«عكا في صور»… استحضار الماضي لترميم الحاضر

حجم الخط
0

الناصرة : «القدس العربي»: «عكا في صور» معرض فريد للصور الفوتوغرافية تشهده مدينة الجزار وظاهر العمر داخل مدرسة المنارة، في مبادرة الباحث في التراث، نظير شمالي، وهو يرسم ملامح المدينة بكل ما فيها في الفترتين العثمانية والانتدابية.
والمعرض قوته ببساطته وبتعاون أهالي المدينة، فهو أكثر بكثير من صور فوتوغرافية تجسد قيمة جمالية، لأنه محاضرة صامتة ومعبرة عن تاريخ واحدة من أبرز وأعرق المدن الفلسطينية. الصور تستحضر أعلام المدينة، معالمها الجغرافية والتاريخية ويكاد بواسطة صور الأسوار والسواحل والأسواق أن يسمع الزائر إيقاع الحياة اليومية وهدير موجات بحر مدينة تعتز بالقول «يا خوف عكا من هدير البحر». ينطوي المعرض الأهلي على قيمة كبيرة فهو يساهم بتوثيق وحفظ ما تهدده الأيام والسلطات الإسرائيلية بالزوال والتزوير فيقدم أمانة للأجيال القادمة لئلا يفقدوا وعيهم وتتشوه هويتهم.
تزدان جدران المدرسة الداخلية بصور ورسومات كثيرة تروي رواية مدينة جمعت حضارات كونية متعاقبة وثقافات حوض البحر المتوسط بين أسوارها. هي رواية الوطن من قبل أن يعصف بها زلزال النكبة، فتحدثك بألوانها المتقادمة بأنها مدينة الفن العمراني وبلد الخطاطين المحترفين والمثقفين والمناضلين. من هؤلاء الخطاط محمد علي البهائي (1853- 1937) الذي خط آيات المسجد اللبابيدي بخط الشكستة (الفارسي) عام 1930 ومن هذه المخطوطات، مخطوطة تآكلت بعض كلماتها تم تصويرها قبل أن تتعرض للتلف خلال ترميم المسجد. ومن أجل تحفيز الطلاب على التواصل مع هذا الموروث الوطني بادر القائم على المعرض إلى طرح مسابقة بين الطلاب ومنح جائزة قوامها مجموعة كتب لمن يسبق في استعادة النص الكامل السليم للمخطوطة. في صورة أخرى يظهر الشيخ محمود اللبابيدي وهو شيخ أزهري ومدرس المدرسة الأحمدية التاريخية في عكا، وهو الذي سمي على اسمه المسجد اللبابيدي أول جامع خارج أسوار عكا. كذلك يوثق المعرض بالصور الخطاط والرسام المعروف شفيق عبد الله عاصي من أبريل/نيسان 1948.
بطبيعة الحال تكثر الصور الموثقة لمسجد الجزار الذي بات الهوية المعمارية للمدينة، وفي واحدة من الصور يطل محراب الجزار ونحتت فيه الآية «كلما دخل عليها زكريا المحراب». علاوة على مساجد أخرى منها صورة تظهر المنبر الرخامي لمسجد ظاهر العمر في ساحة الكراكون قبل انهياره.
بكامل بهائه ووقاره يطل عبر صورة نادرة الشيخ عبد الله بن شعبان الجزار (1855-1939) وهو شيخ أزهري خطيب مسجد الجزار وقاضي المحكمة الشرعية في عكا ولاحقا مفتيها. ولجانبه بصورة خاصة من 1936 المعماري العكي المعروف الراحل إبراهيم اللحام أبو خليل معتمرا الطربوش الأحمر مرتديا زيه العربي التقليدي.
وفي ناحية العمارة يشمل المعرض ذو القيمة الثقافية والتربوية صورا للفن المعماري بكل أشكاله منها صورة سقف مزخرف من الفترة العثمانية تتبع لقصر «الست فاطمة» من بناء سليمان باشا العادل في منشية عكا. وينبه القائم على المعرض الباحث في التراث نظير شمالي إلى أنه بادر بنفسه لالتقاط الصورة هذه قبل سنوات لتوثيق القصر المتداعي. وبمجال العمارة توثق صورة أخرى بيتا جميلا صاحبه الياس الطوبي وهو من أوائل البيوت المبنية خارج أسوار البلدة القديمة خلال فترة الانتداب، وهو بالمناسبة زوج الكاتبة المعروفة أسمى طوبي. وتستعيد الصور ملامح عكا القديمة وأسواقها، بما في ذلك المهن المنقرضة كصانع الأدوات المعدنية من 1935. وتظهر صورة تاريخية حلاق البلدة القديمة الأبرز خليل حماتي أبو حنا وهو شاب وسيم وبجانبها صورة ترمز لخصوصية مدينة الميناء العتيقة، وهي لشيخ ينسج شباك صيد الأسماك في ميناء عكا عام 1940. وبسيرة البحر تكشف رسومات من 1881 عن بناء وإصلاح القوارب وصور أخرى للمدينة تظهر بقببها وجوامعها وكنائسها وأبراجها التاريخية من خلفها شقيقتها حيفا على سفوح الكرمل من 1940 وكيف لا.. صورة لفتيان عكيين يقفزون بشجاعة من الأسوار لبحر عكا وهي عادة مستمرة حتى اليوم تستوقف زائريها وتدهشهم.
ويشمل المعرض صور شخصيات فلسطينية مهمة من عكا ربما يكون أبرزهم الطبيب أنور الشقيري الذي قتل غدرا في 1939 وهو نجل الشيخ المعروف أسعد الشقيري وشقيق أحمد الشقيري الرئيس الأول لمنظمة التحرير الفلسطينية. وتفتح صور أخرى نافذة على عملية التربية والتعليم في عكا الفلسطينية قبل احتلالها يوم كانت تعتمد كتابا من الوطن العربي. تظهر صورة كتاب «مجموع الأدب في فنون العرب « لناصيف اليازجي والكتاب بملكية الطالب شفيق عزام في مدرسة عكا الثانوية للبنين من 1947.
وتوثق الصور الموتى أيضا كضريح رخامي داخل مقبرة الشيخ مبارك مرصع بمنحوتات وكلمات نحتت بالخط الثلثي الدائري تقول :»وقل رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين».
وعن الأهداف يوضح الباحث نظير شمالي لـ«القدس العربي» أنه تطلع لدعم التوثيق بالصورة المرئية لتعزيز الذاكرة السمعية والمقروءة وإتاحة الفرصة لمتابعة تغيرات ملامح أماكن المدينة وتوثيق والملامح البشرية التي غابت عن الذاكرة. وعن التفاعل مع الجمهور قال شمالي « كنا نلمس تفاعل الناس مع الصور المعروضة فهناك من تعرف على صورة أبيه أو جده أو أحد أقاربه أو جيرانه وراح يسرد للحاضرين ما وعته ذاكرته من ذكريات جميلة عن البشر والحجر». لافتا إلى أن هناك كثيرين ممن التقطوا الصور المختلفة من المعرض تفاعلا معها ورغبوا الاحتفاظ بها وهناك من راح يناقش الآخرين حول هويات الشخصيات والأماكن المعروضة في الصور المختلفة، وهناك من أظهر حسرات على زمن جميل مضى وولى».

«عكا في صور»… استحضار الماضي لترميم الحاضر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية