الفساد السياسي والاستغلال الجنسي يهزّان الرياضة

حجم الخط
8

كشف تقرير المحامي الكندي ريتشارد مكلارين، المحقق لدى الوكالة الدولية لمكافحة المنشطات في فضيحة المنشطات الروسية، الذي نشر أمس الجمعة، وقائع مذهلة عن تورّط أجهزة الاستخبارات والدولة الروسية في فساد منظّم تورّط فيه أكثر من ألف رياضي روسي شاركوا خلال سنوات في مسابقات عالمية بينها دورات الأولمبياد الصيفي والشتوي (وحتى أولمبياد ذوي الاحتياجات الخاصة!)، وشمل هذا الفساد المؤسساتي التورط او الاستفادة او التلاعب والتستر على نتائج تحاليل العينات وهي فضيحة بدأت عام 2011 واستمرت على الأقل حتى عام 2015.
بل إن هذه «المؤامرة الممنهجة» ـ على حد وصف التقرير ـ تحوّلت إلى منهاج «علميّ» تستفيد منه مؤسسات الدولة المشرفة عليه، والمسؤولون الرياضيون والمدربون والرياضيون أنفسهم، من التجارب السابقة، كما حصل في أولمبياد لندن 2012، ويصقلها في التجارب اللاحقة، كما حصل في يونيفرسياد 2013 وبطولة العالم لألعاب القوى بموسكو عام 2013 ودورة الألعاب الأولمبية الشتوية في سوتشي عام 2014.
تتوازى هذه الكشوف التي أعلنت في اليوم الدولي لمكافحة الفساد مع فضائح من طبيعة أخرى ولكنها هزّت المجتمع البريطاني مؤخراً حيث كشفت الشرطة البريطانية أن 98 نادياً شهدت حالات تحرش جنسي بلاعبي كرة القدم في طفولتهم، وأعلنت التحقيقات وجود 83 مشتبهاً في تلك المزاعم، وتلقّت الشرطة البريطانية 639 إفادة وبلغ عدد الضحايا، حتى الآن، 350 شخصاً.
وتذكّر هذه الكشوفات بفضائح سابقة تختلط فيها الشهرة والنفوذ بالاستغلال الجنسي واتهم فيها سياسيون ومشاهير من عالم الإعلام، وكذلك بأنباء تم نشرها قبل أيام عن اتهامات لمئات من عناصر وضباط الشرطة البريطانية بالاستغلال الجنسي لنساء أغلبهن من ضحايا الاعتداءات المنزلية.
تفتح فضائح روسيا وبريطانيا كهف علي بابا للمقارنات السوداء، فروسيا بلد معروف باستهتار مؤسساته بالبشر والقوانين المحلية والدولية، وهو ما يفسّر تلك العلاقة القميئة بين الطغيان السياسي وأشكال الفساد العامّ، والرياضة من أشكاله المهمّة كونها توفّر المهابة و«البريستيج» اللذين يهمّان سيّد الكرملين وبطانته باعتبارهما من عناصر القوّة، أما بريطانيا فبلد ديمقراطي وفيه آليّات قانونية كبرى لمحاسبة المؤسسات وحماية المواطنين ولكنّ ذلك لم يحصّن الأفراد، وخصوصاً الأطفال والنساء، من تعرّضهم لأشكال بشعة من الاستغلال قام بها أشخاص من أصحاب النفوذ والسلطة أو المال.
هناك بالطبع فوارق أساسية بين فضائح روسيا وبريطانيا، ففي الأولى يتمّ الفساد والتلاعب والخداع بمعرفة واشتراك وتنسيق كبار الجهات السيادية والأمنية (التي ما تزال تصرّ على براءتها) ولا فائدة ترجى من الاعتقاد بأن هذه الجهات ستتوقف عن فعل ما فعلته لدوافع قانونية أو أخلاقية، أو بسبب العقوبات التي تُفرض عليها لأن هذه الجهات قائمة أصلاً بسبب الطغيان والفساد واحتقار القوانين.
أما في بريطانيا، وبسبب ما ذكرناه من آليات محاسبة وديمقراطية وأحزاب ومؤسسات مجتمع مدني الخ… فلا يمكن أن تتفق كلّها على مؤامرة كبرى لأنها، ببساطة، غير قادرة على ذلك، وهو ما يجعل أكبر رأس تنفيذي في الدولة (رئيس الوزراء) أكثر خضوعاً للمراقبة والمحاسبة والتدقيق على تصرّفاته وأمواله وحركاته من أي موظف مدنيّ آخر.
الفضائح إذن هي فرصة للمقارنات الديماغوجية، ولكنّها أيضاً مناسبة مهمّة للتفرقة بين نظام يُفسد ويدمّر كلّ ما حوله (على حال أغلب الأنظمة العربية) وآخر قادر دائماً على التعامل بصدق مع طبائع النفوذ والتسلط والغرائز البشرية الجامحة، بفضحها، بدلاً من التستّر عليها، ومحاسبتها، بدل الادعاء بعدم وجودها، ومكافحتها، بدل الإنكار والبروباغاندا واللغو.
ولهذا السبب، لا نسمع بفضائح دولنا الدكتاتورية إلا من خصومها، ويبلغ الكذب مبلغاً لا يعود فيه العرب قادرين على الاستمرار بالعيش في بلاد لا تحمي غير فاسديها.

الفساد السياسي والاستغلال الجنسي يهزّان الرياضة

رأي القدس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية