يعتبر الفنانون من أيقونات المجتمع، وقد بدأ هذا التقليد في الغرب ثم أخذ يظهر بعد فترة في المجتمع العربي. ولا يلاحظ المرء أن شهرة الممثل نتيجة لعدة من العوامل وقد يكون أحدها السياسة، فالدعم السياسي للممثل من قبل الدولة أو حزب سياسي معين عامل حاسم، والأغلبية الساحقة من الفنانين يعرفون ذلك، ولذلك نجدهم يدعمون الجهة السياسية التي تقف وراءهم طمعا بهباتها، متخذين مختلف المواقف السياسية والوطنية وكأنهم من المؤمنين بها حقا.
الشهرة والنجاح يجعلان المرء يعتقد أنه أكثر من فنان ويعتبر الحياة العامة وكأنها فيلم آخر وكل من حوله مشاهد جالس في السينما وهذا غير صحيح، فعندما يخرج الممثل عن مجاله فإنه لا يجذب المشاهد إلى عالمه، بل أن الممثل يدخل إلى عالم المشاهد أي الواقع. وهو عالم ذو معايير مختلفة عن معايير السينما، وفجأة يظهر الممثل على حقيقته بالنسبة للمشاهد.
وقد يؤمن الفنان أحيانا بما يعبر عنه، ولكن على المرء الأخذ بنظر الاعتبار أنه قد تكون هناك دوافع أخرى للفنان. والأمثلة هنا كثيرة ولكننا سنحصر موضوعنا في العالم العربي وسنأخذ مثالين من بلدين عربيين مختلفين وهما مصر والعراق، فتعتبر مصر أشهر بلد عربي في صناعة السينما والمسرح وحتى الإعلام في الماضي، ويحاول الإعلام المصري بكل جهده إظهار الفنانين المصريين وكأنهم ملوك على عروش فنونهم فأصبح أحمد شوقي أميرا للشعراء ومحمد عبدالوهاب موسيقارا للأجيال وأم كلثوم كوكبا للشرق، أما عادل امام فهو الزعيم وفاتن حمامة سيدة الشاشة العربية وبالنسبة لهند رستم فهي مارلين مونرو الشرق، ومصر نفسها هي أم للدنيا وقلب الأمة العربية النابض. وفي الوقت نفسه نجد الممثلين المصريين يبالغون في وصف بلدهم بمختلف المبالغات ونحن لا نقول إنه على الفنان ألا يكون فخورا ببلده، فكل مواطن في العالم له الحق في ذلك ولكن على ألا يتجاوز ذلك حدود المعقول أو الحدود الجغرافية. وعلى سبيل المثال نعود هنا إلى عادل أمام الذي دعي لحضور مهرجان قرطاج الدولي في تونس، ووقف على خشبة المسرح وبدلا من شكر السلطات التونسية على دعوتهم له والأخوة العربية، قال إن مصر أم الدنيا وأنها أيضا أم السينما العربية وأخذ يذكر أفضال السينما المصرية على السينما في بقية الدول العربية، ما أثار حفيظة أحد الفنانين التونسيين الذي رد بقوله إن تونس أبو الدنيا وأبو السينما العربية، وحسب المصادر فقد أثار هذا غضب السفير المصري الذي ترك الحفل غاضبا، وفي الواقع أن عادل أمام وهو فنان الدولة المصرية كان يبالغ في تمجيد ماض انتهى، ولا توجد له علاقة بالوقت الحاضر، فمنذ جيل عبدالحليم حافظ خلت الساحة الفنية في مصر من كبار النجوم، فهي في الوقت الحاضر أشبه بشخصية دون كيشوت. ويدل هذا على قلة معرفة عادل أمام بتاريخ السينما والمسرح في مصر، فالمسرح العربي لم يبدأ في مصر ونسبة كبيرة من مشاهير السينما والمسرح في مصر لم يكونوا مصريين فنجيب الريحاني وعزيز عيد وستيفان روستي وعبد السلام النابلسي ووردة الجزائرية وماري منيب وفريد الأطرش وأسمهان وآسيا داغر وماري كويني وإبراهيم خان وجورج أبيض وأنور وجدي ونور الهدى وروز اليوسف (التي كانت ممثلة وناشرة شهيرة وهي التي أصدرت مجلة «روزاليوسف») وغيرهم لم يكونوا مصريين، بالإضافة إلى الذين قالوا إن أصولهم غير مصرية مثل نيللي ولبلبة وفريد شوقي وهند رستم وسعاد حسني ورشدي أباضة وغيرهم، ونخص بالذكر هنا اللبنانية بديعة مصابني التي تخرج من الكباريه الذي كانت تملكه أغلبية مشاهير الرعيل الأول من السينما المصرية مثل أشهر المسرحيين المصريين يوسف وهبي ونجيب الريحاني الذي كان زوج بديعة مصابني، وكان ذلك الباب الوحيد الذي أوصلهم إلى الشهرة على عكس الرعيل الثاني الذي لم يمر بهذه المرحلة.
كما أن مجموعة من الممثلين المصريين كانوا من أمهات غير مصريات مثل أحمد رمزي ومريم فخر الدين ويوسف فخرالدين وميرفت أمين وليلى علوي ونادية لطفي وأخيرا نسي عادل أمام الاقتباسات المصرية الكثيرة لأعمال أجنبية معروفة في المسرح والسينما وقام هو نفسه بتمثيل بعضها. وحتى في مجال الموسيقى فإن أشهر أغاني الملحن المصري سيد درويش كانت مقتبسة من مصادر غير مصرية مثل زوروني في السنة مرة وغيرها. وإذا خرجنا من نطاق العمل الفني وتطرقنا إلى الحياة العامة فعلينا أن نضيف هنا أن العهد الملكي في مصر، الذي يتحسر عليه الكثيرون كانت على رأسه عائلة مالكة غير مصرية، بل كانت ألبانية. وإن مؤسس أشهر صحيفة في تاريخ مصر وهي «الأهرام» كان لبنانيا. وبالطبع فإننا لا يمكن أن ننسى إبداعات عادل إمام عندما كان يمثل على خشبة المسرح مع الراحل فؤاد المهندس، ولا ننسى أبرز أفلامه مثل «المحلل» و«»المنسي» و«الأرهابي» و«الأرهاب والكباب» والتي مثل فيها شخصية الإنسان البسيط والغلبان، وعرف كيف يوصل الفكاهة والفكرة إلى المشاهد الذي قدره وجعله من المشاهير، ولكننا لا نستطيع تقبل عروضه عندما أخذ يمثل دور الفتوة وزير النساء والرجل الذي يفعل ما يشاء، مع إعادات مملة لنفسه في مشاهد حفظها المشاهد عن ظهر قلب إلى درجة الملل ومن الواضح أن عادل إمام يعتقد أن كل ما يقدمه سيكسب إعجاب الجميع، ليس بسبب الجودة بل لوجود عادل إمام في هذه الأعمال، وهذا ليس صائبا. ومع احترامي الشديد للفنان فإنه لا يصلح لهذه الأدوار، كما أن أعماله في السنوات الأخيرة مثل بقية الأفلام المصرية كانت دون المستوى بمراحل، وهذا يعبر عن الحالة المزرية للسينما المصرية، وقد بدا هذا واضحا من مهرجان القاهرة السينمائي الأخير.
وأخيرا علينا ألا ننسى أنه لا يخلو أي بلد في العالم من عطاء الأجانب أو ذوي الأصول الأجنبية مهما بلغت عظمة ذلك البلد، وأفضل مثال هو الولايات المتحدة الأمريكية حيث أن السينما الأمريكية مليئة بالأجانب من مختلف أصقاع العالم، وهذا لا يقلل من شأن السينما الأمريكية التي تعتبر الأشهر في العالم.
أما في العراق فسنتطرق هنا إلى أشهر الممثلين المسرحيين فيه ألا وهو الراحل يوسف العاني وحقي الشبلي، الذي يعتبر مؤسس المسرح العراقي. وإذا أردنا العودة إلى أصول المسرح العراقي فعلينا الملاحظة أن المسرحيين العراقيين الأوائل كانوا من الطبقة المثقفة من المجتمع العراقي آنذاك، واعتبروا أنفسهم ذوي رسالة ثقافية منذ البداية، على عكس نظرائهم المصريين، فلم يمر المسرح العراقي بمرحلة الكباريهات كما حدث في مصر. وكان يوسف العاني من الممثلين المسرحيين الذين تمتعوا بترحيب الطبقة المثقفة العراقية وذا نشاط ملحوظ في العمل المسرحي، ولم يشذ عن خطه الفكري طوال مسيرته الفنية. ومع ذلك فإنه من غير الممكن تغاضي النظر عن الدور الجوهري للحزب الشيوعي العراقي والحكومات العراقية المتعاقبة في ترسيخ أسطورة يوسف العاني، الذي دافع بدوره وبشكل طفولي عن الحزب ومبادئه وكل من عاونه وبشكل خاص عبدالكريم قاسم، عندما كان حاكما على العراق، فقد كان الحزب الشيوعي حزب غير المتعلمين في بدايته، ولذلك فإنه تبنى الكثير من الفنانين لإضفاء صفة الثقافة على مظهره. وفي الوقت نفسه كان عداء يوسف العاني للعهد الملكي ينقصه المنطق وحكم التاريخ، فعلى ما يبدو أن الحقد الهائج لدى يوسف العاني كان سببه الحقيقي هو عداء الحزب الشيوعي للعهد الملكي، حيث نسي يوسف العاني أن الحكومة العراقية في العهد الملكي، التي سعى بكل جهده لتحطيمها مهما كان الثمن، كانت قد عينته مشرفا على النشاط الفني في كلية التجارة والاقتصاد، على الرغم من معرفة الجميع، ومن ضمنها الأجهزة الأمنية آنذاك، بموقفه السياسي تجاه الدولة وانتمائه للحزب الشيوعي العراقي المحظور الذي كان يعتبر عدوا لدودا لها. وإن دل هذا على شيء فإنه يدل على تفكير ينقصه النضوج. وفي إحدى المقابلات التلفزيونية ليوسف العاني ذكر حادثة مثيرة للسخرية والدهشة مفادها أنه كان مرة جالسا مع عبدالكريم قاسم، وقام الأخير بتوبيخ أحد كبار موظفيه لمهاجمته مصر سياسيا في إحدى المقالات على أساس انه من الخطأ مهاجمة مصر لأنها أنجبت عظماء مثل أم كلثوم وعبدالوهاب. وإذا كانت هذه الحادثة صحيحة فإنها تدل على سذاجة عبدالكريم قاسم لاتخاذه هذا الموقف وسذاجة يوسف العاني نفسه عجابه بموقف قاسم، بل إنه كان من السذاجة إلى درجة أنه ذكرها في مقابلة تلفزيونية متوقعا أن يكون هذا تعظيما لعبدالكريم قاسم. وفي الواقع أنه لم يدرك أنه كان يسخر منه بشكل غير مقصود، فقد نسي العاني أن دولا كثيرة (استعمارية وغيرها) قد أنجبت فنانين عظماء مثل بتهوفن وشكسبير ودستويفسكي وكامو وغيرهم، فهل هذا يعني أنه من الخطأ نقد أي من هذه الدول مهما فعلت لأنها أنجبت هؤلاء العظماء؟ ولكن ومع كل هذا فإن هذا ليس بالتصرف الغريب بالنسبة ليوسف العاني لأنه كان متعجرفا ويعتقد بأن كل ما يقوله سيكون مقبولا من قبل الجميع، لاعتقاده بأنه أعظم الفنانين على الإطلاق، أما الآخرون سواء أكانوا فنانين أم لا فمجموعة من الجهلة، ولم يتقبل أبدا بغضب وازدراء أي رأي لا يعجبه. لقد كانت الدولة العراقية تحت حكم عبدالكريم قاسم البداية الحقيقية ليوسف العاني، فعندما تحالف عبدالكريم مع الحزب الشيوعي قام بتعيين رموزهم في مناصب مهمة جدا في الدولة وكان يوسف العاني واحدا من هؤلاء، وبعد انتهاء حكم عبدالكريم بقي الإعلام العراقي تحت سيطرة الشيوعيين الذي أصبحوا شيوعيين سابقين رسميا إلا أنهم استمروا في نشاطهم ولذلك استمر الدعم الحكومي ليوسف العاني الذي بقي وفيا للحزب وعبدالكريم.
٭ كاتب عراقي
زيد خلدون جميل