«أحلام ماكلوهان» للشاعر المغربي حسن الوزاني: مفارقة المطابقة والانفلات من أسر اللامع والمكرس

 

يتميز كتاب حسن الوزاني الشعري «أحلام ماكلوهان» بسرديه عجيبة منسابة، وسيالة، تقوم بذكاء على المفارقة والضدية لا بالمعنى الأجرومي، بل بالمعنى الفني والجمالي، إذ شَغَفَ الشعر الجديد، الكتابة المفتوحة، من خلال نماذجها الرفيعة، بالمفارقات قصد الإدهاش. لا يطاوله في هذا إلا شغفه بمحاولة بناء وبنينة شعرية مدهشة متحللة، في أكثر مفاصلها وأرساغها من نظام البلاغة القديم، وأنساق الخطابية المقعرة.
الشغف بالمفارقة ـ إذًا ـ يسكن لاَ وَعْي كتابة الوزاني الشعرية، منذ «هدنة ما» بمثل ما يسكن الكتابة الحداثية «الرشيدة» بإجمال، تلك الحداثة التي شرعت ـ منذ عقد ـ في الأقل، تجترح شكلا ومحتوى، ولغة تصييغ وَبَوْح، قوامها فلسفة الموقف الوجودي بما هو وضوح وإلغاز، ملموسية وميتافيزيقا، خواء وملاء، من دون غوص متعالم يطوح بلحظة التصافي مع المتلقي، ومن دون تعال منفوخ، يستوجب رصيدا وحمولة معرفية ليست في طوق الكثيرين لأسباب سوسيو ـ تاريخية، وسوسيو ـ ثقافية، لا مجال للكلام عنها هنا ولو إشاريا، فمقامها في مكان آخر، ويستدعيه مجال مختلف ومغاير.
يحضر في لاَ وَعْيِ، وعلى عتبة الباب الموارب، والمحكي، الشعري بمفهوم تادي TADIE الشك والتوجس والخوف من الفناء المباغت، والتلاشي المفاجئ، والزمن الشخصي الذاتي الذي يمشي بخطو واثق نحو التغضن، واليباس، والدثور:
على
كتفي
الهواء الذي لم يملأ صدر ليلى، والمساء الذي لم يرسم ظل ليلى
والمطر
الذي لم يبلل ظل ليلي
على كتفي
الخواء.
على شرفتي
الهباء.
لكن الفرحة هنا تُتِلْعُ رأسها، وتطفو بكل البهاء كزهرة لوتس على صفحة ماء رقراق مخضل بالكلوروفيل، وبأنفاس الملائكة، فرحة في هيئة طفلة شقية لاهية لعوب، ملتذة بشقاوتها، وبقايا طين وعجين عالق بثوبها، وشعرها المشعت الجميل، ومحيا الشاعر الذي انعجن بها، وانصهر في بوتقة اللغة وهي تقدم حياته مشكلنة ومجسدنة بالميتا ـ لغة، والشعر، وتقاليب وجود ناس كيانيا وحضوريا بين الأمل والألم، والفَرَج واليأس، والحضور والغياب، واليقظة والغفلة، والنجاح العابر، والخسران القائم المبين.
علوق بالحياة هو البؤرة الدالة في الكتاب الشعري «أحلام ماكلوهان» وما يقتضيه العلوق إياه من سعي محموم إلى امتصاص ما بقي من نسغ في جذورها، ومن إكسير، في ضرعها الظاهر/ الباطن، هو الذي لم ينتبه للحياة، وهي تنحسر شبرا في إثر شبر مثلما تنحسر الظلال وقت القيظ في غفلة من الشاعر، وفي لحظة إغماضة دعت إليها وعثاء الحياة، والطواحين المختلفة التي ليست، بالضرورة دونكيشوتية، والتي ما انفك يصارعها ويقارع أشباحها الروَاغة، دافعا عنه أشكال الحروب، وأضرب الأقنعة، و»أفاعي الفردوس»: «ثم إني لم أنتبه كثيرا للحياة/ لم أجالس طويلا الصبي الذي كُنْتُ/ قرأتُ كتاب الرمل/ ونَسِيتُ أن أقرأ خطوط الموت على كفي/ زرت عدن، الأطلسَ، الصحراءَ، مغاراتِ الأرض/ ونسيت أن أزورَ نَفْسي».
ثم يقول: «لن تغفر لي نفسي/ أنني لم أنتبه للعمر يمضي وحيدا/ نحو شيخوخته/ أني آخيت الموتى/ وأعلنت حروبا على أعداء/ لم يوجدوا أبدا».
إيقاع العمل الشعري قلق، رجراج، ميلودرامي، والوزاني يلاقي ماكلوهان في المتاه الذي أصبح علبة، في الكون الذي أصبح قرية في حجم الكف بفعل وسحر التكنولوجيا فائقة الدقة والبطش. أصبح علبة لكنها علبة «بندورا»، وليس علبة ماكلوهان، ما أن تفتحها حتى تتناهشك الأفاعي، ويسومك سمها الداء الوبيل، والعذاب الذي لا سبيل إلى تطفيفه:
أنا سليل برج الدلو
أقيم ككائن أليف بقرية الكون
حيث الأشياء صديقة لأضدادها
أستند
إلى جبل العدم
كي أطل على أحلامي
وهي تخفت كغيمة شاردة.
لقد انعلن الوزاني شاعرا قادما بعُدَّة الدرويش والجوال، والمزمار في فمه، وقبضته الشعرية مشرعة على الوطيس الإبداعي فيما هي تطلب «هدنة ما»، ريثما تستجمع أنفاسها، وتستعيد كامل وهجها وبهائها لتعصف بالنعومة المزيفة كلها، وتقول حضورها البدئي الحازم عبر لغة سَاوَتْ ومازت ـ في الآن ذاته ـ بين المبني والمقوض، أي بين الناجز الشاخص الناتئ، وبين المحفور، الكامن، المضمر والمحدث.
يضع العمل الشعري الجميل الجديد للوزاني المعنى المحبوك والدلالة المشروكة الموطوءة في محنة، إنه يُضَيَّق عليها من أجل أن يفسح لمقول أناه الشخصي، وثري تحولاته وانعطافاته، سانحةَ التجاذب والتنابذ بين الجسد والروح. الجسد بما هو موطن العذاب واللذة، وانْوِشَام الزمن الآبق المتصرم، وبما هو تمظهر لغوي مادي صلصالي. والروح من حيث هي ماهية وجوهر، وعلة معلولة، وبما هي عقل الجسد المساير، والساعي إلى إرباك العلاقة إياها بسطوة وحرير التخييل، ونقض الانسجام والتوافق، والتواؤم المرآوي /المرآتي الانعكاسي. وحالما تتحقق المطابقة المفَارَقَة، والمفَارِقة المنجذبة جهة المطابقة، تَنْسَرِد السيرة المسطورة و»المعطاة»، ويتشكل الشعر الخالص بوصفه نياحة سوداء، وفرحا أبيض، ونشيدا ملتاعا لَوْذعيا، إنّيًّا، وأنويا، متبجسا وقادما من جرة تعاقب الأيام والشهور، والسنين.
وبوصفه أيضا تشييدا وبناء لسردية لغوية مخصوصة منقوعة في استشكال الذاكرة والمعيش والراهن الشخصي، والجمعي، سردية ذات رُوَاء وجمال وشفوف، وكيفية بَوحْية معينة. وبوصفه ـ أخيرا ـ ترجمان شوق وتوق واستشراف، واستعادة، ونوستالجيا عطشى، وأنطولوجيا، وموجودية مجروحة، وكينونة مشتعلة تسعى إلى تسطير شرطها في أن تكون، وفي أن تضفي على هذه الكيننة المنعوتة والمجروحة في أُسّ موجوديتها، حضورا ذا معنى، وحياة مستحقة، ومعيشا أعطى ولم يأخذ ما تمناه  وتغياه. فكل التصاوير، وجميع الأقاويل الشعرية «الوزانية»، تُرَدُّ إلى المفارقة، والغرابة التلقائية والمتعمدة والمتوخاة. وتُرَدُّ إلى شسوع المتخيل، وإلباس الأسانيد قوانين الوضعانية اللغوية، وخطية السرد وزوبعته، وعنصر الإدهاش في البدء والختام، كمحصلة جمالية نشأت وتشكلت من العناصر والأسمدة، والمكونات والصبغيات المذكورة، مضفورة، منشبكة، منسجمة، متسقة، وضاحكة من تزاحم الأضداد على حد تعبير شاعرنا العظيم أبي العلاء المعري.
في «أحلام ماكلوهان» يجتمع وجودان: وجود شاعر يرتقي سلما ضوئيا محاولا لمس أهداب الشمس عبثا، ووجود صائغ ماهر، وحائك حَاذق، ونَسَّاج بارع، وإن يكن الصائغ والحائك والنساج واحدا، أي صفة ملازمة، ونعتا لصيقا، وكَيْنَنَة حَالَّة في الشاعر. إذ ما قيمته، ما تسميته لولاها. شاعر يحرص مثابرا على التجويد والإجادة، واقتراف المفارق، واجتراح المدهش، والمبهج اللغوي، والتفريد التصويري.
إيقاع الزمن المنسرب اللاهث، إيقاع اللغة المدماة، والصور المدلاة كثريا الذهب، قلقة، مع ذلك، كأنما بِهَا مَسٌّ، كأنما يُطَيِّرُ صوابَها وجأشها، لهب حاف، وأحلام تشظت، حر وقر، وقرار ولا استقرار، يحوط النصوص ويغشاها، ّزلزال يقتات من أصابعّ الوزاني، ارتجاج على سلم ريشتر، يعلن ـ بلا مواربة ـ مسؤولية الشاعر عما اقترفته يداه، وما لم تقترفه يداه (لنتذكر مسؤولية المثقف عند سارتر، مسؤوليته اتجاه نفسه واتجاه الآخرين على رغم أن الآخر جحيم فيما قال).
يعلن بشفافية عن ذلك التمزق الحياتي الرهيب الذي يعيشه، ويعانيه، والقلق الوجودي العاتي الذي يسكن رؤيته، فكره، شعوره، موقفه، علاقاته، شعره، ومن ثَمَّ، لغته بما هي أُسُّ أناه، ومدماكُ وجوده، وسر حضوره في الكون: منحتُ/ بعضا من اسمي/ للوزن كي أبتل بالموسيقى/ بعضه/ لنهر الوزاني/ كي أتدفق منتشيا/ من جبل الشيخ إلى بحيرة طبريا/ بَعْضَهُ/ لإميلي كِينْ/ السيدة التي أطفأت  وَهْجَها/ وسط مريدي الطريقة/ كي أبحث عن ظلالها/ في كتاب : My life story/ بعضَهُ/ لصغيرتي رِيمْ/ كي تطرق أبواب الفرح/ بشدة/ كما لم أفعل/ وكي تعلو سماوات السكينة/ كما لم أفعل/ بَعْضَهُ للجموح. بَعْضَهُ للريح التي تتعثر بخطاي بَعْضَه لجنوني/ بعضه لانكساراتي.
إنه يريد أن يقبض على الحلم ـ الأحلام، لو يتحقق، لو يصبح طوع اليد والواقع، والعمر المتسارع كغيوم الشتاء نحو النزول والذبول والانهمار، والسقوط في مهاوي العدم.
نصوص الكتاب تفيض بألم زاخر، ورغبة عارمة في أن تطوى الحروب الصغيرة، الحروب الكبيرة، الحروب الصديقة، الحروب البينية: بين الروح والجسد، وتتحقق، مِنْ ثَمَّ، «أحلام ماكلوهان»، الذي هو، بقليل من التأول المتعسف، والمكر «المعرفي»، الوزاني الجالس على قارعة نهر النسيان يقلب جنبات الكون، ويحصي أنفاس القرية التي في حجم الكف. يرمي الحصوات تلو الحصوات ليشذخ رأس الزمن، وليؤجل شيخوخة مرتعشة باردة قادمة منذرة باليباس، تضحك في وجهه بفم أدرد مفتوح على الهباء، وانفراط سبحات العمر، كقبر محمول يتأرجح بين حبال الغيم، بين اللحظات، والفَيْنَات المتعاقبة المتلاحقة اللاهثة، والمتبخرة قطعا، في سلسال الهزائم والخسارات المتواصلة.
فهل يكون الوزاني، «عبأ مصيره في كيس ورماه في شاحنة ما»، ثم اعتراه ندم بعد حين؟ وما يكون المصير؟ ما طبيعة الكيس؟ وتلك الشاحنة؟ أم تراه يحلم بِعَطَلٍ قد يصيبها في المنعطف، وعَطَبٍ يضع حدا لحياة العجلات المجنونة الواهنة؟

حسن الوزاني: «أحلام ماكلوهان»
دار العين للنشر، القاهرة 2016
109 صفحة

«أحلام ماكلوهان» للشاعر المغربي حسن الوزاني: مفارقة المطابقة والانفلات من أسر اللامع والمكرس

محمد بودويك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية