الصهيونية وأيديولوجية انحطاط الفن

حجم الخط
1

 

موضوع العلاقة بين الأيديولوجية والفن واحد من أكثر الموضوعات التي كثر الحوار حولها بسبب أهمية هذا الموضوع، ولأنه كان مسألة مركزية في الصراع بين الفكر الاشتراكي وأعدائه. ورغم تشعب الآراء حول هذا الموضوع حتى بين أفراد المدرسة الواحدة فإننا نستطيع القول إن هناك بعض المسائل المتصلة بالعلاقة بين الأيديولوجية والفن قد تم حسمها، ولكن ذلك لا يعني بالطبع أنها نالت إجماع الآراء. من ذلك:
إنّ كل أيديولوجية متخلفة عن العصر ومعادية للإنسان لا بد أن يكون لها أثر سلبي على الفن. أي أن كل أيديولوجية تنطلق في حكمها على عصرنا من أفكار أوضاع سابقة، ولا تؤمن بقيمة الإنسان بغض النظر عن الجنس واللون، فمن المحتم أن يكون تأثيرها سلبياً على الفن.
إن انحطاط مستوى الفن الذي أنتجته النازية كان شاهداً حاسماً وبرهاناً قاطعاً على ذلك. ولعل هذا ما يفسر هبوط مستوى الأدب الذي يصدر من داخل الكيان الصهيوني.
ومشكلة أيديولوجيات مثل النازية والصهيونية والعنصرية أنها رغم ما تدعيه من جدة في رؤيتها للعالم فهي في معطياتها الأساسية تكرار للمقولات المعلنة أو المتضمنة للاستعمار التقليدي في القرون 17 و18 و19.
إن الأساس الأخلاقي والواقعي للاستعمار التقليدي قد فقد مبرر وجوده، وكل تقدّم في عصرنا يلقي مزيداً من الضوء على همجية ولا إنسانية الأيديولوجية الاستعمارية التقليدية. إن ذلك الغشاء الرقيق الذي كان يغطي به الاستعمار التقليدي طبيعته ـ مثل رسالة الرجل الأبيض، وعبء الرجل الأبيض، وتحضير الشعوب المتخلفة ـ قد أصبح نكتة تثير الضحك. بل هي نكتة دامية، إذ تجعل من إبادة مئة مليون أفريقي وهم يساقون كعبيد في سفن الرجل الأبيض أو من إجبار الشعب الصيني على تعاطي الأفيون، عملية تحضير!
إن التأثير السلبي الذي تنتجه أيديولوجية متخلفة ومعادية للإنسان هو أنها تفقد الفنان العملية الجوهرية في الفن، وهي التعبير الصادق عن التجربة المعاشة. إن الأيديولوجية هنا لا تضيء الواقع ولكنها تصدر أمرها إليه. فالأيديولوجية الصهيونية تصدر أمرها للواقع: لا يوجد شعب فلسطيني، كانت فلسطين قفراً منذ أن هجرها اليهود وها هم يعودون إليها، لا يوجد بعد قيام الكيان الصهيوني إلا يهود أشرار خارجه، وهكذا… وإذا اختلف الواقع مع الأيديولوجية فالواقع لا وجود له.
وإذا أخذنا مسألة الرمز، فالرمز في الأدب هو تكثيف للواقع. أما في الأدب الصهيوني فإن الشخصية هي رمز بالأساس ولهذا فهي تلتزم بمعطيات الرمز أكثر من التزامها بالمنطق الإنساني وتلقائيته.
ولنرجع إلى روايات عاموس [عوز] الأربع. إن المجال لا يتسع هنا لدراستها فنياً باستفاضة، ولهذا فلسوف نكتفي ببعض الملاحظات المستندة إلى هذه الروايات.
وجهة النظر الأخرى:
إذا حاولنا أن نستقصي الشخصيات التي يدينها الكاتب فهي تتلخص في العرب؛ سكان تل أبيب؛ يهود الشتات. ولكننا نلاحظ مسالة مهمة بالنسبة إلى هذه الشخصيات وهي أن إدانتها أقرب إلى الهجاء منها إلى الإدانة المبنية على أساس فني. إذ أن هذه الشخصيات التي تنتمي إلى الأنماط الثلاثة التي ذكرناها نسمع وجهة نظر الذي يدينها، ولا نسمع وجهة نظرها هي.
فبداية تصدر إدانتها عن مقولة تجريدية متعالية على الواقع. فالقول إن العرب أشرار لأنهم لم يوجدوا قط في فلسطين، وليست لهم بها أية علاقة، وإن فلسطين كانت أرضاً قفراً حتى جاء الصهاينة وعمروها، هي مقولة من وجهة نظر واحدة. لأن العربي يملك كل الدلائل التاريخية والواقعية التي تثبت أن فلسطين أرضه، وهذه الدلائل ليست تجريدية كما يدعي الصهاينة، بل إنها صارخة في واقعيتها، ولها صلابة الأرض، وثقل الحق.
وإذا كانت وجهة النظر الصهيونية قد تصلح مادة للدعاية فلا يمكن بأي حال أن تصلح مادة للفن.
لقد أدى هذا بالكاتب إلى أن يحول العربي إلى جبل أجرد يهدد بسحق المستعمرة الصهيونية الخضراء: أصوات مرعبة تأتي من وراء الحدود، كشافات ضوء شريرة تجتاح المستعمرة، وفدائيون يخفيهم الظلام ويطلقون نيرانهم بلا سبب على السكان اليهود المسالمين. ومثل هذه الرؤية لا تجعل من العربي شخصية إنسانية في عمل فني، بل عدواً في منشور دعاية.
هذا فيما يخص بالبعد الواقعي الملغى بمقولة تجريدية صهيونية. أما بالنسبة للشخصيات التي وضعها الكاتب في رواياته فهي تبدو لنا باستمرار من خلال وجهة نظر الذين يدينونها. إن كل ما نعرفه عن إيفا محور ليدينها.
ولكن ما هي وجهة نظرها؟
لقد اعتبر الكاتب سأمها من الحديث المتصل عن العذاب اليهودي دلالة سقوط، تؤكده رغبتها أن ترى مسرحية تتحدث عن الحب والموت. ولكن ألا يمكن ـ فنياً ـ اعتبار ذلك رغبة من فتاة شابة تعيش حياة فيها بعض المرح؟ ألا تسمح لفتاة تعمل في الأرض طيلة النهار وتقضي ليلها في خيمة بائسة مهددة دوماً، وفي البرد الشديد، أن تعلن ضيقها ولو لمدة دقائق؟
وعندما يحاول الكاتب أن يجعل تبرير إيفا لهجرتها من المستعمرة برغبتها في أن تصلح فساد ابن عمها، فهو ينسى أن في الواقع الكثير من الظروف الواقعية التي تدعوها للهجرة، ولكنه يختار ذلك التبرير الذي نكتشف كذبه على الفور: إن إيفا لم تصلح فساد ابن عمها، بل هي نفسها أصبحت أكثر فساداً منه.
ومن خلال هذا التعسف تطل المقولة الصهيونية برأسها: لا حياة شريفة لليهودي خارج (وطنه القومي).
إنني أعتقد أن سجن الإنسان داخل مقولة سابقة عليه ومتجاوزة هي إلغاء لإنسانية الإنسان. لقد فعلها هتلر حين وضع سلّماً للبشر فيه العرق المتفوق، وفيه العرق الخسيس، بشكل تعسفي لا سند له من الواقع. والفكر الصهيوني يفعل الشيء ذاته.
إن الرواية الوحيدة التي يحاول فيها عاموس عوز أن يعرض وجهة النظر الأخرى هي رواية «الحملات الصليبية». ولكنه حين يفعل ذلك فهو يقدم لنا وجهة النظر بأسلوب الهجاء. لماذا يحمل المسيحي كل هذه الكراهية لليهود؟ إن اليهودي في هذه الرواية طيب ووديع ويستحيل أن يثير كراهية أحد، فلماذا يكرهه الكونت وكلود؟
ونكتشف هنا إجابة بائسة: لأن الكونت مصاب بالجنون، وكلود مصاب الشذوذ والانحراف. أي أن الكراهية قائمة لسبب فردي خاص بهذين الشخصين. إن هذا يؤدي بنا إلى أحد احتمالين: فإما أن كل المسيحيين مصابون بالجنون أو الشذوذ؛ أو أنه لم يكن هناك اضطهاد لليهود. وكلتا المقولتين منفية من اتجاهين: الواقع الحقيقي، والفكر الصهيوني نفسه. وهذا لا يعني أن الواقع والفكر الصهيوني متطابقان. ولكن الواقع يقول إن سبب الكراهية لليهود في القرون الوسطى يعود إلى وظيفة اليهودي في مجال المال؛ والفكر الصهيوني يقول إن المسيحي مصاب بداء كره اليهود من دون سبب على الإطلاق.
وفي رواية «الحملات الصليبية» نرى طرفاً واحداً من أطراف الصراع، أما الطرف اليهودي فغائب، لا يبدو إلا مستسلماً أو قتيلاً. أما رواية «تل المشورة الشريرة» فإن الشخصية الوحيدة التي تدخل صراعاً حقيقياً هي شخصية روث، ولكن صراعها [يجري] ضد مقولة. أما في رواية «الحب المتأخر» فالصراع يدور في داخل الأستاذ، بين رغبته في الاستمتاع بالحياة وبين الهوس الذي يسيطر عليه. أما الآخرون الذين يحاول الأستاذ إقناعهم بوجود مخطط روسي لإبادة اليهود فنحن نسمع عنهم دون أن نراهم أو نشهدهم وهم يصارعون وهم الأستاذ.
ولعلّ أشد ما نفتقده في هذه الروايات هو حضور العربي الدائم وغيابه الدائم في الوقت ذاته. إنه لا يأخذ شكلاً إنسانياً قط، رغم أنه أحد المحاور الرئيسية للصراع.
إن هذا يفقد روايات عاموس عوز حيويتها؛ إذ تتحول إلى مجموعة أحداث أحياناً، أو إلى ميلودراما تجسد الصراع بين العاطفة والواجب، أو إلى بحث في سيكولوجية الشخصيات.
إن غياب الصراع الحقيقي بين أشخاص حقيقيين هو الذي أدى إلى تسطيح الرواية على هذا النحو.
من «نقد الأدب الصهيوني»، 1995

جماليات المكان العربي

كادت جنسية الروائي الأردني (1932ـ1989) أن تُنسى، في ذهن القارئ العربي، بسبب أسفاره الكثيرة بين البلدان العربية، لبنان وسوريا والعراق ومصر؛ وفي هذا البلد الأخير، وحده، أقام 25 سنة! ولعلّ فضيلة حال الترحال هذه، إلى جانب ما يسبغه المنفى من ثراء في التجربة الشعورية والإنسانية، أنها أتاحت احتكاك هلسا بمناخات الأدب والفكر والحياة الاجتماعية والسياسية في هذه البلدان، فتأثّر بها عميقاً (وانعكس ذلك في رواياته)، كما مارس تأثيره أيضاً على كتّاب شباب سوف يحتلون مكانة بارزة في آدابهم الوطنية.
روايته الأولى، «الضحك»، 1971، لفتت الأنظار إليه، وبشّرت بأسلوبية في السرد كانت تذكّر بالأمريكييَنْ وليام فوكنر وج. د. سالنجر، كما تعكس فلسفة جماليات المكان عند غاستون باشلار (وسيترجم هلسا مؤلفات للثلاثة فيما بعد). لكنه سرعان ما رسّخ خيارات شخصية مميزة، ومتميزة، في الانحياز للواقعية دون الإخلال بالتكثيف التحليلي للنفس البشرية، والاشتغال على الرموز ذات الطابع الكوني دون التفريط في الخصوصية المحلية.
أعماله الروائية الأخرى تضمنت «الخماسين»، «السؤال»، «البكاء على الأطلال»، «ثلاثة وجوه لبغداد»، «نجمة»، «سلطانة»، و«الروائيون». كما نشر مجموعتين قصصيتين: «وديع والقديسة ميلادة وآخرون»، و«زنوج وبدو وفلاحون».
وفي الدراسات له: «العالم مادّة وحركة»، «قراءات في أعمال يوسف الصايغ، يوسف إدريس، جبرا إبراهيم جبرا، حنّا مينه»، «المكان في الرواية العربية»، و«الجهل في معركة الحضارة».

الصهيونية وأيديولوجية انحطاط الفن

غالب هلسا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية