ذاكرة الحرب ونسج الحب في «آخر سكان دمشق» لبسمة شيخو

حجم الخط
0

«آخر سكّان دمشق « نصوص تستحمّ بماء الحزن، وأخرى تسبح في بحر الحُب، إنّها كتابة الحزن حين يتوازى مع نسج الحب بالكلمات، ليكونا معطفاً وثيرا ترتديه المعاني ثمّ تحلّق بأجنحة كثيرة مطاردة شراسة دخان الحرب ووحشية العالم، في أجواء تتنازعها سماء ملبّدة بالفجائع وأرض مليئة بالأوجاع.
يظلّ النّص الأدبي من بين أكثر القوارب تحمّلاً لرفع الأثقال التي أعيت كاهل البشرية، وهو الأقرب لتصوير الذات الإنسانية من الداخل. الحروب والأزمات تنتج الخراب وتشيّد للتيه قامة، وتفرز في الوقت ذاته أصوتاً تتصدّى لذلك بقوّة الكلمة وتأثيرها وبعمق الإبداع وتمثّله.
بين يدي خمسون نصاً تمّت كتابتها بين شهر أغسطس/آب 2014 إلى شهر ديسمبر/كانون الأول 2015، موزّعة على مئة وثلاثين صفحة، للأديبة السورية بسمة شيخو في مجموعتها المعنونة بـ»آخر سكان دمشق» يلتقي القارئ بضجيج أصوات البشر، وحركة أقدامهم، وأنفاسهم وتنهّداتهم بين الأسطر وداخل الجمل المعجونة بالوجع والألم تارة، وبالحب والأمل تارة أخرى. لعلّ القطعة التي تصدّرت الكتاب حاولت اختزال المجموعة في بضع كلمات. معان كثيرة تشاطرتها النصوص، صفحة تلو أخرى، جاء فيها قولها:
ألف لام ميم
ألف
لام
ميم
ثلاثة حروف تؤرجحني ما بين ألمٍ وأمل.
النصوص تتجاذبها ثنائية الأمل والألم، تبدو مكتوبة بنفس واحد، أو في أجواء متقاربة، ربمّا يعود ذلك لتقارب تواريخ كتابتها الذي من المحتمل أن يكون له أثر في تماسك الحالة النفسية لحظات الكتابة، فالنصوص، كما يقول الناقد سعيد يقطين في تقديمه للمجموعة، «باعتماد التواريخ التي ذيلت بها بعض القصائد، مع معاينة أن بعض الأزمنة متقاربة، مما يدلّ على كون النّفس الشعري الذي كتبت به القصائد واحد». تستعير المجموعة عدّة أدوات لكي تساعد الكلمات على رفع المعاني وتبليغها منها أربعة أصناف: الاستناد إلى السّرد:
ولأن للسرد أهمية كبرى في صياغة الذّاكرة وحفظ الموروث من الاندثار، ولأسباب أخرى كثيرة لا يمكن حصرها هنا، وباعتباره مهارة شهرزاد الأولى، والخيط الذي بإمكانه، إذا كان متينا مترابطاً، أن يمسك بالمتلقي إلى آخر كلمة في النص، جاء الكثير من نصوص مجموعة «آخر سكّان دمشق»، مستندة إلى جدار السّرد الذي منح النصوص طاقة بوح ومساحة أكبر للإنصات للذّات، من نماذج ذلك نص بعنوان «حياة طبيعية جدا»: ( حياتي طبيعية جدا/ مازلت أحلب ضوء شمس من زجاج نافذتي المكسور/ أقطف الرّيح العالقة/ على ملاقط الغسيل/ أنشر الأغاني على السّطح/ وأعزف لحن الفطور على رغيف الخبز / فتنتشي المدينة القاحلة بأنغام القمح/ أحمل كلمات الاعتذار في حقيبتي/ وأسير حافية كما نذرت جدّتي / ألقيها على الطرقات/ أعلّقها على الأشجار/ قذيفة جائعة / تلتهم كلماتي/ فأكمل طريقي خرساء / أجلس عند أبواب الجوامع / عند الملاهي والبارات/ لا بشر في هذه المدينة/ فزّاعات فقط / أيتامٌ يموتون عند قدميّ/ وشعراء بلهٌ يتغنّون بياسمين دمشق / بكلّ صراحة / أنا لا أبكي/ ولا أملك دموعاً لذلك/ الملحُ يخرجُ من فمي).
نصّ يحمل طاقة بوح كثيفة، يصوّر حالة التيه والضياع التي يرمي بها الحزن إنساناً مفجوعاً، أو مكلوماً، وفيه تمّ استعارة كلمات قاموس الطبيعة (الأشجار ـ القمح ـ الياسمين…الخ) وألفاظ أخرى تشير إلى المكان (الجوامع، الملاهي، البارات..الخ)، تعاضدت هذه الجزئيات وغيرها سعياً لرسم الفكرة التي يريد النّص تبليغها.

الاستعانة بالتصوير والتشكيل:

وهنا تستثمر النصوص الفن التشكيلي والتصوير، وتؤكّد بالكلمة على أهمية خطاب الصورة وإمكانية تحقيقه عبر النص المكتوب، ونماذج ذلك كثيرة في المجموعة من بينها نص «المهرج»: (سرقت أنفا أحمر/ ارتديتُه/ بدأ النّاس حولي بالبكاء/فصرتُ أضحك/بشكل هستيري/حتّى انقلبت عيناي/وأصبحت مهرّجاً حقيقياً /سأشتري /سروالاً فضفاضا/أريده مخطّطا،/أخضر وأزرق/ تتناوب الأرض مع السماء/ مرات عدة/ عند ساقيّ، قبّعة بنيّة مزركشة/تشبه غطاء التّابوت/أرفعُها/فتتسلّل الجثث من رأسي/ وتلقي التحية).
مقطع من هذا النّص، هو نموذج كفيل بنقل المشهد من حروف وكلمات بين عيني القارئ إلى صور تموج وتتحرّك وتتلوّن في مخيّلته، كأنّ بالنصّ تلتقطه كاميرا، وتترجمه اللغة جاهدة في تبليغ المعنى، الذي سيتشظّى وينشطر إلى معان، عند كلّ قراءة، وبين يدي قرّاء متباينين في قدرات التأويل.

اللّجوء إلى مسرحة الفكرة:

النفس التراجيدي الذي يلوح في أفق بعض النصوص، استدعى تأثيث النص ببعض إكسسوارات المسرحية، يقف القارئ أمام الرّكح متابعاً الديكور والأجواء، التي تأتي منفردة مفرغة من أصوات الممثلين، ولو كان حضور أصوات للشخصيات، لكانت هذه النصوص تمثّل حوارية رائعة، لكنها جاءت مثقلة بالديكور والإكسسوارات، خالية من ضجيج الأصوات والبوح المترقّب من هؤلاء الممثلين المرتقب منهم أن يدلوا بدلوهم، وبغياب أصواتهم، كان صوت الراوي قوياً مجلجلا، وكأنّي به أفرغ المكان لذاته، واستفرد بنسج خيوط القصة، كاتماً أصوات ممثليها، أمثلة ذلك كثيرة منها نص «ثقب في قلبي»، وفيه ورد (بيوتٌ طينية/ ترابٌ وماء/ مشاريع غير منتهية لبشر/ كانوا سيكونون يوماً مثلنا/ لو أنّ نفحة من روح الله حطّت على جدرانهم/يلتصقون ببعضهم/ كشيوخ مسنين / يخشون السقوط/ألقيت عليهم السّلام/من فرط تعبهم لم يردّوه عليّ/ إلاّ بتلويح نوافذهم الخشبية/ تحت شمس كانون/ لا شيء يذكّر بالخريف/ إلاّ ضجيج علبة معدنية/ تلهو بها الريح/ ورجـــل ملفّ بالصوف يصلّي على الرصيف/ بالقرب من عربته/ قبلته المباشرة شجرة/ فهي مركز الكون أيضا).
لا مكان للآخر (الممثل) فعلوّ صوت الراوي وسلطته استحوذت على كامل الفضاء، وهكذا استحالت الشخوص إلى ما يشبه الأشياء التي تؤثّث المكان، والتي تمّت استعارتها لإتمام المشهد، وليس للمشاركة فيه، ولو كان للشخوص صوت داخل النّص، لكانت قيمتها التراجيدية أعمق وأكثر تأثيرا في الذّات القارئة، التي تصبو للدخول للنّص من مداخل متعدّدة، والتي تتعدّد بتعدد الأصوات وتتناسل بتباين أفكار الممثلين.

تجاذبات النصوص
بين التجريد والتشخيص:

على ثنائيتي التجريد التشخيص نهضت بعض نصوص مجموعة «آخر سكان دمشق «، فالشيء المجرّد قد يغدو مشخّصا، والمشخّص قد يستحيل مجرّدا في بوتقة بناء الصور وصياغة النصوص وتركيبها فنيا، من أمثلة ذلك نص بعنوان «ينبح عالياً»: (الفقر ينبح في الشوارع / يتجوّل ليلاً في الأحياء التعيسة/ يوقظ الجوع النّائم من سنين/على عتبات المطابخ/ويقضّ مضجع البرد/ يبكي أغطيته الممزّقة/ يملأ الخوف بالرّغبة/ فيغتصب نساء البيوت البعيدة/ينجبن أطفالا/ لا يشبهون ذاك الرّجل النّحيل/ على ضفّة السرير/ أطفال/ خائفون/ باردون/ جائعون).
الفقر كحالة اجتماعية قاسية، كثيراً ما يتمّ تشخيصه في صور كثيرة معبّأة بمعاني الخوف والتوجّس، ذلك أنّ الفقر يجعل من الفرد كادحاً بشكل مضاعف في دروب الحياة الشائكة، وهنا في هذا النّص تمّ رصد حركة الفقر وهو يجول الشوارع ليلاً، ويفعل ما يفعله بالفقراء من جوع وبرد ومرض وتشرّد وغير ذلك، تحديد فترة الليل يبدو هو الأنسب، ففي الليل تتكثّف حالات المعاناة حيث إصغاء الذات لذاتها تحت جنح الظلمة.
هذه القراءة كانت بمثابة الإطلالة على تجربة أدبية معاصرة، وصياغة رؤية نقدية لنصوص «آخر سكان دمشق» التي اتصفت بالنثرية والانفتاح، وهي نصوص تبدو منبعثة من حالات نفسية سبقت لحظة الكتابة، وامتدّت حتّى لحظة الكتابة والتدوين، وتظلّ هذه النصوص كغيرها من النصوص الأدبية منفتحة ومستقبلة لقراءات متعددة.

٭ أكاديمية جزائرية

ذاكرة الحرب ونسج الحب في «آخر سكان دمشق» لبسمة شيخو

فاطمة نصير

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية