القاهرة ـ «القدس العربي»: «فني رغماً عني» انطلقت من تونس مع الارهاصات الأولى للثورة التي اشعلها احتراق جسد البوعزيزي. في سنة 2011 لم يكن هؤلاء الشباب المعبرين عن أنفسهم عبر الرقص والمسرح وفنون أخرى يملكون اسماً، بل كانوا يعرّفون من قبل الناس بـ«الشبان الراقصين في الشوارع». هم خمسة شبان أرادوا المشاركة في الحراك الشعبي من ضمن اختصاصاتهم، وأن يكون لهم أثر إيجابي في مشهد الانتقال الديمقراطي. تعددت وسائل التعبير وآليات العمل، وبقي هدف المجموعة الشبابية واحد وهو نشر ثقافة حقوق الإنسان الكونية. لم يطل الزمن حتى زاد المنضمون إلى «فني رغماً عني» التي اتخذت اسمها هذا سنة 2013. وتوسعت دائرة الاهتمام لتطال اللاجئين السوريين في مخيمات تركيا ولبنان. وكان لفلسطين المحتلة كذلك نصيبها. هذا النشاط المتنامي والفعّال لفت هيئة التحكيم في «جائزة تكريم» في دورتها السابعة، فحصدت «فني رغماً عني» جائزة الإبداع الثقافي التي منحت لها في القاهرة قبل أيام وتسلمها سيف الدين جلاسي كونه من المؤسسين.
في حواره مع «القدس العربي» يقول جلاسي: ثقافة الغناء والرقص في الشارع لم تكن موجودة في تونس قبل الثورة، وإن وجدت فكانت لتمجيد النظام الحاكم خلال المرحلة الانتخابية. بعد الثورة تفاجأ الناس بأن نساء وأطفالاً وشيوخاً يخرجون إلى الشارع ليرقصوا ويعبروا عن مواقفهم بشعارات سياسية. لم يكن فعل الفن في الشارع مقبولاً قطعياً، يعلن جلاسي. ويتابع أن اسئلة طرحت حول علاقة الفنان بالحراك السياسي؟ وهل الفنان معني بهذا الحراك أم عليه أن يكون محايداً؟ يجيب محللاً الموقف: من جهتنا كنا مصرين أن نكون جزءاً لا يتجزأ من القرار السياسي، لأنه سينعكس على السياسة الثقافية للوطن ككل. إنها التجربة التي قررنا الانطلاق منها، وحيالها تنوعت ردة فعل الناس بين مؤيد ومعارض، بين ناقد ومساند. أصرت المجموعة على المتابعة رغم المصاعب التي تعرضنا لها.
بتعداد المصاعب يبدأ جلاسي من الارتجال الذي يعتبر اساساً لفن الشارع، وهو من أصعب المدارس الفنية. يحدد مضايقات الشارع: هي إما من مواطنين أو من السلطة والأمن، أو من أصحاب القرار الذين يرون في نشاطنا الفني تعطيلاً لأجندتهم، لكونها تسلط الضوء على ما لا يرغبون. لاحظ الناس صدق العمل مع كافة الأعمار والشرائح، وهؤلاء تحولوا إلى رأس مال نعتز به. ففي تونس اليوم قاعدة شعبية كبيرة تساند «فني رغماً عني».
نسأل جلاسي عن كيفية استقطاب النساء والكهول، رغم كونه لا يخفي أن الانطلاقة بدأت بالتوجه للشباب. يقول: نحن مجموعة شبابية أبوابنا مفتوحة لكل الناس. وأكرر أن العمل مبني على الارتجال واقتناص اللحظة والفرصة. نزلنا إلى الشارع ورقصنا، وفي الوقت عينه استغلينا تفاعل الناس معنا فكنا نورطهم في اللعبة الدرامية، وبينهم نساء وكهول شاركوا في اللعبة الدرامية بوعي أو من دونه. وفي أحيان قد نستفز المواطن فيُضطر لدخول اللعبة. من معادلاتنا أننا لا نقيس مدى نجاح عروضنا بحجم التصفيق، بل بالاستفزاز وردة الفعل والنقاش الذي يتأسس بعد كل عرض. ننهي عرضنا في الشارع، وبعده نتابع ردة فعل الناس. نراقب نقاشاتهم التي تدخل إلى موضوعات مسكوت عنها، ومنها نقيس نسبة النجاح. والمسكوت عنه هو كل ما يتعلق بالمبادئ الكونية لحقوق الإنسان وكرامة الفرد.
في الموسيقى «فني رغماً عني» منفتحة على كافة التجارب الفنية. فلمؤسسيها ومنهم سيف الدين جلاسي خلفية فنية. المؤسسون خمسة موزعون في تحصيلهم العلمي بين المسرح، والموسيقى، وغرافيك وتصميم والفنون التشكيلية. يرى جلاسي لهذه الاختصاصات أثرها البالغ في تشكيل العرض والتعبير الذي يقدمونه في الشارع. ووصفها بالبانوراما أو الفسيفساء المستندة إلى خلفية أكاديمية. كذلك تمّ توظيف الفن الشعبي في قالب جديد مبتكر، وصورة غير نمطية.
بدأوا خمسة وزاد عدد الناشطين الفاعلين إلى أكثر من 40 شاباً وشابة حالياً. جميعهم يبحر في محيط الارتجال الذي لا حدود له. يلاحظ جلاسي: أن الارتجال قوي عندنا، يبدأ من الانتباه وردة الفعل. فالراقص أو المغني في الشارع ينصهر في الشخصية، ويحاول أن يقتنص اللحظة السانحة لاستفزاز شخص ما كي ينطق بما يدفنه في قلبه وكان سابقاً في خوف من قوله. هذه الملكة في التركيز على سرعة ردة الفعل هو ما نصوب عليه. ولا ننسى وجود الأمن، إذ في كثير من الأحيان نهرب أثناء العرض من الأمن والبوليس، ونلجأ إلى الناس لنختفي. إذاً التركيز على الفعل وردة الفعل هو أكثر ما يضيف للممثل.
كيف الدخول إلى الأحياء الشعبية والفقيرة؟ أما من نظرة ريبة إليكم؟ كيف تُستدرج امرأة مقيدة بخاطرها أو رغماً عنها للرقص أو أي تفاعل تعبيري آخر؟ يقول جلاسي: في الأصل نحن أبناء الأحياء الشعبية فيها كانت نشأتنا. أن نكون من تلك الأحياء فهذا ما سهّل مهمتنا. نحن من هذا المحيط واعتدنا الطفولة القاسية، لهذا كان التواصل سريعاً. هم يفهمون لغتنا ونحن نفهم لغتهم. نحرص للتأكيد بأننا لسنا بفنانين، بل منشطين اجتماعيين والفن وسيلتنا. فالهدف اجتماعي وحقوقي أولاً. خيارنا الفنون والثقافة كوسيلة للتعبير أو أداة للدفاع عن حقوق الشاب والمواطن التونسي.
هل تبدل تعبير المواطنين الذين تلقاهم «فني رغماً عني» وفق آلية متكررة؟ ما هو موقفهم حيال الديمقراطية الجديدة وحقوق الإنسان؟ يرى جلاسي صعوبة في قياس أثر متعلق بالفن. «نحن نهدف لتغيير سلوكيات وتحريك الوعي لتغيير العقول. وهذا صعب قياسه. عندما نكتشف أن قاعدتنا الجماهيرية تتوسع ندرك أننا ننجح في التغيير. عندما يصلنا أن شباباً بالعشرات في مختلف أنحاء تونس يبحثون عن طريق لمشاركتنا، عندها نعرف أن التأثير موجود. فهؤلاء الشباب يؤسسون مجموعات في المناطق الداخلية من تونس ويطلقون عليها اسم «فني رغماً عني». كذلك صارت لنا فروع خارجية وخاصة في مدينة رام الله في فلسطين. «فني رغماً عني» كما الفيروس فهي تصل لكل من يؤمن بالفكرة التي وجدنا لأجلها. هي مجموعة قواعد وكل من يتبناها يمكنه أن يقول بأنه من عائلة «فني رغماً عني» التي تكبر كل لحظة. هي ليست حكراً على أشخاص. ونحن كمؤسسين أو ممثلين أو راقصين نقول أن كل مواطن يمكنه أن يقول أنا «فني رغماً عني». تعرفنا إلى كثيرين انضموا إلينا. آخرون لم نعرفهم ولم نتمكن من الوصول إليهم لكنهم يعتبرون أنفسهم منا. نحن في بحث عن من يتبنى فكرتنا بهدف نشرها وهكذا تعيش «فني رغماً عني».
سيف الدين جلاسي حقق حلمه بزيارة فلسطين، وعبر الجسر مرتين. يقول: نعم حققت حلمي، كما أني تمكنت من زرع البسمة على وجوه الأطفال في فلسطين، وإعادة بث الأمل بالمقاومة والتحرير الآتي لا محالة. في المرة الأولى التي زرت فيها فلسطين كنت وحيداً. وفيها قدمت ورشة عمل في الإدارة الثقافية للمجلس الشبابي البلدي في رام الله. أي كيف يمكن للفنان أن يكون مديراً يبيع ويشتري ويفاوض ويناقش. والزيارة الثانية كانت في آب/اغسطس الماضي، كنا اربعة نمثل «فني رغماً عني» وذلك للمشاركة في مهرجان «وين ع رام الله». وفيه قدمنا عرضين فنيين عنوانهما الشباب ومساندة الأسرى في سجون الاحتلال. تزامن حضورنا مع وجود خيمة الأسرى وكانت لنا عروض أمامها. وكذلك نفذنا جداريات ضخمة في الحارة القديمة في رام الله. وشاركنا في تنفيذ تلك الجداريات سكان تلك الحارة القديمة. مع العلم أننا تلقينا تحذيراً مسبقاً بصعوبة أن يتقبلنا أهل الحارة القديمة المتحفظين والمتوجسين خيفة من أجندات الجمعيات والأجانب الذين يزورونهم. بعد تقبل السكان لنا وقناعتهم بمشروعنا باتوا يتسابقون على ضيافة الشاي والقهوة ومجالستنا خلال تنفيذ عملنا. وجميعهم كان يطلب أن يأتي دور جداره قبل الآخر.
وماذا عن المشاركة في قافلة «العمل للأمل»؟ يقول جلاسي: تلقينا دعوة للمشاركة في قيادة قوافل إغاثة ثقافية إلى مخيمات النزوح السوري. هو العمل مع أشخاص يعانون من صدمات نفسية بحيث يكون الفن واحداً من وسائل العلاج أو بعث الأمل لحياة جديدة. فللفنون دورها في بعث الأمل وتغيير حياة الناس.
زهرة مرعي