صعود قوى اليمين المتطرف في العالم الغربي يُمثل خدمة لتنظيم «الدولة الإسلامية» الذي يتبنى استراتيجية تهدف أصلاً لدعم القوى اليمينية في العالم، بما يُبرر الإرهاب الذي يقوم به في كل مكان من العالم، ولذلك فإن وصول دونالد ترامب إلى الحكم في الولايات المتحدة بعد تصريحاته السابقة المعادية للمسلمين سوف يُشكل داعماً لانتشار التنظيم المتطرف وليس أداة للقضاء عليه.
الاستراتيجية التي يتبناها الدواعش تقوم على تنفيذ أعمال إرهابية عشوائية ضد الغرب (كما حدث في فرنسا عند استهداف ملهى ليلي ثم تم استهداف محتفلين في الشارع)، وهذه العمليات من شأنها أن تشعل حالة من الشعور بالعداء للمسلمين عند البعض، وجنوح البعض نحو التطرف، وعندما يصل اليمين إلى الحكم في الدول الغربية فإن الشعور بالاغتراب لدى أعداد متزايدة من المسلمين يتنامى، وهكذا يمكن أن ينجح التنظيم في تجنيد أعداد متزايدة من الساخطين والناقمين والشاعرين بحالة العداء وأجواء الحرب.
المعطيات الدولية والإقليمية الراهنة لا تدل على أن تنظيم «الدولة» يمكن أن ينهار أو ينكفئ خلال الفترة القليلة المقبلة، فلا الحرب في سوريا هدأت، ولا الوضع في العراق مستقر، ولا الثوار المعتدلون في سوريا يتقدمون، بل ينكفئون، ولا السُكان السُنَّة يحظون بأي حماية من طرف دولي لإفشال عمليات استخدامهم كمادة لتسعير الحرب من قبل تنظيم «الدولة». الحرب ضد تنظيم «الدولة» مستمرة منذ أكثر من عامين دون جدوى، ومن كان ظن بأنها ستنتصر كان واهماً، لعدة أسباب، أولها أن القصف الجوي لا يمكن أن يسقط نظاماً على الأرض، ولو كان هذا ممكناً لأسقط الأمريكيون نظام صدام حسين في العراق، عندما قصفوا بغداد عام 1996، ولما اضطروا لاجتياح العراق براً عام 2003، أما السبب الآخر فهو أن التنظيم حتى لو انكفأ أو تراجع أو سقط في الرقة والموصل فإن هزيمته وانهياره تظلُ رهناً بزوال الأسباب الموضوعية التي نشأ بسببها هذا التنظيم، وهي أسباب من بينها استهداف المسلمين السُنة ومحاربة الإسلام السياسي المعتدل الذي هو في الحقيقة البديل الوحيد عن الإسلام المتطرف المتمثل في «داعش» و»القاعدة».
صعود قوى اليمين المتطرف في العالم إلى الحكم، بما في ذلك وصول ترامب إلى رئاسة البيت الأبيض، يُفاقم من أزمة «داعش» ولا يُساهم في حلها، وفي الوقت نفسه فإن التطرف يصعد بسبب التطرف المضاد ورداً عليه، وهكذا فإن العالم يدخل في حلقة مفرغة سببها الأساس الفشل في التعامل المبكر مع الظاهرة، حيث كان على العالم قبل أكثر من عامين أن يُهيئ الأسباب للقضاء على فكرة «داعش» بدلاً من قرار تشكيل التحالف الدولي الستيني الذي يقصف من الجو.
خلاصة القول إذن أن تنظيم «الدولة» هو الذي يدعم صعود القوى اليمينية المتطرفة في العالم الغربي حتى يُغذي الحرب ضدها، ومن ثم يدخل العداء في حلقة مفرغة ليدعم كل تطرف تطرفاً آخر مضاد، وبناء عليه فلو كانت الدول الغربية والعربية تريد فعلاً القضاء على تنظيم «الدولة» وغيره من قوى التطرف في المنطقة العربية، فيتوجب أولاً أن توقف الحرب الروسية الإيرانية على الشعب السوري الذي يشعر -أو يُراد له أن يشعر- بأن استهدافه يتم على أساس طائفي، كما يتوجب أيضاً ترك الفضاء مفتوحاً للإسلام السياسي المعتدل، سواء كان يتمثل في جماعة الإخوان المسلمين أو غيرها، لأن هذا الاسلام المعتدل هو الضمانة الوحيدة للحيلولة دون التطرف، كما أن الثورات المضادة التي ظهرت لاستئصال وإفشال ثورات الربيع العربي تصب أيضاً وعلى الدوام في خدمة تنظيم «الدولة» الذي ظهر على أنقاض ثورة فشلت في سوريا وقاومها النظام بالسلاح والقوة المفرطة.
في السابق كانت المنطقة العربية بحاجة لخطة إنقاذ شاملة تحميها من التطرف والجنوح نحو العنف، واليوم يحتاج العالم بأكمله لخطة إنقاذ تحميه من موجة التطرف والصعود الحاد لقوى اليمين، وما يمكن أن ينجم عنها من مآلات.
كاتب فلسطيني
محمد عايش