المكان: فضاءُ الذاكرة السوريَّة

حجم الخط
0

دمشق ـ من جوان تتر: الحروب تخلق ذاكرة جديدة، وتتبلور تلك الذاكرة في الكتابات وأنواع الثقافة المتعدّدة، فما كان متواجداً ما قبل الحرب السوريَّة من ذكرياتٍ للمكان، غدت مضاعفة، حيث نار الحرب مستعرة في كلّ الأنحاء، ما يدفع إلى الاستذكار واستحضار كل ما كان قديماً بشكلٍ قاسٍ، فالمكان بدلالاته الحجريَّة والبشريَّة فعليَّاً تغيَّر، إلّا أنّ الأذهان – رغم صدع المكان على إثر القصف المتواصل- لا زالت محتفظةً بالصور القديمة لكلّ حديقةٍ أو منزل مهجور أو مبنى سيتهاوى بعد لحظات.

كل شيء مؤقّت:

يقول الشاعر مناف محمّد المقيم خارج سوريا حول المكان: «قبل الحرب لم تكن هناك حالة قطيعة بين الحاضر الذي كنت أعيش وبين الماضي المكاني الذي كنت أستطيع العودة إليه متى شئت، كان المكان الذي تركته متاحاً لي – دون الكثير من الحنين- وحتّى ذكريات الزمن كان من الممكن استعادة بعضها، إذ كان من الممكن زيارة الأشخاص أنفسهم واستعادة الذكريات البعيدة»، أمّا عن الرّاهن السوري يتابع مناف: «لم أعد قادراً على السؤال عن الأماكن التي شكّلت ذاكرتي المكانيَّة – بالطبع لم أعد قادراً على العودة- هناك حالة قطيعة شبه مطلقة مع الأمكنة التي أحببـــــتها وقضيت فيها ما أعتقد أنها كانت أجمل أيّامي، حالة الحنين إلى الأمكنة تضخّمت حتّى غطت على أمور أخرى كثــــــيرة لم أعد قادراً معها على بناء ذاكرة لا مكانية ولا زمانية مخافة الحنين الذي من المفترض أنّه سيتضخّم بعد الرحيل المتوقّع دائماً».

تغيّرات الحرب:

بينما يقول القاص السوري عباس علي موسى المقيم في الداخل السوري عن المكان أنّ: «ثمّة أماكن كانت تكتسب في ذاكرتنا قديماً قيماً ومعاني مختلفة، ربما جميلة أو لا، حميمية أو لا، لكن وبسبب ظروف الحرب تغيّرت، فثمّة أماكن اتّخذت قيماً ومعاني جديدة وثمة ذكريات وأماكن لم تكن تعني لنا أيّ قيمة تُذكر، وصار هناك ما يشبه الذاكرة الجمعية نتيجة تداولها في الإعلام واشتراك قطاع كبير من المجتمع بها من ناحية التأثّر، فمثلاً كوباني هي مدينة تعني أشياء كثيرة بعد الحرب أكثر من مجرد كونها مدينة أعرفها عن طريق عدد محدود من أصدقائي في الجامعة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى حلب والغوطة».

هزّة عنيفة:

فيما يرى الشاعر السوري خضر الآغا أن العيش بعيداً عن سوريا أشبه بـاضطجاع المرء: «على فراش الموت، يمرّ شريط حياته أمام عينيه خلال لحظة، مع فارق أنّه يمرّ علينا على مدار الساعة»، ومن ثم يضيف: «الذاكرة الأكثر قوة وحضوراً، وبطشاً ربما هي المتعلقة بالثورة، الأمكنة التي اعتدت على تسميتها «أمكنة الثورة»، الأمكنة التي أعرفها وتلك التي لم أرها، التي أعرفها تترسخ في ذاكرتي بحجارتها، بأزقتها، بحاراتها، أما التي لا أعرفها فالغريب أن الصورة التي بنيتها عنها كانت أقرب للحقيقة، وهذا بسبب، ربما، أن أمكنة الثورة متشابهة»، وعن الغربة واستذكار المكان يتابع: «أتذكر الآن تفاصيل ما كنت أهتم به سابقاً، وأشعر تجاهه بحنين لم أكن أتصور أنني يمكن أن أحن إليه، حتى جيراني (الغليظين) أتذكرهم الآن وكأنهم غيوم ملونة، بيتي في دمشق صغير، كنت ضجراً من كونه صغيراً، الآن، أتذكره وكأنه قصر باذخ».

بُعد حسّي وأخلاقي:

أمّا الروائي السوري المقيم في برلين حليم يوسف فيتحدّث عن علاقته القديمة مع المكان الأوّل على أنّها كانت: «إشكاليَّة منذ البداية، ثمّة حب عميق يجانبهُ نفور صاخب يستقرّان في داخلي تجاهه، حب له علاقة بالبعد الحسّي والأخلاقي والإنساني، ونفور له علاقة بالبعد السياسي والاجتماعي»، ومن ثم متابعاً: «لم أكن على وئامٍ مع المكان يوماً من الأيّام، وصل بنا الأمر إلى حدّ العداء المطلق، وكان على أحدنا أن يفني الآخر ويقضي عليه أو أن يغادر أحدنا الآخر لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ثلاث وثلاثون سنة كانت كافية لكي تساوي بين ذلك المكان وبين الموت بالنسبة لي فاخترت المغادرة كي لا أموت مختنقاً». ومن ثم أردف قائلاً: «كنت أعرف أنني بمغادرتي المكان لن يراني ولن أراه مرة أخرى، ومع مرور السنوات حاولت التلاؤم مع تلك القطيعة التي كنت أظنّها أبديَّة مع ذلك المكان العنيد، غير أنني لم أفلح في تهشيم جمجمة الحنين بمطرقة النسيان، وتحولت إلى قناعة ترسبت في أعماقي الحزينة وهي أنني لن أستطيع العودة إلى مكاني الأوّل إلّا كجثَّة». ويقول الروائي حول عودته بعد خمسة عشر عاماً إلى المكان الأوّل: «انبعثت الروح في العلاقة مع المكان، كنت أعتقد المكانَ ميّتاً في داخلي، فإذا به وحش نائم مغلّف بالحنين والحسرة والفجيعة والحبّ».
مهما كان البعد، يبقى الذهنُ السوري أسير المكان، الصور تتوالى عبر وسائل الإعلام والكتابة المختلفة لتضاعف قساوة الجرح، فقط الصورة هي من تحيي عِظام ذاكرة المكان السوريَّة.

٭ شاعر سوري

المكان: فضاءُ الذاكرة السوريَّة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية