قالها الرئيس السيسي وكررتها كثيرٌ من الألسنة، وكأي كلمةٍ أو مصطلحٍ يطلق في فضاء الحياة العامة مرت بدورةٍ من تفاؤل الكثيرين من الطيبين حسني النية والساذجين، بها وتطلعهم لمستقبلٍ مشرقٍ أفضل ينتظر قريباً على ناصية الطريق. وشكك فيها معارضوه (الذين كانوا قلةً على أي حال في بداية عهده الميمون) ومن ثم صارت مسببةً للامتعاض وصولاً إلى كونها باتت مثاراً للسخرية في ضوء ذلك الرخاء الذي ما يني يتباعد ويروغ كالسراب تماماً.
لم يلاحظ الكثيرون في حينها أن الكلمة غامضة ومبهمة، حمالة أوجه، لذا فقد رأى كلٌ من الناس فيها ما شاء واشتهى وحلم به وغنى على ليلاه، إلا أن المفارقة، المضحكة في حقيقة الأمر التي تليق بواقعٍ عبثي، هي ان الرئيس السيسي لم يشرح ولم يحدد، وليس في ذلك ما يدهش أيضاً، فالرجل فاقد البرنامج باعترافه، والرؤية من واقع متابعة ومراقبة تحركاته، لا يُنتظر منه ان يفصل كلمةً قيلت عرضاً بغرض استثارة الهمم وبث الحماسة الوطنية، ولا تعدو فعلياً أن تكون كلام فض مجالس ومحض «طق حنك» مما يحفل به الفضاء العام في بلداننا ولغتنا المحملة بكمٍ مستحيلٍ من المترادفات.
لكن بكل تأكيد فإن للرجل مقصداً وغرضاً، وهو يريد ان يرى مصر على صورةٍ ما وفق تصوراته، الغامضة الغرائبية بدورها، فنحن لا نعلم يقيناً مصادر هذه الثقافة كون الرجل لم يكن شخصيةً عامة، ولا تلقى تربيةً سياسيةً في منظمةٍ حزبيةٍ، كما هي الحال في أوروبا مثلاً، ولم نسمع منه حديثاً منمقاً يستفيض فيه في شرح رؤاه ومصادر تشكل وعيه من قراءاتٍ وما أشبه، ولا أظنه قرأ أو اطلع على أدبياتٍ سياسيةٍ ذات بال؛ خلا ما قد يكون تسرب إلى وعيه من التشكيلات التي خدم بها «وطق حنك» مقاصف الضباط في الأركان القصية المنسية، فإن كل ما وصل إلينا أحلامٌ بسيفٍ وساعة أوميجا وصدماتٍ طفولية من أقرانٍ تكاثروا عليه مستقوين معتدين، وهي كلها اعترافاتٌ كاشفة بالمعنى الفرويدي.
على أي حال نستطيع ان نحكم على مصر التي يطمح إليها السيسي ونظامه من أفعاله و»إنجازاته»، وعلى سبيل المثال لا الحصر: توحش المنظومة الأمنية وانفلاتها من أي موانع، وآخرها قتل المواطن مجدي مكين، ناهيك عن الاختفاء القسري والاعتقالات والصدامات المستمرة مع الإضرابات والاعتصامات، ومثول العمال أمام محاكم عسكرية، وعلى مستوى مؤسسات المجتمع المدني هناك الحكم بحبس نقيب الصحافيين وعضوي مجلس النقابة، في سابقة لا مثيل لها ربما في التاريخ المدون. وقبل ذلك الاصطدام بالأطباء، والآن قانون الجمعيات الأهلية، الذي يعد من الناحية الفعلية بإنهائها. أما على المستوى الاقتصادي فحدث ولا حرج، إذ أن غلاء الأسعار وانخفاض قيمة الجنيه بعد تعويمه والتضخم لم تعد أخباراً نذكرها، أما تأثير ذلك المدمر على قدرة الناس الشرائية ومستوى حياتهم، المتدني جداً في الأساس، فما زلنا نكتب أول سطرٍ في أول فصلٍ فيه، فالأزمات لن تنتهي ولعل آخرها وأخطرها أزمة الدواء، ومجمل نتائج وتجليات تلك القرارات الاقتصادية الطاحنة، يدل بلا شك على أن الرئيس السيسي والنظام لم يحسبوا حساب العواقب، وأنهم معتمدون أساساً، وعلى الأغلب حصرياً، على ستر الله للأمور ولطفه! والخوف والعنف بالطبع.
في يقيني أننا نستطيع ان نتحدث بثقة عن كون الثورة المضادة تخوض حربها على كل الجبهات، السياسية والاجتماعية والاقتصادية، شالةً ومجرفةً أي براعم للحراك ومحاولات التنظيم السياسي وباحثةً عن تحميل الجمهور فاتورة فشل السياسة الاقتصادية طيلة ما يقارب الأربعة عقود، ليس ذلك فحسب وإنما تخوضها بكل شراسة منفلتةً من أي عوائق أو قواعد للعبة كانت شبه معترفٍ بها من قبل ومتملصةً، أو بالأصح متخلصةً، من أي سقفٍ للعنف. ثمة تقدمٌ نوعي لدور المؤسسة العسكرية في هذه الحقبة، بما يقتضيه الظرف، فالسيسي يؤمن بها وفي حقها وأسبقيتها على الآخرين في وضع يدها على ما تشاء، لاسيما أنها من الناحية الفعلية صارت هي الضامن الحقيقي والأكبر لاستمرار النظام.
الأهم، وربما من حسن حظ السيسي أن هجمة ثورته المضادة تلك تتزامن مع ظرفٍ عالمي وإقليمي شديد الارتباك، حيث اهتزت وسقطت كل المعادلات التي رسمت وجه الحياة السياسية في الدول القومية، عقب الحرب العالمية الثانية، فتقاربت برامج كل الأحزاب على اختلاف أطيافها، تعبيراً عن انحسار دور اليسار الرسمي ذي الشعبية، أو ما كان يطلق عليه ذلك، وفي سياق أزماتٍ متتالية للرأسمالية في مختلف حللها ومع غياب ذلك البديل اليساري الحقيقي كقوةٍ شعبية جماهيرية، برز دور أحزابٍ وتنظيماتٍ كانت هامشية، بل مدعاةً للسخرية، وهي في أغلبها تجنح لليمين العنصري المتطرف، الأمر الذي بلغ أوجه في انتخاب مهرجٍ أحمق، بل خطر، لرئاسة أكبر وأقوى دولةٍ في العالم.
إن ترامب وأقرانه لا وقت لديهم لمشاكل الشرق الأوسط، فهم مشغولون بالصين وبأزماتهم الاقتصادية، لذا فهم إما يميلون أو يتبنون وجهة نظر استشراقية في جوهرها بأن هذه البقعة من العالم لا تصلح لها الديمقراطيةٌ، وأنها محكومٌ عليها مقدرٌ لها أن تظل ممزقةً على حواجز الدين والطائفة والعرق، ما يفسر تفضيل استمرار الأسد وأمثال الرئيس السيسي وبروز سيناريوهات التقسيم وإعادة رسم الخرائط.
ولأن شيئاً في هذه الدنيا لا يحدث اعتباطاً فإن تلك الهجمة للثورة المضادة في بلداننا ليست بعيدة عن ذلك، على العكس، فهي تعبيرٌ عن ذلك القبول بالأمر الواقع للطغاة المتغلبين في الشرق المسلم المتخلف، مادام يتواءم مع مصلحة أمريكا والغرب.
لم يمزح الرئيس السيسي حين زف لنا أننا «بكرة حنشوف مصر» فبشائر ذلك من العنف والإفقار والتفاوتات الاقتصادية والتجريف السياسي باديةٌ، ولما كان كالقطار الفاقد لأي كوابح لا ينوي أن يقف، فإن البقية مازالت ستأتي، وما أراه إلا مستمراً حتى الصدام أو الدمار الاجتماعي.
٭ كاتب مصري
د. يحيى مصطفى كامل