كانون الأول من أقسى شهور السنة، لأنه يذكّرنا بالموتى ممن أحببناهم. لكنه مثل «نيسان أقسى الشهور يخرجُ/الليلكَ من الأرض الموات، يمزج/الذكرى بالرغبة، يحرّك/خامل الجذور بغيث الربيع»، كما يقول اليوت في مطلع قصيدته الكبرى «الأرض اليباب».
لم تكن جذور الثقافة في بغداد الخمسينات من القرن الماضي خاملةً، ولو أن بعضهم يقول إنها كانت كذلك، والأرض حتماً لم تكن مواتاً. ولكن عندما جاءها غيث الربيع أخرج الليلك وزهوراً غيرها في بغداد المتوثبة لحياة جديدة، بعد حرب عالمية ثانية تذكّر بعضَ الأحياء بحربٍ عالمية أولى، وما نتج عن الحربين من «خمول في جذور» الثقافة، ولو أن أرض بغداد والعراق لم تكن مواتاً، بل بقي فيها بعض حياة ما لبثت أن انطلقت من الزهر أفوافاً.
جاءنا الغيث إلى بغداد في ثقافة يجسّدها ذلك التلحمي، الحامل صليب القدس، بعد النكبة الأولى عام 1948، وما كان يدري أن ستعقبها نكبات. جبرا إبراهيم جبرا، يحمل الماجستير في الأدب الإنكليزي من كمبرج، وفي أواسط عشريناته والتدريس في الكلية العربية، بدأ في القدس عام 1946 بترجمة فصول من كتاب «جيمس فريزر» بمجلداته الثمانية عشر، واختار أساطير تموز وأدونيس، ترجمة كان عليها أن تنتظر النشر ببغداد عام 1955. ولمن «يعود الفضل» في نشرها؟ إلى حسين مردان، شاعر الفطرة الذي لم يعتمد على ثقافة، لم تكن في متناوله على أي حال. قروي عامل بناء، انحدر من بعقوبة الغافية تحت ظلال النخيل وغابات البرتقال. جاء إلى بغداد ليرافق الشعراء وأهل الثقافة. لا أدري كيف التحق برهط جبرا من المثقفين في مقهى البرازيلية، وتبعه إلى «نزل السيدة أمل» على مقربة من برازيلية أدباء الخمسينات. هناك عرف أن لدى جبرا مخطوطة ترجمة تموز وأدونيس، يريد «تبييضها» وإعدادها للنشر. تبرع حسين مردان أن يبيّضها بخط واضح، فانبطح على بطنه في غرفة الأديب الكبير، وراح يجوّد بالخط، ثم حملها إلى مطبعة ببغداد، ولا أدري كيف توسط بنشرها، عام 1955، وكان بذلك أول قارئ سعيد بما عَمِل كان حسين متوثباً، يكتب شعراً عجيباً، على شيء من البذاءة، ويصرّح أنه «بودلير العراق». وهو لم يكن يعرف سوى القراءة والكتابة. أما كيف توصل إلى ثقافات أخرى فعلم ذلك عند قدرة الموهبة على تجاوز الحدود.
إذا كان هذا حال جذور الثقافة «الخاملة» ببغداد الخمسينات، فما بالك بصفوة الأدباء والشعراء المجتمعين في مقهى البرازيلية؟ السيّاب، البيّاتي، بلند الحيدري، أكرم الوتري، وعدد من كتّاب القصة، وأصحاب الفنون من رسم ونحت وبقية الإبداعات الثقافية والفكرية. كان هؤلاء جميعاً يجلسون «إلى قدمَي المعلّم» الحامل ثقافة عالم كانوا يتشوّفون إليه.
جاءنا ليدرّس في «دار المعلمين العالية» الكلية الوحيدة في العراق يومها التي تدرّس الآداب. كنتُ في سنتي الأولى بقسم اللغات الأجنبية، التي «يتسلطن» عليها جنود الأمبراطورية التي بدأت الشمس تغرب عن مغانيها. ويشهد الله أنهم كانوا من خيرة المدرسين، لكن الكابتن الطيار لم يسمح لجبرا أن يدرّسنا الأدب الإنكليزي، بل سمح بمادة الترجمة. ممتاز، لأن دروسه في الترجمة كانت تدريساً للأدب الإنكليزي كذلك. وفي «العالية» كانت الساعة العاشرة كل يوم خميس عيداً للآداب والشعر والفنون، يجوّد فيها جبرا، وكانت محاضراته العامة فيها هي الغيث الذي كنا ننتظر. وبعد سنة، تأسست «كلية الآداب» فكان طلابها أسعد حظاً منا نحن «أهل العالية» لأن جبرا كان يدرّس فيها الأدب الإنكليزي الصرف. وكان هناك «معهد الملكة عالية» وهي كلية البنات، هي الأخرى نَعِمت بغيث من ثقافة جبرا. وبدأت كتب جبرا وترجماته تغذي أصحاب الثقافة ببغداد الخمسينات. كان جبرا قد كتب في القدس عام 1946 رواية بالإنكليزية بعنوان Passage into the Night بدأ بترجمتها إلى العربية أثناء سنة دراسة وبحث في جامعة هارفرد عام 1952 ـ 3، فنشرت ببغداد عام 1955 بعنوان «صراخ في ليل طويل». وتوالت الكتب المؤلفة والمترجمة حتى بلغت أكثر من 60 عملاً بين تأليف وترجمة في مجالات شتى: منها سبع مسرحيات لشكسبير. وفي صيف 1961 كنت في أكسفورد أجمع مواد لأطروحتي في الأدب الإنكليزي، وعلى اتصال دائم بالرسائل طبعاً مع أستاذي جبرا، فعلمت منه أنه صدرت له رواية بالانكليزية بعنوان Hunters in a Narrow Street فسارعت لاقتنائها من ناشرها البريطاني وحاضرت عنها في الجامعة وقد ترجمت إلى العربية عام 1974 بعنوان «صيادون في شارع ضيق» هو شارع الرشيد ببغداد حيث يتكاثر الصيادون بحثا عن الثقافة و»أشياء أخرى» هي صورة عجيبة للحياة في بغداد الخمسينات.
إلى جانب الكتب التي ترجمها جبرا بشغف كبير، لأنه كان يعدّها «عملية تثقيف» للقارئ العربي، ثمة ترجمات لتثقيف الأطفال، مثل «حكايات من لافونتين» و»الأمير السعيد وحكايات أخرى من أوسكار وايلد» بدافع من إرضاء حفيدته «ديمة» رفيقة مسيراته الطويلة في «شارع الأميرات» قرب داره في المنصور. وثمة الكثير من الكتب النقدية التي ترجمها بدافع «التثقيف» وتيسير المعرفة بالآداب العالمية لغير «أصحاب اللغات». من ذلك: «ما قبل الفلسفة» و»آفاق الفن»، «الحياة في الدرامه»، «قلعة آكسل»، «شكسبير معاصرنا»، «الأديب وصناعته». ومن كتبه في النقد: «الحرية والطوفان»، «الرحلة الثامنة»، «النار والجوهر»، «ينابيع الرؤيا»، «جذور الفن العراقي»، «الفن والحلم والفعل»، «جواد سليم ونُصب الحرية»، «أقنعة الحقيقة وأقنعة الخيال».
إضافة إلى كتابة الشعر بالانكليزية والعربية بأسلوب الشعر الحرّ الذي سمعنا به أول مرّة منه في احدى محاضراته، أدهشنا نحن الطلاب في عهد أول الشباب أن يكون هناك شعر دون وزن وقافية. كان ذلك كلاماً جميلاً سماه الريحاني في أوائل القرن العشرين باسم «الشعر المنثور». لكن نازك الملائكة التي نظمت قصيدة «الكوليرا» عام1949 بوزن خليلي مختلف عدد التفعيلات ومحافظ على قافية ولو أنها لا ترد على نظام الشعر التراثي، واطلقت عليه اسم «الشعر الحرّ» قد حرّكت جبرا لكتابة مقال رصين بعنوان «الشعر الحرّ والنقد الخاطئ» يردّ فيه على نازك، لكن الخطأ الشائع تغلّب على الصحيح المهجور، فتسمية «شعر التفعيلة» هو أحسن الحلول السيئة.
كان جبرا رساما تدعمه ثقافة فنية في مدارس الرسم. ولما وصل إلى بغداد عام 1948 كان يحمل معه لوحات رسمها على صفائح من خشب الزيتون الفلسطيني، لم يعترض عليها رجال الجمارك! لكنه كان مشجّعاً لكل رسّام أو نحّات كانت تزخر بهم بغداد الخمسينات. وقد أسس «جماعة بغداد للفن الحديث» مع جواد سليم وآخرين في 21/4/1951. كما أسس «المرسم» في «العالية» ومثله في كلية الآداب. وهو الذي «توسط» للنحّات المبدع خالد الرحّال ببعثة إلى إيطاليا جاء بعدها بحيوية جديدة. وكان تشجيعه للشعراء لا ينقطع. كانت أول مجموعة شعرية أصدرها بلند الحيدري بعنوان «أغاني المدينة الميتة» وكان جبرا يعمل مع بلند تشذيباً وكتب لها مقدمة بعنوان «الشعر الجديد». أما رعايته للسياب فكانت من أبرز إنجازاته في تطوير شعر السيّاب، وذلك بتوجيه الشاعر إلى مغازي الأساطير الشرقية والعالمية وتفسير وشروح الكثير من القصائد الإنكليزية التي اغنت شعر السياب.
بقي جبرا أستاذاً وصديق عمر، منذ وصوله الينا عام 1948، نتواصل بالرسائل والهاتف إذا فرّقتنا ظروف الوظيفة والأسفار. ولديّ منه مجموعة رسائل أعتز بها. وفي عام 1993 كنت أستاذاً في عمان، وجاء جبرا لمؤتمر أدبي هناك وحضر أمسية غنائية قدّمت أشعاره فيها غناءً سوبرانو فلسطينية رائعة. وفي 9/12/1994 وصلتني منه آخر رسائله، وكنا ننتظر مروره بعمان في طريقه إلى تونس. أجبته على رسالته على الفور لكن جوابي لم يصل إلى يده لأن الأجل عاجله بعد ذلك بثلاثة أيام، فلم تَعُد الأرض تخرج الليلك بل العوسج.
عبد الواحد لؤلؤة