قانون الحشد الشعبي … هل سيفجر الوضع العراقي المحتقن؟

أقر البرلمان العراقي بأغلبية واضحة يوم السبت 26 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري مشروع قانون اقرار الحشد الشعبي كأحد مكونات القوات المسلحة واعتباره هيئة مستقلة يديرها القائد العام للقوات المسلحة، وجرى التصويت على مسودة القرار التي تقدم بها مجلس الوزراء ثم طالب بإعادتها للمجلس لاحقا، لكن البرلمان اتخذ قراره بالتصويت واقرار المشروع من أغلبية شيعية تساندها الكتلة الكردستانية في البرلمان، بينما قاطع النواب السنة من كتل اتحاد القوى ومتحدون وائتلاف الوطنية جلسة البرلمان، واعتبر قادة الكتل السنية ان إقرار مشروع الحشد الشعبي بهذه الطريقة يمثل سياسة فرض القوانين بقوة الأغلبية الطائفية وليس الأغلبية السياسية، وهذا الأمر يعد خرقا للديمقراطية التوافقية التي سارت عليها العملية السياسية في العراق وهو ما شبهه بعض القادة السنة بالقانون الذي سيدق المسمار الأخير في نعش المصالحة الوطنية.
الساسة الشيعة يرون ان مسألة مأسسة الحشد والاعتراف بوجوده قانونيا يمثل الحد الأدنى من رد الجميل والاعتراف بدور هذه المجاميع المقاتلة التي قدمت الآلاف من الشهداء والجرحى في معارك تحرير مدن العراق من سيطرة ما يعرف بتنظيم «الدولة الإسلامية» الإرهابي، وان حق الشهداء والجرحى والمعاقين وعوائلهم يستوجب تشكيل كيان قانوني رديف للقوات العسكرية والأمنية. بينما تركزت اعتراضات الساسة السنة على التخوف من إيجاد جيش شيعي في الساحة العراقية يضاف إلى الجيش الكردي الممثل بالبيشمركه الكردية بينما يبقى الوجود السني ممثلا في جزء من الجيش العراقي وقوى الأمن فقط، مما دفعهم لاعتبار إقرار قانون الحشد الشعبي في البرلمان خطوة نحو تكريس الانفصال وتفتيت العراق وضرب التسوية والمصالحة الوطنية التي دعا لها التحالف الوطني مؤخرا، بينما يبدي الساسة الكرد ابتعادا عن الأزمة ضمن سياسة النأي بالنفس عن مأزق بعيد عن هموم الإقليم ومشاكله الكثيرة التي يحاولون الخروج منها.
وأشار عدد من المراقبين إلى ان ترتيب إقرار قانون الحشد الشعبي قد ابتدأ فعليا بتسوية الخلافات بين فصائل الحشد فيما عرف باجتماع «الحنانة» في النجف قبل شهر، حيث التقت يوم 19 تشرين الأول/اكتوبر الماضي في منزل السيد مقتدى الصدر وفود من فصائل الحشد الشعبي ضمت كل من أبو مهدي المهندس وهادي العامري وقاسم الأعرجي وأحمد الأسدي وقيس الخزعلي وأكرم الكعبي وعدنان الشحماني وأبو ولاء البصري وممثل الوقف الشيعي المسعودي، وتم خلال هذا الاجتماع تسوية الخلافات والنزاعات بين أكبر الفصائل المكونة للحشد. وعلى الرغم من أن الحشد يتكون من أكثر من ستين فصيلاً مسلحاً إلا أن 80% من جهده العسكري يقع على عاتق أربعة تشكيلات كبيرة هي سرايا السلام، وفيلق بدر، وكتائب حزب الله العراقي، وعصائب أهل الحق وقيادات هذه الفصائل هي من حضر الاجتماع المشار إليه.
ابتدأت تداعيات حسم وضع قوات الحشد الشعبي بالتصاعد في الآونة الأخيرة مع اقتراب تحرير مدينة الموصل التي تمثل آخر المدن العراقية التي ترزح تحت سيطرة ما يعرف بتنظيم «الدولة» الإرهابي، والتي تشهد معارك طاحنة قد تؤدي إلى اجتثاث ما يعرف بتنظيم «الدولة» نهائيا من العراق، لكن هذا الأمر لا يعني وجود ضمانات بعدم ظهور جيل ثالث من الإرهاب قد يولد من رحم هذا التنظيم كما ولد هو سابقا من رحم تنظيم القاعدة، ونتيجة الاحساس باحتمالية عودة الخطر مجددا بسبب الوضع الأمني والإقليمي المتوتر، أو نتيجة وجود الخلايا الإرهابية النائمة، تم التشديد على وجوب بقاء ومأسسة الحشد الشعبي، حيث رفضت العديد من السيناريوهات التي ناقشت وضع هذه القوات مستقبلا مثل دمج فصائل الحشد مع القوات المسلحة في الجيش والشرطة، أو إعادة هيكلة فصائل الحشد والابقاء عليها ضمن مسمى قوات الحرس الوطني مع اعطاء حصة 40% للسنة ممثلة بمقاتلي العشائر على ان يبقى تواجد قوات الحرس الوطني محددا في محافظاتهم التي ستدير قوات الحرس الوطني كقوة أمنية ساندة أو رديفة للجيش والشرطة الاتحادية والمحلية، كذلك تم وبشدة رفض مقترح تسريح قوات الحشد الشعبي وإعادتها إلى أعمالها الأصلية، مع توفير وظائف للأفراد الذين ليس لديهم عمل أو وظيفة، ومنح الآخرين من كبار السن رواتب تقاعدية، تحدد بقانون، أسوة بأعضاء البرلمان من ناحية الخدمة.
أما من الناحية الإجرائية أو العملية في التعامل مع القانون الجديد بعد ان أقر، وبغض النظر عن الأزمة السياسية التي أحدثها، أحب أن أسلط الضوء على بعض النقاط الإجرائية في تنفيذه، فالقانون يشير بوضوح إلى فك ارتباط الفصائل المكونة للحشد مع مرجعياتها القديمة والانضواء تحت هيكلة جديدة تشبه إلى حد كبير هيكلة القوات المسلحة، مثل جهاز مكافحة الإرهاب أو قوات التدخل السريع، وهنا يطرح سؤال مهم، هل سينجح الأمر فعلا؟ هل ستفك قيادات الفصائل شبه العسكرية ارتباطاتها بمقاتليها لتسلمهم للحكومة لتكون منهم قوات حكومية مقاتلة؟ وماذا عن المرجعيات العقائدية المتعددة للمقاتلين؟ وماذا عن الصراعات القائمة على أسس عقائدية وسياسية بين الفصائل؟ فبالرغم من تسويق المصالحة التي تمت في اجتماع «الحنانة» إلا ان الخلافات المتراكمة بين تيارات متصارعة على النفوذ والسلطة والسطوة ما تزال أعمق وأصعب من ان تحل باجتماع واحد بالرغم من الدفع الإيراني الواضح باتجاه تسوية الخلافات.
ومن ناحية أخرى يشير البعض إلى الحاجة الماسة لعديد قوات الحشد الشعبي لعدم كفاية القوات المسلحة، وإذا حللنا الأمر من الناحية المهنية نجد ان الجيش العراقي حاليا يتكون من 15 فرقة عسكرية معظمها فرق مشاة يقدر عدد أفرادها بنحو 350 ألف مقاتل، ويمتلك نحو 140 دبابة ابرامز أمريكية حديثة الصنع ونحو ستة آلاف عربة عسكرية من نوع همر والمئات من عجلات القيادة من نوع (باجر) الأمريكية، والمئات من ناقلات الجند والمدفعية الثقيلة وراجمات الصواريخ، فضلاً عن العشرات من الطائرات المروحية الروسية والأمريكية الصنع، وأكثر من 170 دبابة روسية ومجرية قدمت كمساعدات من حلف الناتو في عامي 2005 و2006 بالإضافة إلى تطوير قطعات متخصصة بحرب الشوارع والتدخل السريع مثل قوات مكافحة الإرهاب والفرقة الذهبية وقوات الشرطة الاتحادية للتدخل السريع، هذا يعني ان قوات مسلحة بهذا الحجم يفترض بها ان تكون قادرة على تنفيذ المهمات الموكلة لها، كما يمكن اختيار قطعات من الحشد ممن أصبحت لديها قدرات متطورة في مواجهة التنظيمات الإرهابية وضمها للجيش العراقي، إذا لماذا التحرك باتجاه انشاء كيان مواز للقوات المسلحة؟ سؤال يبقى يطرحه المعترضون على قانون الحشد الشعبي دون الحصول على إجابة واضحة.
أما من ناحية الاستحقاقات المالية فالمعروف ان الحكومة العراقية كانت تتحمل جزءا من تمويل وتسليح فصائل الحشد بالإضافة إلى مصادر أخرى في مقدمتها الدعم الإيراني. ان الوضع المالي لفصائل الحشد ما زال غامضا دون ان يتم الكشف بدقة عن مصادر تمويله ودعمه بشكل كامل. أن قوات الحشد الشعبي التي يقدر عديدها اليوم بما يزيد عن 100 ألف مقاتل سيتم ضمها إلى قطاع الوظيفة الحكومية، مما يعني الحاجة إلى حوالي مليار دولار سنويا ستضاف على أعباء ميزانية الدولة التي تعاني أصلا من التعثر في دفع مرتبات موظفيها بانتظام، والحكومة العراقية وضمن خطتها الاقتصادية تسعى إلى تقليص القطاع الحكومي الذي تضخم بنسبة 500% منذ 2003 لحد الآن، ليبقى السؤال؛ إذا كيف سيتم إدارة هذا الملف من قبل الحكومة؟
تعدى التخوف من وجود الحشد الشعبي فرقاء العملية السياسية في العراق ليمتد إلى الساحة الإقليمية بعد تصريحات بعض قياداته قبل أيام عن دور إقليمي محتمل ستلعبه هذه القوات بعد القضاء على التنظيمات الإرهابية في العراق، وهذا ديدن التنظيمات شبه العسكرية التي ستبحث عن دور أو معركة مقبلة لان وجودها والحاجة لها يرتبطان بفاعليتها العسكرية وأمثلة الحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني واقعية لا يمكن التغافل عن دورها في الساحة الإقليمية اليوم.

قانون الحشد الشعبي … هل سيفجر الوضع العراقي المحتقن؟

صادق الطائي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية