التونسية الثريا رمضان: الكتابة فنّ «إثارة الشغب»

حجم الخط
0

تتميز تجربة «الكتابة» للتونسية الثريا رمضان بوحدتها وترابط نسقها الإبداعي، فعلى الرغم من انشغالها على خطوط متنوعة على الكتابة ـ الشعر والسرد والكتابة الصحافية ـ إلا أن المتابع لا يضيع الخط العام الذي اختارته الكاتبة تتويجا لمسيرتها الإبداعية.
المرأة والوطن والكتابة تكاد تكون موضوعات ثابتة في كتابات الثريا رمضان ضمن ما يمكن أن تفتحه هذه الموضوعات من ضروب للنضال أو إثارة الشغب، كما تقول هي.
مؤخرا صدرت روايتها الأولى «ريح الصبا» عن دار فضاءات في الأردن بعد تجربة شعرية سابقة ومسيرة طويلة من العمل الصحافي. للوهلة الأولى سيذهب القارئ لاعتبار الرواية «رواية نسائية» وهو ذهاب صحيح في بعضه، ولكن المتمعن جيدا بين سطور الرواية سيجد أنها رواية تونس بكل مكوناتها. «القدس العربي» التقتها للحديث عن روايتها وعن الكتابة وموضوعات أخرى متصلة.

■ المتتبع لكتاباتك يلاحظ هذا الترابط بين الشاعرة والإعلامية والكاتبة، وثمة روح ثورية كشفت عنها «ريح الصبا». هل يمكن أن نعتبر روايتك من الكتابات النسوية؟
□ لعلّي أتعامل مع الكتابة كامرأة قبل أيّ صفة أخرى، وربّما كوني امرأة جعلني أنحاز للنساء، ولو أني مدركة تمام الإدراك أن الكثير سينتقدني لهذا الانحياز، لم يكن الأمر اختيارا وإنما انقياد، ذلك أني لا أكتب إلا ما أحسه وما يمسّني من العمق، لم أكتب يوما في موضوع لم يهزّني من الداخل أو يمسّ وجداني، وخصوصا في المجال الأدبي، فأنا أعتبر الأدب انسيابا للوجدان في سطور وورقات وروايات وقصائد ودواوين شعرية. إن أصبح الأدب احترافيا يتعامل بنظرية «ما يطلبه القرّاء» سيصبح مجرّد تجارة أراها خاسرة في نهاية الأمر. المرأة التي فيّ هي التي تكتب، المرأة التونسية كما ولدت وكما تربّيت وكما تعلّمت في المدارس وفي الشارع وداخل المجتمع. أنا بطبعي متمرّدة على وضع المرأة في شرقنا، وليس خافيّا عنك وعن الجميع ما تعانيه المرأة من ضيم يستحق أن تُكتب عنه ملايين النصوص والمقالات، لعلّها تسمع قبل أي أحد، المرأة نفسها لتعي قيمتها وما يجب عليها فعله للحفاظ عليها. أما بالنسبة إلى عملي الإعلامي، فأنا بطبعي أعمل في وكالة أخبار المرأة وهي وكالة مختصة بكل قضايا المرأة، لذلك وجدتُني أكتب عمّا يمسّني كامرأة.
■ «ريح الصبا» رواية داخل الرواية، الرواية الظاهرة هي صبا وشبيهاتها من النساء، ولكن الثريا تنقد واقعا اجتماعيا وثقافيا وسياسيا ـ وترصد تأزمات المجتمع التونسي والعربي إجمالا دون رموز أو لغة منمقة.
□ بالفعل أنا أعتبر رواية «ريح الصبا» رواية تنقد الواقع الاجتماعي والثقافي والسياسي باستحقاق، ذلك أنها وضعت صبا كشخصية محورية للعديد من الحكايات المتشعبة داخل المجتمع التونسي، خصوصا في فترة ما بعد تاريخ 14 كانون الثاني/يناير 2011، إذ أنها ناقشت مجموعة من الأسئلة المتعلقة بأساس المجتمع التونسي منذ تلك الفترة، منها مفهوم الحرية والديمقراطية وهما مفهومان يعتبران حديثين في تونس بالمفهوم العام لا الخاص، أي أن الشعب حديث التعامل مع الحرية، خصوصا السياسية منها، وكلّ واحد حاول فهمها بطريقته والتعامل معها بطريقته، ما أدى إلى صراعات في الشارع التونسي نفسه قبل الشارع الحزبي والسياسي، إذ أصبح الكل يفعل ما يريده باسم الحرية والكل يجاهر بما يشاء حتى لو أضرّ بسواه باسم الحرية… إلى غير ذلك من إفرازات ما حصل بعد 14 يناير. تناقش الرواية أيضا مستقبل شبابنا والهجرة غير الشرعية والغليان الداخلي المسيّس، ومشكلة البطالة ومكانة المثقف والصحافي وغيرها من الأسئلة التي تفضي إلى تشعبات كبيرة، فكأنما صبا كانت نموذجا لثورة مصغّرة وما حصل بعدها من تداعيات كان عليها تحمل مسؤوليتها.
■ للوهلة الأولى تبقى الرواية اجتماعية، ولكن المتمعن بالرواية سيكتشف خطوط تماه عديدة لعل أبرزها التماهي بين صبا وتونس (أو الوطن) وبين صبا و(الثورة) وكلاهما كما صبا (أو الأنثى) قد تعرض للانتهاك.
□ بالفعل هنالك تواز بين صبا وتونس داخل الرواية، فكما أصيب الشعب بحالة غليان أصيبت صبا داخل بيتها، وكما انفجر الشعب في ثورة عارمة انفجرت صبا وكما أسقط النظام أسقطت صبا زوجها من عرشه وطلّقته، فكأنما كانت ثورة داخل ثورة أو حالة عدوى أو صبا الوطن المضطهد لسنوات والمغتصب، الذي قرر الانفجار وتقويض كل ما اعتبره مبينا على باطل. وكما تحمّل الشعب مسؤولية هذه الثورة وتداعياتها عليه وعلى البلاد، تحملت صبا مسؤولية تمرّدها وتداعياته على حياتها ككل، لذلك تركت الخاتمة مفتوحة نوعا ما، لأن الوضع مازال في تونس مرتبكا وغير واضح المعالم.
■ لماذا الأدب المغاربي عموما وليس التونسي فقط، بعيد عن الدراسات النقدية أو حتى القراءات، عكس أدب المشرق الذي يلقى مساحات أوسع للدراسة والتحليل عموما؟
ـ المشكلة تكمن أساسا في توزيع الكتاب، فدور النشر المشرقية استطاعت أن تجتاح السوق المغاربية، في حين أن أغلب دور النشر المغاربية محصورة داخل حدودها الجغرافية، ما جعل الأدب المشرقي سهل النفاذ إلى كل المناطق بعكس المغاربي. وهو ما جعل العديد من الكتّاب المغاربة يختارون النشر في المشرق لضمان إشعاع إنتاجاتهم الأدبية بشكل أفضل وأوسع. لكنني أعتقد أن ظهور وسائل الاتصال الحديثة والشبكات الاجتماعية مثل الفيسبوك قادرة اليوم على تقريب المسافات بين الكتاب والنقاد والإعلاميين وجعل حال الأدب المغاربي أفضل عموما مقارنة بما كانه من قبل.
■ ما رأيك في واقع الرواية التونسية إجمالا اليوم والرواية النسائية خصوصا؟
□ لدينا من الكتاب في تونس من برع فعلا في الرواية وأبدع فيها، ولن أذكر أسماء كي لا يسقط مني اسم سهوا، لكنني أعتقد أن واقع الرواية التونسية يبشر بأقلام راقية ورفيعة المستوى. أما الرواية النسائية فأعتقد أن هنالك أيضا من الكاتبات التونسيات من يشهد لهن في هذا المجال ومن هن قادرات على نحت أسمائهن في التاريخ. هنالك جانب آخر ربما عليّ التعريج عليه هنا، أن أغلب الكاتبات التونسيات يمتلكن الجرأة والقدرة على الانطلاق في السرد دون خوف، ذلك أن المناخ الذي تربينا فيه أعطانا يدا من حديد ندق بها على الصخر دون مهابة رقيب لنفتح عمق الأرض ونغوص في التابوهات والملفات الشائكة حتى المحظور منها.
■ هل مازالت الكتابة اليوم قادرة على إحداث فارق ما في ظل كل ما يشهده العالم؟ أم أنها أضحت مجرد «ثرثرة» لا غير؟
□ كانت الكتابة ومازالت وستبقى قادرة على إحداث الفارق، ذلك أنها ليس مجرد ثرثرة، بل نحت في الصخر من أجل فتح الملفات على جميع الأصعدة ونفض الغبار عن المسكوت عنه. أنا أعتبر الكتابة فنّ «إثارة الشغب» إن صحّ التعبير في الضمير المجتمعي لتغييره نحو الأفضل، وتقويض الأسس الهشّة وزلزلة المفاهيم الخانقة.
■ لا يمكن أن يكون الروائي بعيدا عن صفة المؤرخ، و«ريح الصبا» حملت الكثير من الأحداث السياسية، سواء في تونس، أو في بعض الدول المجاورة كليبيا وسوريا ـ ولو بصورة مقتضبة.
□ «ريح الصبا» كانت محصورة بتاريخ محدد بدأ قُبيل 14 يناير/كانون الثاني 2011، وامتدّت أحداث الرواية طوال السنوات الخمس التي تلت هذا التاريخ، وناقشت ما حصل خلال تلك السنوات من تغيّرات سياسية واجتماعية وثقافية داخل البلاد، سواء من خلال حكاية صبا نفسها أو من خلال العالم المحيط بها أو على هامش حياتها، وبالتالي يمكن اعتبار «ريح الصبا» نوعا من التأريخ لتلك الفترة من وجهة نظر الشخصيات، خاصة الخالة مباركة التي أعتبرها في شكل من الأشكال «تونس» التي تتحدث عمّا يحصل لأبنائها، ويمكن أيضا اعتبارها جذور صبا، فكأنما جمعت في الرواية بين تونس الأمس وتونس اليوم في حوارات ونقاشات فتحت العديد من الملفات مثل، الهجرة غير الشرعية والإرهاب وبعض المشاكل الاجتماعية المتفرقة.
■ لا يمكن أن ننهى الحوار مع شاعرة وكاتبة وصحافية لديها مشروعها الخاص دون السؤال عن صورة المرأة العربية في وسائل الإعلام اليوم، هل تجاوزت النمطية وقدم الإعلام بمختلف وسائله صورة جديدة للمرأة أم أنها لا تزال «ديكورا» و»وسيلة» لا غير؟
□ سأحدّثك هنا من موقعي كسكرتيرة تحرير لوكالة أخبار المرأة، على اعتبار تخصصي في الإعلام النسوي منذ سنوات، لأقول إن الإعلام الهادف الخاص بالمرأة، الذي يتعمّق في قضاياها على جميع المستويات موجود بالفعل، لكنه يحتاج لوعي به من النساء أنفسهنّ ومن المؤسسات الحكومية وغير الحكومية، ذلك أن الصحافة الصفراء وما تخلقه من صورة للمرأة على أنها مجرد وسيلة أو ديكور مطلوب جدا في أسواقنا العربية وحتى الأجنبية منها، بحكم العقلية التجارية التي تسوّق لبضائعها من خلال «الوجه والجسد الحسن» ليس إلاّ، جعل النظرة النسوية نفسها للمرأة تصل إلى درجة الإسفاف. أعتبر أن وكالة أخبار المرأة من أبرز وسائل الإعلام على المستوى العربي التي لم تسقط في الابتذال، وتعاملت مع المرأة بجديّة لتمكينها داخل المجتمع. في النهاية لا بد من الإشارة إلى أن المرأة نفسها هي التي تؤسس لصورتها في جميع المجالات من خلالها وعيها بقيمتها الإنسانية وكينونتها كذات بشرية مستقلة قادرة على الفعل وليست سلعة وجسدا فقط.

التونسية الثريا رمضان: الكتابة فنّ «إثارة الشغب»
«ريح الصبا» نقد للواقع الاجتماعي والثقافي والسياسي
حاورتها: مبروكة علي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية