لندن ـ «القدس العربي»: غرقت وسائل الإعلام التقليدية وشبكات التواصل الاجتماعي في مصر بالتعليقات حول فيلم وثائقي لقناة «الجزيرة» هو الأول من نوعه يتناول الجيش المصري ويحمل اسم «العساكر» حيث أشعل الفيلم حالة من الجدل على الانترنت وفي وسائل الإعلام بمجرد إعلان القناة نيتها بثه وقبل عرضه على الهواء.
ويأتي هذا الفيلم الوثائقي في الوقت الذي تحاول فيه وسائل الإعلام المصرية تكريس ما يُشبه حالة «القداسة» على الجيش وتحريم انتقاده أو التعرض له، كما تحاول تبرئة الجيش دوماً من الأزمات التي تتعرض لها البلاد، وتقوم بإظهاره على أنه المنقذ والمخلص لمصر من كل مشاكلها.
ويروي الفيلم الوثائقي «العساكر» حكايات من داخل صفوف القوات المسلحة المصرية والتجنيد الإجباري في مصر، كما يحتوي شهادات لأشخاص تم تغيير أصواتهم خوفاً عليهم من الملاحقة القانونية إضافة إلى مشاهد أرشيفية متعددة، من بينها لقطات من التلفزيون المصري ذاته. وبدأ إنتاج فيلم «العساكر» قبل أكثر من عام تقريباً، بعدما أثيرت قصص عديدة عن المعاملة السلبية والسيئة للجنود في الجيش المصري.
ومن المعروف أن التجنيد في مصر إلزامي للذكور، ومن يحملون شهادات عليا يقضون 13 شهراً في الجيش، أما من يحملون شهادات متوسطة فيقضون سنتين، ومن لا يحملون أي مؤهل دراسي فيقضون 3 سنوات بشكل إلزامي في الجيش.
القنوات الفضائية
واستنفرت القنوات الفضائية المصرية من أجل مهاجمة قناة «الجزيرة» التي أنتجت الفيلم، والتقليل من شأنه، وبدأت وسائل الإعلام المصرية التشكيك في الفيلم واتهامه بالفبركة منذ بث الدعاية له وقبل عرضه على الشاشة، فيما انشغل الكتاب في الصحف والمجلات والمواقع الالكترونية بهاجمة الفيلم وقناة «الجزيرة» التي أنتجته والهجوم على دولة قطر التي تمتلك القناة.
وجاء أغرب الردود على الفيلم من قبل الإعلامي المصري المثير للجدل جابر القرموطي الذي يُقدم برنامجاً على قناة «العاصمة» حيث دخل إلى الأستوديو بالزي الذي يرتديه المجندون المصريون في الجيش، ثم قام بدهس لوحة كان قد أعدها سلفاً وعليها شعار قناة «الجزيرة» ووقف بالبيادة (حذاء الجيش) على الشعار، قائلا: «آخرتك أيه.. هادوس عليك بالجزمة» واتهم دولة قطر بأنها دمرت الجيش العراقي وتريد تدمير الجيش المصري، ثم قام بأداء التحية العسكرية على الهواء للجيش.
وتابع: «أنتم أصلا متعرفوش يعني أيه «وطنية» الفكرة دي معدومة من عندكم، لأن جيشكم كله من أمريكا».
وعلى الرغم من الغضب الشديد الذي بدا على القرموطي، إلا أنه زعم أن الفيلم الذي أنتجته «الجزيرة» لم يهز الدولة المصرية وأن «انتفاضة الإعلاميين» على حد تعبيره، ضد «الجزيرة» دافعها الوحيد هو الحب الشديد للدولة المصرية ولجيشها الوطني.
أما الإعلامي عمرو أديب فعلق قائلا: «أين الإدارة المصرية؟ لازم تجيب حقها لازم يبقى في موقف سياسي واضح لأننا مش جيش مرتزقة، والتجنيد الإجباري في مصر مش سخره لأنها تحمي العالم العربي كله مش مصر بس».
وأضاف خلال برنامج «كل يوم» على قناة (ONE) أن قطر أرادت ضرب الرئيس عبد الفتاح السيسي بالاستهزاء منه لينقلب عليه الشعب المصري، ولكنها فشلت في ذلك، فانقلبت على الجيش المصري، وستنقلب على القضاء قريباً.
ونشرت جريدة «اليوم السابع» تقريرا تحت عنوان «جزيرة الشيطان تهاجم خير أجناد الأرض» هاجمت فيه قناة «الجزيرة» ووصفتها بأنها «الذراع الإعلامي للأسرة الحاكمة في قطر، وأداته للتطاول على الشعوب العربية، وإثارة الفتن، وتنفيذ مخططات أجهزة الاستخبارات الغربية» وزعم التقرير أن الصور واللقطات الموجودة في هذا الفيلم مفبركة.
شبكات التواصل الاجتماعي
وازدحمت شبكات التواصل الاجتماعي بالجدل حول الفيلم الوثائقي، كما صعد الهاشتاغ (#العساكر) إلى قائمة الوسوم الأكثر تداولاً على «تويتر» في مصر لأكثر من يوم بسبب الجدل الذي أثاره الفيلم بين من انتقدوا قناة «الجزيرة» ومن أثنوا على الفيلم لأنه يكشف جانباً مظلماً ومسكوتاً عنه في الجيش المصري.
وهاجم الإعلامي يوسف الحسيني دولة قطر وقناة «الجزيرة» بعد أن عرضت الفيلم، وكتب تغريدة على «تويتر» قال فيها: «فيلم الجزيرة تافه، ويفيد عدم درايتهم بطبيعة الجيوش النظامية في العالم، فيلم مكايدة صِرف، الليلة بالوثائق نقصف جبهة الجزيرة».
وبينما استنفرت وسائل الإعلام المحسوبة على النظام في مصر وأجهزته الأمنية في الهجوم على الفيلم والقناة معاً، فان آلاف المغردين على «تويتر» والمدونين على «فيسبوك» أكدوا صحة ما جاء في الفيلم حسب ما رصدت «القدس العربي» على شبكات التواصل الاجتماعي، وأبدوا تأييدهم لعرضه لأنه يكشف عن جانب لا يريد له النظام في مصر أن ينكشف.
وسخر الإعلامي المصري المعارض لنظام السيسي زين العابدين توفيق قائلأً: «فيلم العساكر أهان كرامة الجيش وأنزله من المكانة العالية التي وضعه فيها سيخ كفتة عبد العاطي».
أما أستاذ الأخلاق السياسية والناشط الموريتاني المعروف محمد مختار الشنقيطي فكتب على «تويتر» يقول: «كنتُ أتوقع أن يركز برنامج #العساكر على الضباط الإقطاعيين الذين امتصوا دماء مصر واستعبدوا شعبها، فوجدته مجرد عرض باهت لمعاناة مجندين مستضعفين». وأضاف: «يستحق الضباط الفسَدة الذين يستعبدون مصر وينهبونها برنامجا أعمق فكرة وأحسن أداء من برنامج العساكر الذي انتهى بثه الآن على قناة الجزيرة».
وكتبت ناشطة تُطلق على نفسها اسم (ربعاوية): «اللي عملوا ضجة على فيلم #العساكر قبل عرضه هيبوسوا إيدهم وش وضهر على إن الفيلم معرضش اللي كانوا خايفين منه يتعرض، فإللي تم عرضه 1٪ من حقيقة الجيش».
وكتب الناشط محمد البخ على «تويتر» يقول: «أنا شفت فيلم العساكر اللي عملاه الجزيرة عن المجندين، وكل كلمة فيه حقيقة وكل حد اتجند أعرفه قال نفس الكلام».
وسخر الناشط أحمد البقري من السيسي بقوله: «السيسي للجزيرة: لو سمحتم من فضلكم أنا عايز إيرادات فيلم #العساكر» أما ناشطة أخرى فكتبت على «تويتر»: «العساكر هو عبارة عن فيلم ولكن ما خفي كان أعظم، ولماذا هذا الفيلم في الوقت ده؟! وسبب هياج إعلام السيسي بهذه القوة!؟ أكيد تبعاته قوية».
ويؤكد محمد فايد أن معاناة المجندين أكبر مما جاء في الفيلم، حيث كتب تغريدة يقول فيها: «أنا لسه مخلص فرجة على فيلم العساكر بتاع الجزيرة، وفعلا المعاناة اللي صورها فيلم «عبود على الحدود» كانت أقسى من اللي اتقال في الفيلم دا».
وقال ناشط آخر: «المشكلة انهم ما أنكروش اللي بيحصل في فيلم العساكر وعارفين انه حقيقي.. الغريب انهم بيبرروا برضو ويقولك طب ما لازم العسكري يتهزأ ده جيش!».
وسخرت ناشطة أخرى من الحملة التي واجهت الفيلم بقولها: «الحل دلوقتي ان الشؤون المعنوية تعمل فيلم مضاد لفيلم #العساكر فيه عسكري بيحتفل بعيد ميلاده وقائد الكتيبه بيأكله في بؤه».
وأضافت: «دولة كاملة بجيش وشرطة وإعلام ومؤسسات أصابها الرعب من فيلم يجسد الحقيقة، هي دي مصر؟ هو ده جيشها؟.. واسفااه».
وكتبت ناشطة أخرى تعلق على الفيلم: «العساكر كان ناجحاً مبهراً ليس لقوته بل لأنه وقف مصر وإعلامها على رجل واحدة من قبل عرض التقرير. أليس هذا إنجازا يدل على مدى هشاشة دولتنا العظيمة!».
وانتهى أحد النشطاء إلى القول: « قناة الجزيرة لخصتلك اللي بيحصل في الجيش المصري من الداخل فى ظل الحكم العسكري من 60 سنة في 60 دقيقة».
يشار إلى أن الكثير من التقارير تتحدث عن أن الجيش في مصر يهيمن على أكثر من 40٪ من الاقتصاد، ويدير امبراطورية اقتصادية عملاقة، فضلاً عن أنه يُهمين على مقاليد الحكم والسياسة والقضاء ومختلف مناحي الحياة في البلاد، كما يعتبر كثير من المصريين أن الرئيس عبد الفتاح السيسي وصل إلى الحكم بانقلاب عسكري أطاح بالرئيس المدني المنتخب محمد مرسي.