تتجدد محاولات الدراسة والبحث عن غواص بحر النغم عمار الشريعي لأسباب منطقية وموضوعية، أولها أنه من الموسيقيين القلائل الذين جمعوا بين التلحين والتصوير الدرامي للكلمات والأحداث، غير أنه أحد الكبار الملمين بعلوم الموسيقى ودروبها ولديه قدرة فائقة على استخراج ما يلائم الصورة الدرامية من الوحدات الموسيقية وفق قواعد التوظيف العلمي وليس بمجرد الاعتماد على الذائقة الفطرية وامتلاكه للإحساس المرهف فحسب. وهذه الميزة يمكن إدراكها بالأذن، حيث الأذن هي جهاز ضبط الإيقاع الأكثر حساسية، وقد اعتمد الشريعي عليها اعتماداً أساسياً في التقاط التفاصيل الدقيقة لأبعاد النغم والصوت المرتجل، ويقصد هنا بالصوت المرتجل أنه التأثير السمعي الذي يُحدث تأثير ما يكون كافياً للإنباء بأي معنى.
هذه النظرية هي التي اتبعها الموسيقار الراحل في توظيفه الصوتي والموسيقي للتعبير عن مضمون ودلالة الحدث الدرامي، ويعد تفوقه في إثبات الصورة الدرامية أو الحدث هو المجال المغناطيسي لتأثيره كمبدع يمتلك أدوات فريدة في هذا الخصوص وله في ذلك علامات تميز كثيرة يصح أن تكون عناوين للأعمال الفنية التي تولى مسؤولية وضع موسيقاها التصويرية ويأتي على رأسها فيلم «البريء» كنموذج سينمائي للتراجيديا السياسية التي أبدعها وصاغها الكاتب والسيناريست وحيد حامد على الورق قبل أن يصورها على الشاشة المخرج الكبير عاطف الطيب فنراها حقيقة حية مجسدة تتسرب تأثيراتها الإنسانية والنفسية عبر الإيقاع الموسيقي بتنويعاته ومستوياته تبعاً لإحساس عمار الشريعي الشامل بالمضمون وما وراؤه من خلفيات وإيحاءات.
ولأن التصوير الدرامي للموسيقى يتطلب وعيا ثقافيا وسياسيا واجتماعيا فقد كان هو الأنسب لكل ما قام به من أعمال في إطار الإضافات النوعية المتمثلة في إعطاء البعد التأثيري كما أسلفنا، ليس على مستوى واحد ولكن على مستويات كثيرة ومتعددة وهو ما يمكن أن تستوجبه الضرورة الدرامية في عمل فني واحد كما حدث في المسلسل الأشهر «رأفت الهجان» إذ تضمنت الحلقات مرامي وأهدافا وزوايا ونقاطا للذروة داخل كل حلقة على حدة، فعلى سبيل المثال، الإحساس المزدوج للهجان إزاء أحداث رئيسية بعينها مثل نكسة يونيو 67 وهو المصري الوطني منتحل صفة اليهودي المتعصب لإسرائيل، كان من الصعوبة بمكان التعبير عنه التعبير الأمثل الذي شاهدناه دون مصاحبة موسيقية تُبرز التناقض والانقسام داخل شخصية البطل في الظروف الصعبة وإشعار المشاهد بمعاناته مباشرة لتكتمل عملية التأثير بما يفيد السياق العام ويخدم الرسالة الكلية للمسلسل المخابراتي البطولي. كان الموسيقار الراحل الكبير الذي بدأ حياته بالعزف على الأورغ في الفرقة الماسية مع الموسيقار أحمد فؤاد حسن مغرماً بمسألة التركيب الموسيقي وهي التداخل الصعب للمقامات والنغمات وخلق التجانس بين الأضداد، وربما ذلك ما أهله للاتجاه إلى التصوير الموسيقي، خاصة أنه يمتلك موهبة التأليف وله باع طويل في إبداع الموسيقى المجردة المرتكزة على الخيال المطلق من غير كلمات، بالقبض على الفكرة الهلامية وتحويلها إلى موضوع مُدرك بالإحساس والأذن.
لقد نجح عمار الشريعي أيضاً في التحليل فجمع بين ثلاث مواهب مختلفة ذات صلة بالعملية الإبداعية، هي العزف والتلحين والتأليف، وأنفرد بملكة إضافية هي التصوير، تلك التي نراها أكثر وضوحاً في إنتاجه برغم تعدد ألحانه الغنائية لعدد من المطربين والمطربات الكبار كماهر العطار الذي لحن له أغنية «عيد الميلاد» ووردة الجزائرية التي لحن لها أغنية «طبعاً أحباب» وأغنيات أخرى لشادية ونجاة، فضلاً عن إسهاماته مع الكثيرين لنقل مواهبهم والأخذ بأيديهم، كذلك دعمه للأصوات البارزة من جيل الوسط وأشهرهم علي الحجار، نديمه الذي ارتبط به لفترة طويلة ووجد في صوته النبرة الدرامية فجعل يوظفها التوظيف الدقيق والصحيح، ومن آيات تميزهما سوياً مسلسل «رحلة السيد أبو العلا البشري» الذي كتبه أسامة أنور عكاشة وقام ببطولته الفنان القدير محمود مرسي، وقد صوره الشريعي درامياً وموسيقياً على نحو مختلف، إذ عمل على مراعاة الأبعاد الإنسانية المنطوية عليها القصة، فاستخدم أساليب لحنية أضفت مسحة من الشجن وأعطت إحساساً بغربة البطل المثالي في زمان غير زمانه وعالم غير عالمة تجافيه الحكمة وتهزم فيه العدل أمام بطش الظلم ووقاحة الانتهازية. لقد قدمت الموسيقى التصويرية في هذا الإبداع الدرامي التلفزيوني الفريد رؤية إضافية لفتت النظر إلى السوءات الاجتماعية والإنسانية وعمقت الإحساس بالمفارقات في كثير من مواطن العمل، ولعل تتر المسلسل كان موحياً إلى حد كبير بفلسفة الكاتب ورصده لأعماق الإنسان الغائرة ونوازعه الدفينة، وهو قمة اكتمال المعنى التصويري الذي برع فيه عمار الفيلسوف والموسيقي والتشكيلي الموهوب صاحب البصيرة.
كمال القاضي