حينما يتحول المثقف إلى رهينة

يبدو الخطاب كما لو أنه دائما عرضة للموت، فور عجزه عن مواكبة أسئلة الراهن، حيث يصبح متجاوزا، وغير مؤهل للتواجد المشروع، سواء في الفضاءات العامة أو الخاصة، وشرعية التواجد، تفيد هنا، قابليته الفعلية والموضوعية لتحقيق الحد الأدنى من التماهي بين بنياته اللغوية والدلالية، وبين ما تطرحه الذات والآخر من أسئلة على مجموع ما يحدث هنا والآن. فانتفاء شرعية الحضور، يحيل بجلاء إلى انتفاء القدرة على المواكبة، على التفاعل،
وعلى الإسهام الرمزي في أنتاج وإبداع اللحظة، من منطلق تعرض اللغة ذاتها، لاحتمال استنفاد قابليتها للقول، بموازاة تراجع دواعي حضورها، كما هو الشأن بالنسبة للغة الخطابات السياسية، المتسمة بنزوعها التمويهي والمناوراتي، وانتشائها بتصريف الأوهام. وهو أمر شائع وساري المفعول في المجتمعات المتقدمة كما في المجتمعات المتخلفة، وبما أنها كذلك، فمدة صلاحيتها تكون جد محدودة في المكان وفي الزمان، حيث لا تلبث أن تكشف عن بهتانها الكبير، الشيء الذي يحفز ذكاء أو مكر قلة من النخب السياسية، وبدعم من خدمات النخب الثقافية، على البحث عن بدائل تعبيرية مغايرة، قابلة لممارسة مهام الترويج للأوهام الجديدة. إن المأساة هنا، تكمن في عجزها عن إبداع لغة جديدة، بفعل عجزها، أو بالأحرى رفضها الضمني والمبدئي لفكرة إبداع واقع جديد، مكتفية باستعمال لغة ميتة، تَمَّ استنفاد واستهلاك ما كان عالقا بها، من نتف الحياة. وبالنظر إلى استشراء حالة اليأس والخذلان التي تكون مهيأة للتحول إلى حالة العصيان الشعبي، والتي تهدد مصالح النخب بشقيها السياسي والثقافي، فإن طوق النجاة الذي يتم الاستنجاد به، هو اللجوء إلى تدبيج البيانات والبلاغات، الموحية بإمكانية استشراف آفاق مجتمعية مضادة ومغايرة. إن مقترح البيان/البلاغ، يكون ممكنا أحيانا، في ظل الشروط المتميزة بوضوح رهاناتها ومساراتها، التي تتوافر فيها فرص القول العقلاني والموضوعي، ومعه فرص الإنصات، لكن في ظل الغياب التام والمطلق لهذه الإمكانية، كما هو الشأن بالنسبة لوضعيتنا الحالية، فإن فكرة البيانات المدوية والمحفوفة بخيبات الأمل التي تحصدها الجماهير المصونة، تصبح موضوع سخرية، وموضوع فرجة عارية من أي نكهة ثقافية أو سياسية. إنها اللغة التي تكشف عن بؤس ولؤم الاستراتيجيات التي سبق توظيفها في سياقات سابقة، أي استراتيجيات التدليس والكذب والاستقطابات الماكرة، المستندة إلى شعارات غوغائية، لا روح ولا حياة فيها، خاصة منها البيانات التي تحاول بشكل مأساوي وبهلواني اختلاق لحظات مضيئة في قلب الظلام الكثيف، لأن صياغة هذه البيانات تكون عادة موجهة بتخمة انتهازية، تحول دون تأمل أصحابها في اللغة، التي تكون هي أيضا، متماهية مع حالة المكر الاستقطابي، ففي موازاة انعدام الرؤية المتأملة يعم الظلام كافة الفعاليات الثقافية التي شبت هي أيضا وترعرعت في الحدائق السرية للسياسي، فلم تعد لها من إرادة سوى الاستسلام لسلطته. إن المثقف الذي يدمن الإقامة في كنف السياسي، مع استثناءات جد قليلة ونادرة تخص بعض الرموز التي خبرت منذ البدايات المبكرة لمساراتها تقنية التوفيق بين السياسي والمثقف، فإن أغلب المثقفين الذين يمضون جل أوقاتهم تحت مظلة السياسي يكونون بالفطرة على درجة متقدمة من الانتهازية والتبعية، لأنهم لا يستطيعون السير في غير الطرقات والمسالك المعَبَّدة من قِبل السياسي، الذي يضمر لهم هو أيضا غير قليل من الاحتقار، دون أن يستغني عنهم في تأثيثه لمشهده الخاص به، لذلك فإنه ومن هذا المنظور تحديدا، لا يستشيرهم أبدا في القضايا التي يعتبرها حكرا عليه، بقدر ما يستشيرهم في أمر التزكية اللامشروطة، وفي ما يمكن إدراجه ضمن إكراهات فقره اللغوي، الذي يلزمه بالاستفادة من كفاءات المثقف، في صياغة بلاغاته وبياناته ذات الطابع التكتيكي، وهي علاقات لا يمكن التعامل معها نظريا، إلا في إطارها العام الذي يَعتبِر المجتمع ككل بما يمتلكه من فضاءات، مجرد سوق للمتاجرة السياسية الرخيصة، حيث لا تعدو القيم أن تكون وسائط وعملات ظرفية لإنجاز المضاربات السياسية بالمفهوم التجاري والنفعي للكلمة.
إن المثقف العربي يعاني، عموما، من رعب الاضطهاد على جميع المستويات، ولعل الأكثر استفحالا منه، اضطراره الدائم للخوض في القضايا المندرجة عادة في خانة مطالب حضارية وثقافية، التي يظل حبيسا لإكراهاتها، باسم واجب النضال، دون أن يدرك أنها تتحول إلى حجاب، يحول بينه وبين الارتقاء بقدراته الفكرية إلى قضايا أكثر تقدما وأكثر إشكالا. إنه يعيش سجين دائرة الضرورة المنطوية على المفهوم الضيق للكرامة، حيث يظل التفكير، هو آخر مطلب يمكن أن يفكر فيه، وحيث يمكن القول إن الإشكاليات الثقافية لدى الشعوب المضطهدة تظل بسيطة ومرتبطة باليومي، الذي تصبح له سلطة تتجاوز سلطة الفكري، الشيء الذي لا يمكن أن يسمح بظهور رموز ثقافية تتميز بسلطتها المعرفية، على المستوى الكوني، إلا في الحالات النادرة.
والواقع أن الأمر على درجة كبيرة من الالتباس، حيث يتحول التفكير في القضايا الكبرى ترفا، وحيث يتعرض المثقف المشتغل بالخطابات النظرية المتخصصة، إلى متهم بتخليه عن القضايا «النضالية» الوثيقة الصلة بهموم القطاعات الجماهيرية، كما يُعتبر خطابه المعرفي، أداته للهروب من الواقع ومن المجتمع، وهنا نطرح السؤال الإشكالي والحارق، المتعلق بأبعاد ازدواجية الخطاب لدى المثقف، حيث يكون ملزما بتبني خطابين، أحدهما شعبوي تحريضي موجه للفضح والتنديد، والآخر فكري موجه للنخبة، حيث يحضر ذلك الانتقال البهلواني، من خطاب إلى آخر، علما بأن الأمر يتعلق بتجربة قاسية تقتضي توافر ما يكفي من الاستعداد، للمراوحة بين قوانين متناقضة ومتعارضة من قوانين القول والتعبير.
وفي السياق ذاته، يحضرنا ذلك المستوى الثابت، من حيث الاهتمامات، الأكثر تداولا في كل من الفضاءات العامة والخاصة الذي يمكن إجماله في، فضائح النهب وغيرها من الفقاعات ذات الطابع الأخلاقي، حيث يستحيل الحلم بزوبعةٍ، ولو في نصف فنجان، حل إشكالٍ معرفِيٍّ ما، أو سياسي بالمفهوم النظري للكلمة، بمعنى أن الضجة غالبا ما تكون نتاج الاختلالات الكبيرة، الناتجة عن تَمَكُّن الأمية من أجساد وأرواح أغلب الشرائح الاجتماعية. فالأمية مؤهلة لإنتاج عواصف مدوية من المغالطات التاريخية، كما أنها تتحول إلى سلطة، لا تقل عنفا عن غيرها من السلط القمعية، كما أن الغثاثة هي أيضا، قابلة لان تتحول إلى معيار وإلى قانون، بخلاف المعرفة التي تعجز عن إدارة أي حوار محتمل، حتى في أوساط المهتمين. إن فضاءها، بما هو فضاء الحداثة المعقلنة، يتحول لدى المجتمعات المتخلفة، إلى عالم ضيق ومغلق، على قضايا تعتبر من باب المسلمات بالنسبة للشعوب المتقدمة، حيث يَستهلِكُ الصراخُ ألسنتَه عبثا، في محاولة يائسة لإيقاظ الجثة من رقادها الأبدي، تحث أنظار المثقف المصاب باضطهاده الذاتي، الذي يجبره، على الامتثال لإرادة المنابر المحتكرة لحق الحديث باسم «القضايا المصيرية»، وعلى استدراجه، كي يتحدث هو أيضا بلغاتها، مادامت غير معنية تماما بـ»الوضع الاعتباري للمثقف» إنها معنية فقط بوضعيتها الاعتبارية التي تخصها هي دون غيرها. إن المثقف مبدعا كان أو مفكرا، يستمد أهميته المحدودة في الزمان، من بؤس تماهيه العابر والظرفي مع أفقها، الذي هو أفق الترويج لسلعها، علما بأن هذه المنابر، أمست خلال العقود الأخيرة، في مهب إعصار شبكات التواصل الاجتماعي، التي لا تتوقف عن تهديد شرعيتها السياسية، والثقافية في آن. وبالنظر إلى تخوف المثقف من العزلة، فإنه يكون مضطرا للتنازل عن خصوصيته، أملا في تحقيق حظوة الاندماج، يمينا أو يسارا. والأدهى من ذلك، أن الحرية تتحول لديه إلى عبء، حيث يبدو في نظر الآخر شخصية «ثقيلة الظل مملة، ولا تغري بأي حوار». ولأنه غير مستعد لتحمل هذه الغربة، فإنه لا يتردد في الانضمام إلى الحفل، وإلى المائدة الواعدة بألذ الأطايب، خاصة أن ما يهم الجهات المعنية، هو توظيف اسمه فقط، الذي ليس له أن يكون مزعجا للاستهلاك العام. والحال إن المثقف وضمن قناعات جذرية لم يعد لها مكان في المشهد الثقافي والسياسي العربي، مطالب أكثر من أي وقت آخر بالتمسك ولو في حدود الإمكان، بحقه في الممارسة المعرفية، ضدا على عدوانية الآلة التحريفية بكل مستوياتها ومرجعياتها، من أجل إكراهها على الاندماج بشكل معكوس في اللعبة المتعلقة بتكريس الحد الأدنى من العقلانية، عبر إتاحة الفرصة للخطاب الثقافي المعرفي، كي يهتم بالقضايا الفكرية والإبداعية، طبعا دون إغفال القضايا الاجتماعية، باعتبار أن أهمية الخطاب الفكري /الإبداعي، تكمن في إضاءته للأبعاد، للعلل، للحيثيات، للشروط، وللأسباب، هنا تحديدا، يمكن أن يمتلك، وبالنظر إلى قوته الإجرائية، مصداقيته وحضوره الموضوعي، بتعدد وتنوع إيقاعاته، بعيدا عن خطابات المزايدات، المفرغة من أي عمق ثقافي أو حضاري، والتي بالكاد، ترتد أصداؤها إلى مسامع أصحابها.
*
٭ شاعر وكاتب من المغرب

حينما يتحول المثقف إلى رهينة

رشيد المومني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية