بدأت حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) أمس مؤتمرها السابع في مدينة رام الله، وهو الاجتماع الذي تقدّم فيه هذه الحركة، التي لعبت دوراً مركزياً في مسار الشعب الفلسطيني منذ تأسيسها عام 1965، برنامجها السياسي ورؤيتها الحاليّة والمستقبلية للتعامل مع التحدّيات الكبرى للقضية الفلسطينية، وعلى رأسها طبعاً التعامل مع إسرائيل، إضافة لإعادة ترتيب البيت الداخلي وانتخاب قيادات جديدة تقود المرحلة القادمة، والتعامل مع قضايا تهدد وحدتها الداخلية، وكذلك خطتها لجسر الفجوة السياسية القائمة بين الضفة الغربية وغزّة التي تديرها حركة «حماس».
يمكن القول إن التحدّي الأول الذي تواجهه الحركة يتعلّق بالمسار السياسي الذي ستتخذه وخصوصاً ما تعلّق منه بالاستعصاء الفلسطيني الراهن فيما يخص التسوية السياسية ومجابهة الاستيطان والتحجيم وأشكال العنصرية والقمع الإسرائيلية العديدة، وصولاً إلى إعلان الدولة الفلسطينية المعترف بها أممياً.
التحدّيات الأخرى هي من طبيعة داخلية، وتتمثل بالجدل القائم حول علاقة الحركة بمنظمة التحرير الفلسطينية، من جهة، وبالسلطة الفلسطينية، من جهة أخرى، ويدخل في جملة هذه التحدّيات المثيرة للجدل ما تتعرّض له الحركة من ضغوط تعكس توازنات إقليمية وعالمية وفي صلبها طبعاً، قضية دحلان وأنصاره داخلها والتي سمتهم الحركة بـ«المتجنحين».
لقد واجه المؤتمر بعض الاحتجاجات ذات العلاقة بهذه الإشكالية الفتحاوية بعد طعن نوّاب وأعضاء من الحركة في شرعيّة المؤتمر السابع واتهام القائمين عليه بمخالفة نظامه الداخلي بعد منعهم من حضوره، وقد طال هذا المنع كوادر على خلفية علاقتهم بالقياديّ محمد دحلان، الذي فصل من اللجنة المركزية لحركة فتح عام 2011 وفشلت مبادرات داخلية وعربية في إعادته للحركة، والواضح أن المؤتمر قد حسم أمر هذه الإشكالية باتجاه إقصاء هذه الشريحة مهما كلّف الأمر، ومقاومة الضغوط ورفض التدخل الخارجي بالشؤون الداخلية للحركة، والتمسك باستقلالية القرار الفلسطيني.
وإذا كان الأمر استتبّ للمؤتمرين وقيادتهم في هذا الشأن، فإن التحدّي الذي تمثّله حركة حماس، يبقى ماثلاً ولا يمكن حله إلا من خلال تبني مبدأ الشراكة في العمل، سواء في صفوف منظمة التحرير الفلسطينية، أو ضمن تواجدها الشعبي الفلسطيني، فحماس تبقى الطرف الرئيسي الذي ينافس «فتح» والذي يتحكم بالسلطة في قطاع غزة، كما يقدّم نفسه باعتباره خصماً أيديولوجياً، يواجه براغماتية «فتح» السياسية وعلمانيتها، بإسلامية «حماس» و«تصلّبها» السياسي، فيما يخصّ قضايا التسوية وأساليب الصراع مع إسرائيل.
وبغض النظر عن طرق استجابة الحركة والحاضرين للمؤتمر لكل هذه الأسئلة المعقدة فلعلّ أكبر التحدّيات التي تواجهها «فتح» هو تحدّي الهويّة التي شكّلتها باعتبارها حركة تحرر وطني وحركة شعبيّة تضمّ تيّارات سياسية متنوّعة تواجه أحد أشرس أشكال الاحتلال والاستيطان، وتجمع في داخلها جذوة المقاومة العربية وهو ما جعلها محط استهداف ليس من إسرائيل ومشروعها فحسب، بل كذلك من بعض الأنظمة العربية، التي حاول بعضها السيطرة على قرارها أو محاربتها واستئصالها، أو تحويلها من حالة ثورية عامة إلى فصيل كبير مكلّف بتشغيل مؤسسات وإدارات.
يعكس المؤتمر السابع للحركة المسار المتعرّج لهويّة «فتح» ويعلن عمليّاً عن وصولها إلى محطّة فاصلة جعلتها، وخصوصاً بعد استقرار قياداتها ضمن أطر السلطة الفلسطينية وكوابح أوسلو والاتفاقات المرعيّة دولياً، في طور الحزب الحاكم المنهمك بإدارة الآليات الهرمية للإدارة الفلسطينية من دون أن يستطيع نسيان جذوره كحركة ثورية ألهبت مشاعر الملايين ودفعت عشرات آلاف المتطوّعين الفلسطينيين والعرب للتطوّع في صفوفها، مما جعلها أيقونة للنضال الثوري في كل العالم، فكان فيها أو تحت أجنحتها الياباني والأرمني والكردي والألماني والأمريكي والفرنسي وحتى اليهودي المعادي لإسرائيل.
هذه لحظة للعمل، ولكنّها أيضاً لحظة للاستذكار، وهو ما يدفعنا، بدورنا، لاستذكار جملة شاعرنا الكبير محمود درويش: ما أكبر الفكرة ما أصغر الدولة!
رأي القدس