لقد نُسب لإسرائيل مرتين عمليات تدمير السلاح والذخيرة للجيش السوري. يقولون إنه كان في طريقه إلى حزب الله، ويقولون إنه كان في الطريق من اجل قصف حلب. ووزير الدفاع ليبرمان قال إن الحديث يدور عن «سلاح للإبادة الجماعية».
وهذا محتمل. يبدو أن هذه خدمة عسكرية قام بها الجيش من اجل مصلحة أمن الدولة، في الوقت الذي تتدهور الخدمة السياسية بشكل كبير. توجد امور كهذه في حياتنا المعقدة: من الجيد أنهم استهدفوا سلاح كان ذاهبا لحزب الله ولإبادة شعب حلب، وليس من الجيد التدخل في الحرب بين الأسد والمتمردين. والامر السيء هو أننا لا نلاحظ فرص تقليص حجم التهديد في الشمال، الذي هو الاكثر خطورة على أمن الدولة. على سبيل المثال، محاولة التوصل إلى اتفاق مع حزب الله وإيران وسوريا بوساطة الولايات المتحدة وروسيا، بدل دعم القوات التي تقوم بدعمها دول الخليج والتي ليس لها أي فرصة حقيقية لأن تكون جزءا حقيقيا من الصراع على الحدود السورية المستقبلية.
إن القصف هو عمل صحيح عسكريا وسياسيا فقط إذا كانت السياسة في مركز القرار الذي يقضي بإحضار حزب الله وسوريا وهما ضعيفان إلى المفاوضات حول الترتيبات بعيدة المدى في الشمال. إلا أنه كما في العادة، فإن القصف هو جزء من سياسة المواجهة المستمرة بدون أفق سياسي حقيقي. وإذا قمنا نحن بالقصف فماذا اذا؟ هذه ليست اصابة استراتيجية أو تكتيكية، بل هي اصابة للمستودعات، وهي لن تضر سوريا وحزب الله. وبشكل عام، عندما تقرر دولة مثل سوريا أو منظمة هي نصف دولة مثل حزب الله، التسلح بسلاح «متقدم»، حسب ليبرمان ـ سلاح يكسر التساوي مثل الصواريخ المضادة للطائرات أو الصواريخ بعيدة المدى ـ فإن هناك ألف طريقة لامتلاك هذا السلاح، وليس فقط من خلال السير على شارع دمشق ـ بيروت. واذا لم يكن هذا اليوم فبعد غد.
السؤال المطروح هو هل سنغض البصر عندما يصل السلاح الموجه ضدنا إلى أعدائنا دون ازعاج. والجواب الغريزي هو «لا» بالتأكيد. والجواب الأكثر تعقيدا هو السياسة الحكيمة. أن نبني بمساعدة الولايات المتحدة وسوريا شبكة علاقات أمام محور إيران ـ سوريا ـ حزب الله. واذا كان الهدف هو التوصل إلى اتفاق مستقبلي، فيجب علينا منذ الآن اتخاذ القرارات بناء على ذلك، متى وأين نقوم بالقصف. حزب الله يتجول اليوم بشكل حر قرب الجدار الامني في الشمال، وتتم رؤيته والتعرف عليه، وليس هناك مشكلة في ضربه، وهذا ما سيحدث إذا تسبب استمرار قصف مستودعات السلاح في تدحرج الاحداث، كما حدث في حرب لبنان الثانية.
حزب الله قام باختطاف جنديين من جنود الجيش الإسرائيلي وقتل ثلاثة جنود. ورئيس الحكومة ايهود اولمرت في حينه، قرر استغلال هذه الفرصة للقضاء على مستودعات الصواريخ بعيدة المدى، والقضاء على سيطرة حزب الله في الجنوب. تدمير الصواريخ كان نجاحا مدويا، أما الحرب فكانت كارثية.
في الوقت الحالي نحن نسير في اتجاه مشابه. فالتجربة المتراكمة تُظهر أن الحكومة الحالية تميل إلى تكرار أخطاء حكومات سابقة، مع فرق واحد: جميعها قامت بعمليات استعراضية تحولت إلى حروب نبعت من رفض اجراء المفاوضات السياسية، لكن الضرر المتراكم لدى نتنياهو وشركائه بسبب غياب السياسة، أكبر بكثير.
خلافا للعمليات والحروب التي تمت في السابق في الضفة الغربية وقطاع غزة والشمال، فإن الاحتكاك الحالي في الشمال سيكون مع محور حزب الله ـ سوريا ـ إيران وبغطاء روسي. يقولون إن نتنياهو وضع أمام بوتين «خطوط حمراء» وأن هناك جهاز تنسيق بين اسلحة الجو. وأنا لا أصدق أن بوتين قد وافق على حرية القصف في محيط دمشق. هذا لا يعني أنه يهتم بالقتلى اليهود والعرب، لكن على المستوى السياسي ليس من المفروض أن يمتص بوتين ضرب حلفائه في ظل وجوده. ويمكن القول إن نتنياهو قد قال لبوتين: نحن لا نستطيع السماح بوصول صواريخ معينة لحزب الله تهدد الاجواء والاهداف الإسرائيلية. وبيقين سيقول بوتين: هذا الامر يعنيني، وأنا سأفحص ما يمكن فعله في هذا الامر. بوتين ليس من الاشخاص الذين يكشفون ما يريدون فعله ومتى.
المشكلة هي أن اختبار الواقع لدى نتنياهو يوجد فيه خلل، وهو يتعلق بالضغط الشخصي والمحيط. وليست له مشكلة في ترجمة ما يقوم الكين بترجمته (الذي يقوم بترجمة محادثات بوتين ـ نتنياهو)، إلى تفاؤل لا أساس له. ايضا رئيس لجنة الخارجية والامن، آفي ديختر، سافر إلى موسكو كي يكون في الصورة. وقد سمع ديختر هناك امورا واضحة: حزب الله ليس عدوا، وإيران هي صديقة، ونحن نحارب معا من اجل نظام الأسد العلوي. والحقيقة التي تلعب في صالح نتنياهو هي أن روسيا لم ترد حتى الآن بشكل علني على القصف الأخير.
رجل ترامب
ليس من الواضح مدى نجاعة التنسيق الروسي الإسرائيلي. التنسيق النقيض واضح تماما: ضباط روس وإيرانيون وقادة من حزب الله وسوريا يعملون معا بشكل يومي. الطائرات الروسية مدعومة برادارات تغطي دولة إسرائيل، وصواريخ مضادة للطائرات تشمل صواريخ إس 400. واذا قامت طائرة إسرائيلية باطلاق صاروخ من حيفا نحو موقع قرب دمشق، فهي موجودة على الرادار الروسي وعلى مهداف الـ اس 400 منذ لحظة انطلاقه. صحيح أن رئيس هيئة اركان سلاح الجو، العقيد طل كولمان، قام بالتطمين قائلا: «السلاح الذي تم وضعه في الشرق الاوسط ليس موجها نحو إسرائيل»، لكن لا أحد يعرف كيف ومتى ستعمل روسيا وحلفاؤها في الانعطافة القادمة.
لقد تدهورنا إلى حرب يوم الغفران هكذا بالضبط. فحكومة إسرائيل رفضت اجراء المفاوضات من اجل التوصل إلى اتفاق في حرب الاستنزاف. فقد اعتقد الجيش الإسرائيلي أن السوفييت لن يردوا على قصف سلاح الجو الإسرائيلي في مصر، بما في ذلك اسقاط اربع طائرات روسية. موسكو صمتت، لكنها وقفت من وراء وضع الصواريخ المضادة للطائرات المصرية في قناة السويس. ونشبت الحرب وكان هناك آلاف القتلى وطائرات سلاح الجو سقطت مثل الذباب في شرك الصواريخ المصرية والسورية المضادة للطائرات.
اضافة إلى الحكومة الإسرائيلية، فإن ما يهدد استقرار الشمال هو الرئيس الجديد دونالد ترامب. فلا أحد يعرف، بما في ذلك ترامب نفسه، كيف سيتصرف. ومن سيحاول فرض النظام هنا هو وزير الدفاع الأمريكي، جيمس ماتيس، الذي يعارض الاتفاق مع إيران كلاميا. اضافة إلى ذلك، ماتيس الذي حارب في العراق، عرف أن على الولايات المتحدة العمل بسرعة على حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. وحسب رأيه فإن الغضب العربي والإسلامي بسبب دعم الولايات المتحدة لإسرائيل يضر بالجيش الأمريكي في أرجاء الشرق الاوسط. وقد صرح للصحيفة اليهودية «بورفارد» إنه بصفته قائدا للقيادة المركزية فقد دفع «ثمنا عسكريا وأمنيا بشكل يومي على ذلك». وأوضح ايضا أن «المستوطنات تضر بإسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية، وتُبعد فرصة حل الدولتين وتزيد من فرصة تحول إسرائيل إلى دولة عنصرية». وأضاف: «إن الوضع الراهن لا يمكن أن يستمر، يجب علاجه مباشرة، ويجب علينا ايجاد الطريق للتوصل إلى حل الدولتين. وفرصة تحقيق ذلك بدأت تتلاشى لأن المستوطنات ستحول هذا الحل إلى شيء غير ممكن».
من هنا يمكن العودة إلى موضوع الاتفاق في الشمال. شرط الاتفاق مع حزب الله وإيران هو الاتفاق مع الفلسطينيين، هكذا يمكن اصابة عصفورين بضربة واحدة. وماذا عن المستوطنات؟ إن هذا خلل بدأت محكمة العدل العليا في اصلاحه الآن فقط، لكن المهمة ملقاة على كل الجمهور. مع أخذ استطلاعات الانتخابات في الحسبان، تبدو هذه نكتة. ومع أخذ الواقع في الحسبان فإن هذه تبدو تراجيديا.
ران ايدليست
معاريف 9/12/2016
صحف عبرية