مثلما حصل قبل 2003 في الاجتماعات التي رعتها الولايات المتحدة تمهيدا لإسقاط نظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين، تجري هذه الأيام برعاية أمريكية أيضاً، تحضيرات واستعدادات واسعة لإيجاد ما يسمى بـ«التسوية التاريخية» سبقها وعلى استعجال مصادقة البرلمان على قانون «الحشد الشعبي» وهي تسوية يراد لها أن تكون شاملة تضم كل القوى المؤثرة والفاعلة في الساحة العراقية خصوصاً البعثيين ورموز النظام السابق، وبشكل أخص حزب البعث العربي الاشتراكي بقيادة عزت إبراهيم الدوري.
وإذ تثير هذه التسوية مخاوف وجدلاً في الشارع العراقي، إلا أن هذا الجدل يبدو أنه مطلوب من قبل المطلوب منهم التصدي لقيادة هذه «التسوية» التي سبقها أيضا صدور قانون العفو الذي فُسر يوم المصادقة عليه بأنه جاء لصالح التيار الصدري، وكان ذاك الجزء الظاهر من جبل الجليد، بينما المغمور منه كان للتمهيد للتسوية التاريخية بين الحاكمين فعلياً في العملية السياسية، وبين الذين يقودون «مقاومة» النظام السياسي الجديد منذ 2003.
التحالف الوطني!
وكما كان الحال قُبيل 2003 عندما تصدر السير باتجاه إسقاط النظام السابق برعاية أمريكية «المجلسُ الأعلى للثورة الإسلامية في العراق» بزعامة رئيسه آنذاك الراحل آية الله سيد محمد باقر الحكيم، فان المجلس نفسه بعد تغير اسمه إلى «المجلس الإسلامي الأعلى» بقيادة عمار الحكيم، هو من يتصدى لقيادة «التسوية التاريخية» ويبرز فيها ليس فقط باعتبار عمار الحكيم رئيساً للتحالف الوطني «الشيعي» بل أيضا لاعتبارات أخرى تطبع مسيرة عمار الحكيم «التوافقية» منذ أن ورث رئاسة المجلس عن أبيه الراحل سيد عبد العزيز الحكيم العام 2009 الذي ورثها عن شقيقه العام 2003 .
وبينما يبرز عمار الحكيم في المشهد حاملاُ رايتها، يقول رئيس الوزراء السابق نوري المالكي في تصريح خاص إنه هو من سماها «التسوية» وهو يدعمها بقوة وقناعة، موضحا أن الأمم المتحدة تعلم بذلك، وهي تتواصل معه باستمرار حولها و«عمار يعرف». لكن المالكي وهو أيضا نائب رئيس الجمهورية بعد أن رفضت المحكمة الاتحادية ـ كجزء من التسوية أيضاً- إقالته والنائب الثاني أسامة النجيفي من قبل رئيس الوزراء حيدر العبادي، يضيف إلى أنه وضع لهذه «التسوية» ضوابط منها عدم شمولها الذين أسسوا فتنة الاعتصامات، والذين أسسوا منظمات إرهابية وتلطخت أيديهم بالدماء، «وأن يكون الفريق السنّي الذي يقابلنا في المفاوضات من المقبولين عند مكونهم السني وعندنا» على حد تعبيره.
ويشير المالكي إلى أنه قال هذا الكلام لممثل الأمم المتحدة وأيضا لممثل التحالف الدولي، وأن ممثل الأمم المتحدة يان كوبيتش، طلب منه ترشيح الأسماء المقبولة «وأنا فعلا بدأت أرشح الأسماء مستبعداً القتلة والمرفوضين». وتم في الآونة الأخيرة تداول بعض الأسماء ممن قاد اعتصامات الأنبار، وممن يقود بالفعل جماعات مسلحة «مقاومة» للنظام السياسي الحالي، كفاعلين في «التسوية» إلا أن المالكي وصفها بـ«الأسماء السيئة» وذكر أنها طرحت عليه أيضا وأنه قال لممثل الأمم المتحدة إنه يرفض بشدة «لأن هذا إعادة إنتاج الإرهابيين مجددا ولا يمكن قبولهم».
ورأى المالكي إنه وكتلته في البرلمان يرفضون التسوية مع من سماهم «الشخصيات السنية الخطيرة» وهم مع التسوية بهذه الضوابط وإلا فلا.
وأشار المالكي إلى تصريحات عمار الحكيم حول التسوية، وقال إن «المجلس الأعلى تحرك وصرحوا التصريحات التي استفزت السنة والشيعة بانفتاح التسوية على الجميع، وإنه عندما صرح بالرفض عادوا وصرحوا أيضا بما ينسجم مع تصريحي».
عموماً فان التحالف الوطني هو اليوم في الصورة يحاول أن يبدو أنه صاحب المبادرة، وهو يعتبر «التسوية» مرحلة مطلوبة يعدها لمرحلة ما بعد تحرير الموصل، ويصر على المضي بها، كونها وسيلة لتصفير الأزمات وبداية لتكوين حكومة المواطنة، وموضع قدم للدولة العصرية العادلة، لكنه يخفي الكثير من بنودها السرية التي تتعلق مباشرة بتكوين أقاليم ثلاثة على أساس طائفي وعرقي، أخطرها الإقليم الشيعي الذي يطمح تيار في التحالف لقيادته.
ورغم الارتياح الكبير الذي ساد الشارع العراقي بعد المصادقة على قانون «الحشد الشعبي» إلا أن السائد أيضا لدى العراقيين، أن القانون جاء ضمن هذه التسوية المطلوبة، برغم الاعتراضات الشديدة التي واجهها القانون من قوى سنية مشاركة في الحكومة والبرلمان، وذلك بعد تصريحات لافتة من رئيس البرلمان سليم الجبوري أشار إلى ما يتعين على رئيس الوزراء العبادي القيام به في هذا الصعيد لانجاح التسوية، مشيراً بشكل واضح إلى «المحاصصة» في المادة التاسعة من الدستور العراقي والتي تحكم أن تتكون القوات المسلحة العراقية والأجهزة الأمنية من مكونات الشعب العراقي، بما يراعي توازنها وتماثلها دون تمييزٍ أو إقصاء. كما أشار الجبوري إلى أن «الإشكالات المثارة على قانون الحشد الشعبي، كانت تثار حول أعداد الحشد ووظيفتها ودورها بعد التحرير».
الأقاليم!
يروج دعاة «التسوية» عبر جيش من الكتّاب، إلى أن على الجمهور أن لا يخوض في الجزئيات، ويترك للمتزعمين أمر إجراء المفاوضات، وكلها تجري على أساس طائفي وبغطاء باهت من «المواطنة» وأن على الجماهير أن تنتظر فقط إتفاق «الشركاء» على مبادئ التسوية الوطنية، قبل تحديد الأسماء التي ستدخل التفاوض، والتي ستقبلها تلك المبادئ، ويصرون أنه لا وجود لأسماء الآن أبدا.
لكن في المقابل تتحدث الأوساط الخائفة من هذه «التسوية» عما تسميها استراتيجية أمريكية لترتيب الوضع السياسي في العراقي ما بعد الموصل، وأن العراق من وجهة نظر أمريكية سيحمل عنوان «الصديق الاستراتيجي» للولايات المتحدة يُفرض فيه نظام حكم فدرالي بقرار يصدر من مجلس الأمن الدولي، وسوف يكون هناك مؤتمر عالمي تحت عنوان «أصدقاء العراق». وبموجب قرار مجلس الأمن الدولي سوف يُقسّم العراق إلى ثلاثة أقاليم شبه منفصلة ترتبط ببغداد، ومن هنا تأتي دلالة الاتصال الهاتفي الذي أجراه الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب بالعبادي.
الإقليم السني
وإلى جانب الإقليم الكردي الذي سيتعزز دوره بعد الموصل، يبرز الحديث عن الإقليم السني، لمنع إيران من الاتصال برياً بسوريا عن طريق الجزء الشيعي من الحشد الشعبي والذي سيتولى العبادي وفق شروط «التسوية» توزيعه جغرافيا بحسب إشارة سليم الجبوري، لمنعه من الوصول إلى الموصل وعموم الإقليم السني من واقع أن إلامساك بالأرض مهمة سكان المناطق المحررة.
ويستعد العراق للدخول في مرحلة إضطراب جديدة في الإقليم الشيعي بسبب النزاعات التي سيشعلها مجرد الإعلان عنه حول قيادته، وهذا ما يتخوف منه الكثيرون ممن أثارهم تواجد الفرنسي المثير للجدل برنارد هنري ليفي في جبهات القتال القريبة من الموصل، مع مقاتلي البيشمركه في منطقة برطلة المحررة وأيضاً في بعشيقة، ولقاءاته مع قادة عسكريين «شيعة» وهو معروف عنه أنه «عرّاب» ثورات الربيع العربي، ضد الأنظمة التي يراها «غير ديمقراطية».
أخيراً.. ومهما قيل أو يقال عنها، ستطرح تلك «التسوية» بعد انتهاء معركة الموصل واستعادتها بالكامل، وقد شُكلت لجنة لكتابة تلك الوثيقة، وبرعاية أممية، وكذلك بإشراف الدول الإقليمية والأوروبية.
ولكن هذا كلّه لا يعني أنّ الطريق ممهّد لإنجاح «التسوية» رغم إعطاء دور إلى الأمم المتّحدة، في ظل تنامي مطالب لدى جمهور الحشد الشعبي، المزهو بانتصاراته على أرض الواقع وفي الميدان، وأن التاريخ يكتبه المنتصرون، وسط دعوات إلى تشكيل حكومة أغلبية سياسية عابرة للطائفية.. ولو بلغ ما بلغ.
نجاح محمد علي