بين الشعر وردّة الفعل

حجم الخط
1

الشعر أساليب ومشاهد مختلفة بين التيّارات الشعرية السائدة في الوطن العربي عامةً وفي فلسطين خاصةً وفي كلِّ حدثٍ يحدثُ إن كان مباشرةً أو بعد حينٍ منهُ، نقرأ ردّة الفعل الشعرية اتجاه ما يحدث دائماُ، ومن هذه الردّات الفعل الشعرية، إن صحَّ التعبير، هناك أساليب شعرية سائدة كثيراً لدى الشعراء، هي الشعرية الارتجالية المباشرة التي تقول الحدث بشكلٍ علنيِّ مباشر، دون الميل إلى الرمزية أو الإيحاء الفنّي المطلوب في الشعر.
وَمنهم من يدَّعي بأنّهُ يؤمن بهذه الشعرية التي لا تبالغ ولا تسلك طرق الصعوبة والتفكّر في الشعر كثيراُ بالضرورة، بل إنّها تطيع الحدث وتجسدهُ بسلامة شعرية وسرعة التقاط الصورة المباشرة، هذا السائد في الرداءة الشعرية والمسبب الرئيسي لتراجع دور الشعر على صعيد السمو الإنساني وأداته التعبيرية التي ابتكرها الإنسان منذ القدم لحث البشرية على التوقف عن الحروب والسلطة والمال والصراعات الشخصية، ليست هذه الأداة التي وصلت إلى هذا الحد من التصلّب في شرايين الواقع وإطاعة الوحش أو التوحّش أكثر منهُ حين تكون ردّة الفعل بالشعر على ما يحدث، كيف يستطيع الشعر أن يأخذ مكان القاتل والمقتول في آن؟ أو يساوي بين الضحية والجلاد ، من هنا يجب على شعراء هذه الشعرية التي ذكرناها في البداية أن يجيبوا على هذه الأسئلة التي شوّهت دور الشعر الحقيقي ووضعتهُ في محنة أخرى هو بريء منها، ولا ذنب له. إذن هناك فرق بل فروق بين الشعر وردّة الفعل الشعرية، وهناك اختلاف واضح بين شعراء التأمّل والتفكير بوعي فنّي من أجل الإبداع ، وبين شعراء المناسبات والأحداث التي تسير بسرعة الزمن وعلى إيقاع القتل الذي لا يتوقف عن صناعة هذا الحدث، لا أقصد هنا أنّ شعراء التأمل المطلوب منهم الإنسلاخ عن الأحداث التي تدور من حولهم وعن الواقع المعاش، لأنّهم لا يستطيعون فعل هذا، لأنّ الشعر لا يقبل تجسيد واقع غير معاش، ولكن يجب التمرّس على اصطياد الفكرة التأملية من الحدث وإعادة صياغتها التخيّلية كما يليق بالضحية ودعوة الجلّاد إلى إعادة النظر بما فعل وما ارتكب بحقّها، هذا هو دور الشعر كسلاح ذو حدّين.
اتهم محمود درويش بأنّهُ خرج من شعر المقاومة والإخلاص للقضية في شعره لأنّهُ لم يكمل مديحهُ الظلّ العالي، ولأنّهُ تخلّى عن «سجل أنا عربي»، هذه عند فئة من المثقفين والنقّاد والشعراء، ولكن الشاعر صرّح أكثر من مرّة بأنّ الشعر يجب أن يتطوّر ويجب تتسع آفاقهِ نحو التأمليّة والرمزية الفنيّة التي تعطي الشعر حرية أكبر ومعانٍ أوسع، تجربة درويش وهذه القفزة النوعية بين ماضيه وما توصّل إليه مؤخّرا ، نرى بأنّ ما كتبهُ بعد «أحد عشر كوكباً» حتى «لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي» كان الوطن مسكونا بمساحة أوسع في شعره ، كانت فلسطين لها صورتها الحقيقية وطبيعتها الحسية الجميلة والجديدة، ولكن كان أجمل ما في شعره هو التفكّر والتأمل في حيثيات الصور والمشاهد الرائعة والمبتكرة، وفي الوقت نفسه ليست غائبة عن الواقع العربي الراهن، وما وصلت إليه القضية الفلسطينية.
إذن ، تظل هذه الفروق قائمة بين الشعرية التي تؤشعر الموقف وبين الشعرية التي تكون فقط ردّة فعل لا أكثر ولا أقل، مباشرة/صارخة /عفوية /سلسة /سهلة، لكنّها خالية من الشعر. كيف ينتصر الشعر على اللاشعرية هنا في زمن الحروب والموت؟ في زمن الحاجة إلى الشعر الحقيقي، والشعراء يمرضون إذا لم يمر حدث دون استغلاله بالتشهير والادّعاء، والبعض منهم يكتب عن الحدث قبل وقوعه، أو مجرد سماعه خبرا توقع حدوثه، هل هذا هو الشعر؟ بعض الشعراء يرى ردّة الفعل الشعرية تحريضا على المقاومة التي تتطلب شعرية مباشرة وغاضبة، وهو ليس صحيحاً ما يقولون من جهة نظري، لأنّ كل قصيدة فيها جماليّة شعرية هي قصيدة مقاومة، إن كانت قصيدة حب هي قصيدة مقاومة، «أليست فلسطين أنثى جميلة أيضاً؟» وإن كانت قصيدة تُجسّد يوميّات الشاعر هي قصيدة مقاومة لأنّها تعبّر عن حرية انسانية، والحرية أيضاُ مقاومة. الجمالي دائماً يقاوم البشع في الحياةِ، ولا يمكن أن يتساوى معهُ، وَعدوَّنا وحش ولا يريد منّا إلّا أن نكون وحوشا مثلهُ ونأبى ذلك ويأبى الشعر ذلك.
الشعر لا يفسَّرُ ولا وصف واضح له، هو ذاك الشغف وتلك الدهشة، ذاك الإيقاع وتلك القشعريرة، نداء الجسد للروح، إذا لم يبلغ العمق يَظلُّ عائماُ على وجه الماء، وإذا لم يشتعل ناراً في موقد الأحلام يتحول رماداً تذروه الرياح.
لا نكتب الشعر كي نكتب الشعر، بل نكتب الشعر كي نولد من جديد، كي نعالج فكرة الموت بالجمال كشرط من شروط الإبداع الباقي. الشعرُ حيٌّ فلا تدفنوه، أطيعوا نبضهُ وثقوا بتجدّده وحداثتهِ وموعدهِ مع الحياة دائما، ثقوا ببساطتهِ وسحرهِ في آن، لا لون لهُ، جماله في ثقل معانيهِ.

٭ كاتب فلسطيني

 

بين الشعر وردّة الفعل

باسل عبد العال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية