والواثقة بوعيها ووعدها، شكلت لحظة مفصلية في تاريخ الشعر العربي الحديث. إنها لحظةٌ شعرية تلِجُ أختها.. وحاضرٌ شعري يلج مستقبلَه.. والشاعرُ من على شرفة «برج بابل» واقفٌ يتشوف إلى صبيب النهر، والمجرى الذي لا تأخذه شفقة بالنمط والمعتاد والأنالوجي، ولا يبالي حتى بمآلات نفسه.
ولأن الشاعر في هذا الوضع، هو شاعر تخومي، إذا صحت العبارة، وفارس مغامر يستكشف حدود الشعري، ويجرب إمكاناته ومقترحاته اللاّتنقطع، فإنه وضع (ويضعُ) أمامنا طقوسا جديدة في الشعر، وممارسات مغايرة ومختلفة في الكتابة، ما زلنا لحد الآن، كقراء، مشدوهين أمام هذه الاندفاعة.. اندفاعة النهر.
تلكم بعض مآلات الشعرية الممانعة وعاداتها وممارساتها وسلوكاتها، إذ أن فَهْمَها وهضمها، ليس بالسهولة التي قد يظنها البعض، لأنها بكل بساطة شعرية فوق العادة.. شعرية تفي بوعدها نكاية بالمتربصين.

٭ شاعر من المغرب

في الشعريةُ العربية المُمانِعَة

محمد الديهاجي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية