الحرب أولها كلام

حجم الخط
1

تمر السياسة الدولية حاليا بتحولات جذرية لها ما بعدها. ومن يطلع على الأدبيات السياسية التي أخذت تظهر في الغرب على ألسنة النخب السياسية، التي صعدت إلى قمة السلطة في الآونة الأخيرة، يصيبه الرعب من هول ما يقولون ويفعلون. فهذه النخب تهدد بتقويض التفاهمات والأسس التي وضعتها دولها، المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، وسار عليها العالم منذ ذلك الحين. وهي الأسس التي حفظت تماسك ما سُمي بـ «المجتمع الدولي» خلال السبعين عاما الماضية، وحالت دون نشوب حروب شاملة، سبق وجلبت الويل والدمار للبشرية، نتجت عن سياسة الجشع وحب السيطرة.  
في أمريكا، يقول الرئيس المنتخب دونالد ترامب أنه سيسعى إلى أن «يعيد لأمريكا عظمتها». وفي بريطانيا، التي قررت للتو الخروج من الاتحاد الأوروبي، أعلنت حكومتها بكل صراحة عن نيتها العودة إلى ماضيها الاستعماري، بعد أن عبر الانكليز عن نزعتهم الانفصالية عن أوروبا. وعليه نجد أن لغة الخطاب السياسي لديهم قد تبدلت تماما، لتتماشى مع التوجه الجديد. وغابت لغة «نحن في أوروبا» وحلت محلها لغة «نحن في بريطانيا». فقبل أيام تحدثت رئيسة وزراء بريطانيا، تريزا ماي، أمام حشد كبير من رجال الأعمال الانكليز والقطاع الخاص، في كلمة حددت فيها بوضوح ملامح السياسة المستقبلية الجديدة لبلادها. استهلت حديثها بالإشارة إلى حجم التغييرات التي شهدها العالم، خلال عام واحد فقط، أبرزها قرار خروج بريطانيا من الاتحاد، ثم انتخاب ترامب رئيسا للولايات المتحدة. 
قالت ماي أن بلادها تهدف من وراء ترك الاتحاد الأوروبي إلى تعظيم دورها الاقتصادي في العالم، موضحة ان عضويتها في الاتحاد، منذ 43 عاما، حالت دون جلب المكاسب للبلاد، فاصبح الخروج هو الحل الوحيد أمامها كي تحرر سياساتها الخارجية، فتكون قادرة على استخدام قوة وحجم اقتصادها لتنطلق مجددا تجاه باقي العالم، وتتعامل مع «حلفاء قدامى وشركاء جدد». والملفت ان ماي أشارت إلى ان بلادها «ستستعمل الحريات» الجديدة لـ «تفرض شروطها» في تعاملاتها التجارية من الآن فصاعدا، خدمة لـ «كل المملكة المتحدة»، في إشارة لها مغزى إلى الأقاليم التي تتكون منها البلاد، وأهمها اسكتلندا التي تتطلع للانفصال عنها.
تحدثت ماي بكل صراحة عما تهدف إليه بلادها بعد التحرر من قيود الاتحاد وقالت أن «أساس المسألة هي زعامة بريطانيا في العالم، بالقوة الغليظة وبالقوة الناعمة». وهذا يشير إلى شيء واحد فقط وهو انها تتصور ان بلادها تريد أن تتزعم العالم ولا مانع لديها من اللجوء إلى استخدام القوة العسكرية لتحقيق ذلك. وهي نفسها كانت قد قالت من قبل أمام البرلمان أنها لن تتردد في استخدام السلاح النووي إذا لزم الأمر. 
وهذا هو الجانب المرعب في الأمر، ألا وهو التلويح بشن الحروب الشاملة، وهذه لغة لم يسمعها العالم منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية إلى يومنا هذا، سيما وان بريطانيا نفسها كانت من بين القوى المنتصرة التي وضعت أسس التفاهمات الدولية، الذي حال دون نشوب حروب شاملة مدمرة. وقد جاء الزمن الذي تنسحب فيه من هذه التفاهمات، وتتخلى عن سياسات اتبعتها على 70 عاما. 
اتسمت نبرة ماي بالتعالي قائلة أنها «واثقة في مواجهة التحديات» المقبلة، وكررت أكثر من مرة ان «بريطانيا تستطيع ان تكون في مركز القيادة» للعالم. ان سعي بريطانيا لتصبح زعيمة العالم مرة أخرى، والدولة الأولى فيه، سيضعها حتما في مواجهة مباشرة مع الدول الكبرى الأخرى، وأولها الولايات المتحدة التي تقول عن نفسها انها هي الدولة الأولى في العالم، ونجد رئيسها المنتخب يعلنها بصراحة أنه قادم ليعيد أمجاد بلاده و»عظمتها». وعليه ستجد بريطانيا نفسها وجها لوجه أمام قوى عالمية لا توافقها الرأي. وهذا سيعيد الأوضاع الدولية إلى المربع الأول، من تنافس على الثروات، تنجم عنه مواجهات وحروب، تجلب معها الويلات للبشر أينما كانوا. 
لقد خلت كلمة ماي من تعبيرات اعتادت أذان الناس أن تسمعها حتى عهد قريب، مثل «التكامل» و»السلام العالمي» و»استقرار العالم وأمنه» وغيرها، وهي تعبيرات كانت تدل على إبقاء أوضاع العالم كما كانت. وكان إذا تجرأ أحد على طرح فكرة تمس، من قريب أو بعيد، تلك التفاهمات العالمية، كانت الدول الكبرى وأذرعها تسارع إلى رميه بكافة أنواع التهم، أقلها التطرف، وزعزعة الاستقرار العالمي وتهديد السلام. وها قد جاء وقت يفعلون هم فيه ما كانوا يحرمونه على غيرهم. 
ختمت رئيسة وزراء بريطانيا كلمتها باستنهاض همم رجال الأعمال الانكليز الذين كانت تخاطبهم وقالت: «بصدارتنا وزعامتنا سنضمن الازدهار لمصالحكم التجارية، ونجاح بلدنا، ومستقبل العالم، الذي سنتركه لأبنائنا. لذلك، دعونا ننتهز هذه اللحظة، ودعونا نحقق هذا معا». لا أدري عن أي عالم تتحدث؟ وما هو شكل العالم الذي تتصور أن تورثه للأجيال المقبلة، بعد أن تكون قد حلقت في سمائه الصواريخ النووية العابرة للقارات، وأسلحة الدمار الشامل؟ أي عالم تتخيل ماي أن يبقى بعد ذلك؟ 
الخلاصة إذن، اننا نسمع كلاما واضحا فيه دعوات مفتوحة للحرب. تبدل الخطاب السياسي، مع مجيء حكام جدد، يوصفون بالتطرف وبأنهم دعاة حرب، أثار حالة رعب اجتاحت العالم. حتى إسرائيل ربيبتهم عبرت عن قلقها من وقوع حرب عالمية نووية ثالثة، وخرج فيها من يدعو لإيجاد ملاجئ للاحتماء من السلاح النووي. وقديما قال الشاعر: 
أَرَى خَلَلَ الرَّمادِ وَمِيضَ نَارٍ … ويُوشِكُ أَنْ يكُونَ له ضِرامُ
فإِنَّ النَّارَ بالعُودَيْنِ تُذْكَى … وإِنَّ الحَرْبَ أَوَّلُها كَلامُ
وإِنْ لَمْ يُطْفِئهَا عُقَلاءُ قَوْمٍ … يكونُ وقودَهًا جُثَثٌ وهامُ
فهل بقي في العالم عقلاء يطفئون نار الحرب؟
محلل سياسي

الحرب أولها كلام

داود عمر داود

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية