صورة القتل في منتديات الحداثة

■ بأي منهجية يمكن الحديث عنه؟ وما الذي تستطيعه الكتابة في مواجهته؟ هذا المسخ الشبيه بكتلة نارية هاربة من قلب الجحيم، الذي ليس له سوى اسم واحد هو القتل.
مسخ، سيكون من الضروري تصويبهم لحرائقه باتجاهنا، حال انتهائهم من تصنيعه في مختبراتهم، مع وضعه تحت الحراسة الدائمة، مخافة أن تراوده فكرة الإقامة حيث هم.
عجبا!، كلما ضاقت الحداثة بفضاءاتها، تضاعفت رغبتها في تأجيج ضراوة القتل. إنها المفارقة العصية عن أي فهم أو تأويل. شراسة قتل، تتضاعف بتضاعف الانفتاح على أسئلة المستقبل، وأسئلة التحديث، وأسئلة التحاور مع الآخر، وغيرها من الاقتراحات الوردية، التي لا يمكن أن تتحقق بمعزل عن القتل، ربما لأنه وحده الذي يجعل من التعايش اللامتكافئ حلما ممكنا، فبدون قتل، لن يكون ممكنا تكريس هذا الصنف من التعايش، كما أن الحداثة، لا يمكن أن تتحقق بدون فائض الهمجية، على غرار التعاشق الحضاري، الذي لا يمكن أن يتم هو أيضا، دون تقتيل، ودون إبادة عشوائية.
القتل هنا، هو الممارسة الاستباقية التي تضمن استحضارا سالبا للجثة المجسدة في الآخر، أي ذاك الذي يتعذر قبوله، إلا باعتباره جثة مفرغة من أي اثر للحياة، ومن أي اثر للكينونة، لذلك فإن القتل ينبغي أن يمتد إلى جميع المواقع المنذرة بتمرد ما، بغضب ما، وفي أبسط الأحوال بمنافسة ما. كما لو أن الحديث عن التسامح، ليس سوى حجاب يحول دون رؤيتنا للقتل، القتل هنا يتحول إلى ضرورة، وإلى ممارسة حضارية ملازمة للدعوة إلى السلم. إنه نوع من التنظيف الحضاري للمشهد. إحراقُ الحواجز التي يمكن أن يلوح بها الهامش في وجه المركز. إحراقُ كل حطب مناوئ لحداثة تكون معنية أكثر من أي وقت آخر بالإعلان عن عدوانيتها، وبحشد ما يكفي من العنف، من أجل تعبيد الطريق نحو الأفق المستقبلي «للكائن الجديد» الذي يصبح ملفوفا في غموضه. إنه الكائن المريب الذي يتهيأ باستمرار للإجهاز عليك، من موقع احتمال أن تكون مصدر خطر، ومصدر قتل.
إن احتمال تعرض الحداثة إلى الإجهاض، هو ما يشحن عدوانيتها ضد جغرافيات ما، ضد تاريخ ما، حيث تتوجس الذاكرة خيفة من كائناتها، أي من احتمال حدوث انقلاب ما في إيقاع المسار، وفي حركيته، غياب الطمأنينة، والخوف من عبث الآخر، الذي قد تكونه أنت أو أنا، بالمنجز الحداثي. هذا الخوف وهذا التوجس، لا يترك أي مجال للتريث، هنا يصبح إعمال العقل، سلوكا على درجة مهولة من الشطط. لأن اشتغال آلية العقل، لا تنسجم مع اشتغال آلية علاقة الحداثة بالآخر، وبالتالي فإن توظيفه هنا، يصبح تهورا، قد يؤدي إلى حالة من الوئام الملتبس المفضي إلى فتح باب الحوار، الذي يتحول في ظن الحداثة المتوحشة، إلى كمين، من المحتمل أن تقع فيه، لذلك لن يكون هناك مجال آخر لغير القتل. هناك، حول أمكنة قد تحمل اسم أي مدينة من مدننا العربية، حيث تتكالب القيامة على فتح أكثر من جيب للمقاومة، شريطة أن يكون قابلا للنسف، جيب مؤهل لأن ينسينا إفناؤُه مأساويةَ غيره من الجيوب المحترقة سلفا، ويعمم طقس الكارثة، كي تغدو مجرد حدث يومي، آني وعابر. قتل بصيغة جمع، يحُول دون معرفة هوية القاتل. القتل المتعدد الاختصاصات والهويات والأعراق والحضارات. إن المراكز الكونية كلها، تتواطأ من أجل إنضاج طقس القتل، كي يكون مكتملا، ومعولما بما فيه الكفاية.
إن القتل أيضا، يكون مصاحبا باحتفاء إعلامي، يساهم في تصعيد الإحساس بحضور الخطر، دون حشر المعنيين برسائله مباشرة في قلب الجحيم، فالقتل ينبغي أن يظل محتجبا في خلفية الصورة، فيما ينبغي تضخيم المبادرات الإحسانية والإنسانية، التي يقتضي الجحيم حضورها. إنها الفرصة النادرة والسانحة التي تتاح لجمعيات المجتمع المدني، من أجل أن تعلن عن حضورها الضروري والحتمي لتلطيف أجواء القيامة، وهو الحضور الذي يتدخل من أجل إخفاء المآسي، التي يجب ألا تكون مكشوفة ومعلنة إلا بمقدار، حيث تحرص الترسانة الراعية للقتل على الاكتفاء بلقطات ضبابية، مستمدة من التقنية الهوليوودية، التي تستثمر مشاهد المجازر، من أجل البرهنة على ما تتمتع به من مهارات فنية، يتداخل فيها جحيم اللقطة بجمالية ملتبسة تؤدي إلى تعطيل آلية الحكم وآلية القرار، لذلك سيكون من السذاجة بمكان، وفي ظل وضعية على درجة متقدمة من الخبث والعدوانية، الاقتصار على الجانب التنديدي، لأن الأمر يتجاوز ذلك، إلى واجب فضح الوجه الجحيمي المحتجب وراء خطابات الحداثة المتوحشة والمستندة إلى رؤية كونية، مسكونة بهاجس تشييد حضارات منغلقة على ذاتها، ومن المؤكد أن الأمر لا يتعلق بالعمى، بقدر ما يتعلق بتواطؤ كوني، حريص على أن يظل القتل حيا يرزق بيننا نحن. وهو تواطؤ يستند إلى رؤية متكاملة وممنهجة، تنسجم مع الرؤية المركزية للعالم، والملحة على الاحتفاظ بذلك الخندق الممتد بين جغرافياتنا، وجغرافيات الآخر، التي على ضوئها فقط يمكن تصريف إشكالية التسامح، والحوار الحضاري. ضمن هذا المنطق، يمكن القول، إن الإمعان في فتح جبهات قتل جديدة، هي الصيغة الأكثر حضارية، والكفيلة بالتخفيف من جحيم القتل، المعربد في النقط المتفرقة على جغرافياتنا، مع التأكيد عبر المنابر الكونية، بحتمية استمراريتها، لآجال غير محددة، بما يعني أنها ستكون مفتوحة على كل تجليات القتل، الشيء الذي سيحفزنا على النسيان المؤقت لمحارق المكان، كما سيساعد على تعميم المأساة، وتكسير حالة الملل، وبالتالي، إسدال ستار كثيف، على محفل التآمرات، كي تظل خيوط اللعبة مختلطة تماما، حيث لا مجال للملاحظ بأن يفهم، يفسر، أو يؤول. الشيء الذي يوحي بحضور استراتيجية تآزرية، في استحداث كافة الشروط، الكفيلة بإطلاق شبح القتل من قلب الجحيم، باعتبار أنه، ومنذ فجر تاريخ الإبادات، نادرا ما يحضر منفردا، بل محفوفا بخليط من الأضداد المتنافرة، بحكم أن الفريسة ينبغي أن تكون مطاردة بأكثر من فك، وبما لا حصر له من المخالب والأنياب، وبأكثر من قتل، حيث كل شاهد يمتلك مبرره الخاص والشخصي، كي يندمج تماما في طقس القتل.
إن طبيعة الذاكرة المركزية، تتسم باحتفاظها بشحنة كبيرة من العدوانية، في تَحَيُّنها لفرص الانتقام الحضاري، وبالتالي فإنها توظف مجموع ما تراكمه إمكانيات حداثاتها، من أجل المجاهرة بنزوعاتها الهمجية، لأن الجانب البدائي والغريزي، وليس الإنساني، يظل حاضرا ومهيمنا على آلية اشتغالها بدل العقل، بمعنى أن الحداثة هنا، على الرغم من تحولها إلى جهاز آلي، يقوم بهيكلة البنيات الذهنية، والفراديس الاصطناعية، إلا أن هذه الأخيرة، لا تلبث أن تتحول إلى أكوام من القش، حالما تتطاير شرارات الاختلاف والتناقضات الأولى، خاصة بين الحضارات المتباينة، من حيث مرجعياتها العقدية والثقافية. إن اللاوعي الجمعي لدى الشعوب المصنفة عادة خارج منتدى الحداثة، وفي شقه المخلص لخصوصية لا تعدم هي أيضا غموضها، يظل يقظا ومتحفزا، ضد كل أشكال التنميط والتهذيب، وإعادة البناء، التي تقوم بها الحداثة، أو التي يُخيل لها أنها تقوم بها، كي يعلن عن حضوره، الذي يمكن أن يكون على درجة كبيرة من الاحتقان، المفجر لحالة من التمرد، ومن العصيان الموجه لما يمكن اعتباره ترويضا، أو تدجينا. كما أنه شكل من أشكال إعادة ترتيب المشهد، على ضوء ما يجب مراجعته، وما يجب إعادة النظر فيه، وعلى ضوء تدارك أخطاء، كانت تبدو طبيعة في سياق تاريخي ما، وكذلك على ضوء ملابسات قد يعود بعضها إلى نداء ثأر قديم، أو تفاقم الإحساس بالقهر بالهيمنة بالاستغباء، واستغلال، ربما أيضا بفعل تدارك خطأ التفريط في الهوية، اكتشاف حالة من حالات النصب، عودة الوعي، خيبة الأمل في أوهام خلاص ما. علما بأن الاضطرابات، تظل قائمة في قلب الوعي الجمعي، سواء بالنسبة للمراكز، أو الهوامش. إن هذه الاضطرابات، دائمة الاشتغال في خلفية المشاهد الحضارية، وشبيهة بتلك الهزات الخفية، الناتجة عن التفاعلات الجيولوجية، إنها تحدث باستمرار دون أن يشعر بها أحد،ُ عدا العاملين في قلب مختبرات إعادة تصنيع الهويات والتحالفات والصراعات، والتناقضات، فهم على دراية تامة بتداعياتها الخفية على الأفراد والجماعات، باعتبارها مؤشرات لهزات أو زلازل نموذجية، كما أنهم يعتمدونها في وضع استراتيجيات استباقية، بهدف الحد من خطورتها، هذه الاهتزازات، هي مصدر القلق المؤرق لمشاريع الحداثة، لأنها مؤشرات موضوعية على الحضور الدائم، التلقائي والعفوي، لذلك النوع الإنساني الذي تحلم الحداثة عبثا، باستئصال جذوره، قصد التخلص منه إلى الأبد، من خلال تطويقه الرحيم، بكل أشكال القتل والتقتيل.

٭ شاعر وكاتب من المغرب

صورة القتل في منتديات الحداثة

رشيد المومني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية