حين ظهرت صناعة التلفزيون، ظهرت معها صناعات رديفة ومساندة لهذا الاختراع الجبار، منها صناعة الترفيه، وصناعة الدراما التلفزيونية وصناعة الأخبار (نعم، الأخبار أكبر قطاع صناعي رابح في العالم العربي بل والعالم كله.. تخيلوا!).
وطبعا، كان الهدف دوما هو المشاهد، وتربية ولائه لهذه القناة أو تلك، بمعنى أن المشاهد كان الطرف الآخر في المعادلة، وقبوله أو رفضه للمعروض يحدد كثيرا من مقومات الصناعة التلفزيونية، وهذا يعني أيضا أن المشاهد كان له منذ بدأ التلفزيون احترامه القائم على ذائقته ووعيه ومزاجه إلى حد ما، وطبعا الذماء في الصناعة الإعلامية له دوره في توجيه تلك الذائقة لكن بحدود.
في عصر الفضائيات، ومع تسارع ثورة تكنولوجيا المعلومات وهذا الدفق الخرافي في تلك المعلومات بحيث أصبح المتلقي (مشاهدا أو مستمعا أو متصفحا) رهينة كل هذا الدفق، كقشة في مواجهة شلال عتي وهائل، لا مجال للمقاومة هنا، بل الاندماج في الدفق والسير معه.
صناعة التلفزيون هنا، أصبحت تتملك مفاهيم جديدة وعكس ما ساد من معادلات سابقة في عصور ما قبل الفضائيات.
المشاهد، لم يعد هنا طرفا في المعادلة، بل هو من مكوناتها التي تتعرض للصهر والحرق والتبريد وكل ما يمكن أن يكون في أواني التلفزيون المستطرقة، المشاهد هنا أصبح هو المادة التي يعجنها التلفزيون وأرباب صناعته، بدون أي اعتبار لأي قيم.
من هنا، يمكن فهم «ولا أقول تفهم» المادة التلفزيونية الخالية من أي قيمة أخلاقية محترمة وقد قذفتها قناة «الحياة» المصرية في وجوهنا، وأعني تلك الفقرة السمجة جدا من برنامج اسمه «ثلاثي ضوضاء الحياة»، والذي صار فيه الخلط مقززا ممزوجا بسوء فهم عن الكوميديا وخلطها بالتهريج وقلة الإحساس.
ما حدث أن فنانة اسمها شيماء سيف «لا أعرفها بصراحة» تمت استضافتها من قبل ثلاثة مقدمين شباب «غاية في ثقل الدم»، وبدأ مقدمو البرنامج بكل ما يملكون من مساخر بالسخرية والتهكم على وزن الضيفة الشابة بشكل مسيء ولا خفة دم فيه في المطلق.(أحدهم ذو وزن ثقيل مثل دمه نسي نفسه وتمادى في التهكم).
طبعا هنا يتحول المشاهد (أو قطاع عريض من المشاهدين) إلى مادة تلفزيونية، وعليك القبول حتى لو اعترضت، بل إن اعتراض الكثير على أي فقرة في التلفزيون أصبح مطلبا لأصحاب القنوات، فهذا ضجيج مطلوب، وتلك ضوضاء الغوغاء التي يعيش عليها هؤلاء، مثل ثلاثي ضوضاء الحياة، المستلهمين اسم برنامجهم من «ثلاثي أضواء المسرح»… من زمن كان الترفيه فيه صناعة محترمة، والمشاهد أيامها قادر على وقف الإسفاف، لا زماننا الذي أصبح فيه المشاهد نفسه مادة إسفاف!
من خدش حياء من؟
ومن علامات الإسفاف الكبرى ما دمنا في سياق الحديث عنه، ما تابعته على الفضائيات المصرية من جدل على خلفية تصريحات طحلبية متسلقة أطلقها نائب مغمور في البرلمان المصري، اعتقد واهما أن التسلق على سيرة المبدعين الكبار سيعطيه موطئا تحت الضوء.
لم أتابع الفيديو الأصلي، الذي أطلق فيه النائب المغمور أبو المعاطي مصطفى تصريحاته التي اعتبر فيها أدب نجيب محفوظ خدشا للحياء العام، لكن استوقفني حوار ما بعد الضجة على القناة المصرية في برنامج اسمه «من الآخر» استضافوا فيه المتسلق أبو المعاطي نفسه.
طبعا، مجرد ارتقاء مثل هذا الشخص إلى قناة المصرية انطلاقا من قناة مغمورة أطلق فيها تصريحات لا قيمة لها، ثم إعادة علك واجترار تلك التصريحات عبر المواقع الإلكترونية وإثارة الغبار حولها كاف لخلق جدل في عالمنا العربي المشغول بكل قضايا الجدل، واكبر منتج للثرثرة بلا طائل.
تابعت رد النائب المبسوط على حاله والمختنق ببذلته التي يبدو أنه مستحدث على ارتدائها أصلا، ليواصل ببراعة أحسده عليها عملية «التسلق الضوئي»، التي يتقنها بتمرير نفي خجول لتصريحاته، التي كان يمكن أن لا يسمع بها أحد، وبدأ بعرض ثقافته الأدبية الخاوية كتجويف حجري في أرض يباب.
هذه صناعة جديدة في عالم التلفزيون، اسمها صناعة «الهبل»، والهدف منها نشر الهبل والترويج للإستهبال كبديل للثقافة الحقيقية، التي إذا اختفت، راجت صناعة الجهل المجدية والرابحة.
طبعا لا أقصد هنا أبدا بأي حال، تأليه الراحل نجيب محفوظ، لكن ما أقصده هنا أن الإسفاف وصل إلى أن يتنطع رويبضات في الحديث عنه بما لا يليق وقامته الأدبية العالية.
كان هناك زمن، كان فيه النقد الأدبي أو الفني له أهله وناسه، ومما أذكره مثلا أن مجلة «الحوادث» في الثمانينيات كانت تنشر سجالات بين الناقد جهاد فاضل والشاعر الراحل الكبير نزار قباني، كان جهاد فاضل ناقدا وإن اختلفت معه، فهو يملك الأدوات وكان نزار يرد عليه في جدليات أثرت المعرفة والقراء.
معيب ما ننحدر إليه نحو قيعان لا قرار لها من الإستهبال!
هوليوود حينما تجعل الاغتصاب فناً
درجت هوليوود على اكتساح السوق العالمية بحرفيتها المتناهية ودقتها وجرأتها في التعاطي مع كل ما تصنعه من أعمال فنية. ولعل الضجة التي أثارتها اسبانيا في اعتمادها مشهدا هوليووديا متقنا للتدليل على العنف ضد المرأة، جعل مشهدا للاغتصاب يتصدر شبكات التواصل الاجتماعية، التي وجهت انتقاداً واسعاً لهوليوود.
الاغتصاب الذي وقع بين بطل الفيلم مارلون براندو وبطلته ماريا شنايدر «كان حقيقياً، وأن الممثلة لم تكن على علم به». كما كشفت صحيفة «نيويورك تايمز» أمس.
وتنقل الصحيفة عن شنايدر في مقابلة معها قبل وفاتها إنها شعرت بـ «الاقتراب من الاغتصاب» أثناء تصوير المشهد المذكور مع براندو، وإن الدموع التي ذرفتها فيه «كانت حقيقية». وهذا ما أغضبها بشدة.
ترى إذا كان مشهدا كهذا يثير ضجة عالمية بعد 44 عاما على تصويره فماذا نقول ولدينا إرث يومي من الاغتصاب الحقيقي، سواء للجنس الآخر أو للعقول، نتيجة المشاهد التي تعرضها الكثير من فضائياتنا وتتجاوز الاغتصاب، دون مساءلة أو محاسبة!
لا ينجح الشباب إلا بالتراث أيضا
ولفتح نافذة تفاؤل جميلة، بعيدا عن الإسفاف الإعلامي وحتى بعيدا عن «ضجيج» أحلام، الذي يشكل صناعة إعلامية في عالم الترفيه.. فإن الحلقة الأخيرة من «آراب أيدول»، شهدت وقعا خاصا في الوجدان الموسيقي.
الحلقة الأخيرة التي بثت الجمعة الماضية، قام فيها البرنامج بتوزيع المشتركين على مجموعات «تتجانس أو لا تتجانس»، حسب أغنيات تم توزيعها عليهم. طبعا أخفق من أخفق ونجح من نجح، لكن من بين كل الفرق، كان فريق «جلسة» الأجمل والأبهى والأرق حضورا، والأهم أنه بتجانسه المميز، قدم لنا من عيون الفن اليماني القديم والتراثي أجمل أغانيه، «يا منيتي ويا سلا خاطري» بتوزيع مبهر وأداء صوتي ولا أحلى.
يثلج القلب أن جيلا من الشباب لا يزال يستحضر التراث ويعيد تجديده بهذا الشكل الجميل.
إعلامي أردني يقيم في بروكسل
مالك العثامنة